آراء وافكار - مقالات الكتاب

الجيش العراقي بعد التغيير: الواقع وسبل البناء والإصلاح

المحور الخامس عشر: قطاع القوات المسلحة والأمنية
ورقة دراسة موجزة: الفريق الدكتور المتقاعد سعد العبيدي

١. مقدمة:

بعد العام ٢٠٠٣ جرت عملية إعادة تأسيس الجيش العراقي في ظروف احتجاجات وتمرد وتقصير سياسي ومحاصصة وتحزب وتناحر وانتهازية وفساد أدت كلّها الى شيوع خلل وإنتهاكات أضعفت هيكلية المنظومة العسكرية من جرّاء تسلل الضعفاء والوصوليين والانتهازيين في جميع مفاصلها، فزادوها ضعفاً وفتحوا الأبواب الى تدخل السياسة في شؤونها، مما أدّى الى أن يصبح بوصف أداءها بالمتواضع ومعنويات منتسبيها بغير العالية وقدراتها على الردع بالضعيفة.

٢. واقع الجيش العراقي الحالي:

وإن نجح الجيش العراقي في قتال الإرهاب لعدة سنوات وحقق نصراً ناجزاً إلا أن ظروف تأسيسه وسبل ادارته سياسياً واعتماد نظام المحاصصة الحزبية المقيتة في توزيع مناصبه تسببت في إحداث الكثير من السلبيات التي أثرت على وضعه العام الذي يمكن تقييمه بالآتي:

آ. اعتماد الكم على حساب النوع: الأمر الذي تسبب في حصول الترهل والتشتت والتبذير في الموارد، واختلال التوازن الرُتَبي وارتباك العمل وشيوع التقاعس وعدم الجدية واتساع آفة الكذب والتسويف وعدم المبالاة.

ب. شيوع الخوف من العدو ومن المركز الأعلى: أدّى الى إبقاء المنتسبين في حالة العيش تحت الضغوط (PTSD) منتجاً نوعاً من التشكي وتجنب المواجهة في بعض مواقف القتال، والإعياء والقلق شبه المستمر، ومن ثم استشراء حالة الهروب والتسرب أثناء القتال.

ج. ضعف الضبط العسكري: حيث الاستعداد جماعياً وفردياً أحياناً الى عدم تنفيذ الأوامر وترك الوحدة كيفياً وعدم التقيد بالتعليمات، وارتكاب العديد من المخالفات التقليدية.

د. اختلال الإرادة القتالية: ان القتال المستمر لأكثر من عشر سنين مع الشد والتوتر وضغوط الحرب النفسية، كونت جميعها إجهاداً نفسياً ووَهْناً، أضعفا الإرادة وأخلا بمعنى الحياء العسكري، والضمير المهني.

هـ. اختلال المشاعر الوطنية: ان ممارسات النظام البعثي المقبور ومن بعده الاحتلال ونظام المحاصصة الحزبية المقيت أدت جميعها الى إنحسار المشاعر الوطنية لدى منتسبي المؤسسة العسكرية وتسببت في إختلال روح الجماعة وأضعفت التفاعل مع حب الوطن وتحقيق أهدافه والميل الى التضحية من أجلها.

و. ضعف الاستخبارات والامن: لقد غابت المعرفة الاستخبارية في بداية التأسيس وجرى التجاوز على تراكم الخبرة، وحدثت خروقات أمنية أكبر من القدرة الاستخبارية، فأصبحت نتيجة الجهد الاستخباري المتاح غير قادر على تأمين الردع القادر على كف الخرق الأمني.

ز. الفساد الإداري والمالي: ان استشراء الفساد في كل المفاصل أدى الى عدم تنفيذ الخطط والمهام بالشكل المطلوب وبالغَ بالكُلَف وقلل من الثقة بالجيش وشوّه مهنيته.

٣. معوقات الإصلاح:

كانت هناك محاولات للإصلاح لكنها لم تحقق الغاية بسبب عديد من العقبات، التي يمكن من بينها تسمية الآتي:

آ. الهيكلية التنظيمية غير الملائمة للإمكانات والقدرات ومهام القتال: حيث تم اللجوء في بداية التأسيس الى النقل الحرفي عن التجربة الامريكية بواسطة عسكريين عراقيين لا يمتلكون الخبرة الكافية، الأمر الذي أوجد ثغرات او نقص تنظيمي لا يؤمّن أنتاج الأداء القتالي الملائم، وتقصيراً في الاختيار والتنسيب، وميلاً الى املاء الشواغر دون النظر لعوامل التأثير، واتساعاً في الاجتهاد المنحاز والمسايرة وفقاً للمزاج العام.

ب. عدم كفاية الجهد المؤسسي: إنَّ غياب التنسيق بين القيادات والمقرات أدّى الى نتائج على الأرض لا تؤمن الردع الحاسم ولا التطوير الملائم وأمدَ في الجانب المقابل مساحة الإهمال والمخالفة والخطأ والتجاوز.

ج. غياب الجهد النفسي المعنوي: أدّى ذلك، خاصة في السنوات الأولى من التشكيل، الى استمرار حالة الضعف المعنوي الى حد الانكسار ومن ثم بقاء الخطأ والتجاوز وفقدان القدرة على التأثير، مع عجز واضح لحماية العسكر من تأثيرات الحرب النفسية.

د. عدم وجود جهد بحثي تخصصي: إذ أن المراكز البحثية وعلى قلتها تم تشكيلها بلا متخصصين ولا ميزانية ولا قدرة على المبادرة، مما أدّى الى التسبب في عدم دراسة الظواهر السلبية والابتعاد عن الاساليب العلمية في الادارة والتقييم والتخطيط مع صعوبة التعرف على أوجه القوة والضعف في البناء العسكري، كذلك الايغال في الخطأ والانحراف وانحسار كم المعرفة.

هـ. تعدد مراكز القيادة والسيطرة أو تصدع الهرم القيادي: لقد تسبب هذا الأمر السماح بوجود تدخل سياسي في انتاج القرار العسكري ورغبة عند العسكر في عدم التنفيذ وشيوع سلوك الاتكال. وفي المحصلة أضعفت القرار وعرضته الى كثرة التغيير فيه والالغاء وجعلت سلسلة نقل الأوامر أشبه بالكسولة.

و. الخلل بالحيادية الوطنية: أدّى التنفيذ غير الصحيح للأمر 91 (الدمج)، وتدافع الأحزاب الى التطويع في الجيش بقوائم تم التهاون مع أهلية المسجلين فيها، الى إحداث انحيازات مزاجية مخلة بالحيادية الوطنية. وكذلك السعي لاستمالة الضباط حزبياً أدّى هو الآخر الى تدمير الحيادية الوطنية ودفع البعض من الضباط للاستقواء الحزبي، وأسس لقواعد انتماء حزبي علني، ودفع المنتسبين للمسايرة الفكرية مما جعل هذا الوجود الحزبي قوة غير منظورة تحول دون حدوث أي اصلاح لا يتوافق مع أهدافها.

٤. الاستنتاجات:

من خلال النظرة الى الواقع ومعوقات البناء يمكن استنتاج الآتي:

آ. الجيش الحالي غير قادر على تأمين الردع خارجيا وداخلياً، وعموم دوائره تعمل بالاجتهادات الشخصية والمحاولة والخطأ والاتكاء وبدون توصيف وظيفي.

ب. إستشراء الفساد في الكثير من مفاصله وبما يعوق إعادة بناءه.

ج. يعاني الجيش من خروق أمنية سياسية نفسية خطيرة تتمثل في وجود ضباط مازالوا بعثيين سراً وآخرين منتمين لأحزاب السلطة علناً، والايمان بالأفكار العشائرية وممارسة الطقوس الطائفية واستشراء اليأس والاعياء والقلق الانفعالي والخوف.

د. التأسيس والإدارة الخطأ أثرت على الأداء والانجاز اللذان يقيمان دون الحدود المطلوبة للمرحلة وأثرت على المعنويات والدافعية القتالية حيث التهاون والبطء بالتنفيذ وعدم تحمل المسؤولية.

هـ. ضعف التخطيط والتساهل المنحاز في الترقيات كون ترهلاً رتبياً وأوجد ضباطاً ضعفاء، خاصة الدمج، كلّها عوامل قللت من هيبة الجيش وأساءت الى سمعة الضباط وغيرت من نظرة المواطن الى عسكره سلباً، ومن نظرة الجيوش الأخرى التي باتت تشك في قدراته القتالية.

و. وجود المجاميع المسلحة غير المنضبطة في الشارع ومساهمتها المدعومة في القتال وقسوتها جعلت الجيش يخافها بشكل واضح، وجعلت بعض منتسبيه منحازون الى بعضها، وأخلت بمعايير الضبط، ودفعت المنتسبين الى العمل وفقاً لفلسفة اسقاط الفروض، وشطب اليوم القائم.

ز. قبول القيادة الأعلى التجاوز على سلسلة المراجع أخل بالقيادة والسيطرة وتسبب في وجود ولاءات مغلفة لحزب القائد الأعلى، تدفع لتكوين ولاءات وتكتلات لغيره، وتدفع الى الاستقواء بالأعلى للضغط على الأدنى خارج السياقات والضوابط.

ح. ميل الترقيات واسناد المناصب في الغالب الى عناصر بعض الاحزاب التابعة لمكون واحد دفع المكونات الأخرى الى أن تكون منتقدة، منعزلة، سلبية ودفع جهات الحرب النفسية الى استغلالها في إثارة العداء، واضعاف المعنويات، وإبقاء الجيش في وضع الاتهام.

ط. إن نظرة العسكر لأنفسهم سلبية ونظرة الدولة إليهم كذلك سلبية.

ي. ان كثر الهنات والثغرات، منذ البداية جعلت الجيش ضعيفاً، لا يلبي الحاجة الى الردع. واهناً، لا يؤمن تنفيذا مقبولاً للمهام التي تطلبها السياسة. هشاً، لا تعينه سياقاته، وضوابطه على إعادة البناء والضبط. متعباً، استجاباته بطيئة. قلقاً متوجساً لا تتحمل أكثر مفاصله مسؤولية إصدار القرارات وتنفيذها جدياً.

ك. حاجة المقرات العليا الى هيئات ركن مهنية، مبادرة، شجاعة، تقود الإصلاح.

ل. وضع الجيش المرتبك انعكاس للوضع السياسي المرتبك، والإصلاح بإصلاحه.

م. الاستنتاجات السلبية أعلاه لا تعني عدم وجوب الايجاب بالمطلق.

٥. التوصيات:

تأسيساً على ما ذكرناه من المعوقات في أعلاه، يحتاج الخلل الماثل بالمنظومة العسكرية العراقية الى جهود إصلاحية كبيرة وتدخل عال المستوى، يمكن تلخيصه بالآتي:

آ. اقرار قوانين صارمة للخدمة والتقاعد العسكري، تحاسب الخطأ بشدة في الحرب والسلم، مع السعي الجاد لانهاء الترهل في الرتب وفي الموجود.

ب. إعادة النظر بموضوع الضباط الدمج، والمفصولين السياسيين وفقا لمعايير العمر والتخرج الفعلي من الكليات والتدقيق في الشهادات.

ج. تطوير مراكز البحوث والعمل على إيجاد توصيف وظيفي لجميع المناصب والمراكز.

د. تصحيح واقع التجربة التنظيمية، وفقا لخطوات تبدأ بإيقاف التداعي الحاصل "قرار". وتشخيص الخلل "دراسة وبحث"، ثم الشروع بالإصلاح الصحيح تنظيمياً"خطط".

هـ. الالتزام بضوابط (عسكرية نفسية) لاختيار القادة والآمرين، وتأسيس الجيش على اُسس الالتزام بالعمل القيادي الهرمي (سلسلة مراجع دقيقة) وإيكال مهمة القيادة الميدانية الى أكفاء، ودمج الدوائر المتشابهة في الوزارة ورئاسة الأركان.

و. عزل الجيش عن تأثيرات السياسية بقانون لا يسمح لمنتسبيه المشاركة في الانتخابات، والنظر في ضوابط للتوازن القومي والمذهبي للمنتسبين، مع محاسبة المنتسبين الحزبيين.

ز. تعزيز حيادية الجيش بخطوات تبدأ بصياغة عقيدة عسكرية (دفاعية) وعلاقة مهنية للجيش بالحكومة دون تسيس يكون فيها وزير الدفاع مستقلاً وتشريع قانون يحمي الجيش من التدخل السياسي ويحدد القبول في الكليات العسكرية على النسبة السكانية للمحافظات.

ح. عدم السماح بممارسة الشعائر الدينية داخل الثكنات العسكرية.

ط. العمل على إعادة الهيبة للجيش والتركيز على جعل الأمن والسلاح بيد الدولة.

٦. الخاتمة:

الجيش العراقي الذي تتوقف عليه وحدة البلاد قوة مهددة بمزيد من الضعف ويُعَدُّ إصلاحه صعباً ولكن ليس مستحيلاً في ظل وجود إرادة وطنية حقيقية. ويبقى الإصلاح أمر لابد منه، ويجب أن تكون البداية في ذلك المنحى بأساس الاعتراف بالخطأ أولاً ومن ثم الشروع بخطوات الإصلاح بشكل مدروس وبقيادة رجال قادرين على تحقيق الإصلاح.

.................................

* تدعو الأمانة العامة للهيئة الاستشارية العراقية للإعمار والتطوير (ICADP)، التي تأسست عام 2010، الأخوات والإخوة الزملاء الأعزاء من الأكاديميين والخبراء العراقيين المختصين في مختلف المجالات والميادين العلمية والثقافية من داخل العراق وخارجه، لتقديم رؤيتهم لإصلاح الوضع في العراق، من خلال: تقييم تجربة الحكم والعملية السياسية وإدارة الدولة ما بعد عام 2003 وإيجاد الحلول الناجعة لإخفاقاتها، عِبرَ مشاركتهم بدراساتهم ومقترحاتهم العلمية كلٌ حسب اختصاصه، وتقييمها بالشكل التالي:
أولاً ـــ تحديد المشاكل والمعوقات فيما يتعلق بالموضوع الذي يتم إختياره.
ثانياً ـــ تقديم الحلول والمقترحات العلمية الواقعية لها دون الخوض في تفاصيلها.
وإرسالها عن طريق البريد الالكتروني: E- mail: icadp@ymail.com
د. رؤوف محمّد علي الأنصاري/الأمين العام

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

22