ذهبَ اثنان من أهالي قريتنا الى الهور، بقصد صيد السمك، وهو أمر شائع هناك، أقصد في ريف الجنوب العراقي، أن يذهب في الغالب اثنان او اكثر ليتعاونوا على نصب الشباك، وجسّها وحمايتها ايضا من السراق في الليل، وتخليص السمك العالق فيها، الذي هو صيدهم، اضافة الى ان ذهاب الاثنين يطرد الوحشة عن كليهما ويحلو سمرهما وتتعزز متعتهما في الصيد وسط تلك الصحراء المائية الموحشة ليلا، حيث تبدو الاجمات كالتلال السوداء من حولهما.. وبعد ان حل الصباح، كان صيدهما في معظمه من الاسماك الصغيرة، باستثناء سمكة كبيرة (كطان)، وكان من الممكن ان تكون القسمة عادلة لو اقتسما (الكطان) بينهما بالتساوي، بالاضافة الى اقتسام الاسماك الصغيرة، الا ان احدهما اخذه الطمع، وصار يختلق الحجج من اجل الفوز بـ(الكطان) على ان يترك الاسماك الصغيرة لصاحبه الذي وجد ان هذه القسمة غير عادلة، وهكذا دخلا في جدل، كان فيه الطماّع يراوغ بالكلام، فمرة يقول، والكلام لأهلنا الذين رووا لي الحكاية، ان والده مريض ويحتاج الى مثل هذه السمكة، لكن صاحبه يعرف انه غير صادق، كونه جارهم ويعرف ان والده بصحة جيدة، ومرة اخرى يتهكم على (الكطان) وينعته بأوصاف غير جيدة بغية تكريهه لصاحبه، كي يفوز به على حسابه، لكن الصاحب يرد عليه بأنه (كطان) ممتاز وليس فيه اي شيء مما يذكر! وهكذا استمر الحديث الذي يقول اهلنا انه جرى في طريق العودة او في الشط، عند عوتهما من الهور واقترابهما من القرية، وبعد ان اعيت الطماّع الحيل في الحصول على (الكطان) لم يجد غير ان يمسكه من غلاصمه ويقفز به الى الشاطئ ويهرب به تاركا صاحبه مع المشحوف في الشط يجر اذيال الخيبة، وهو يعود الى اهله بالسمك الصغير الذي لم يجعله مرفوع الرأس أمام زوجته ولم يفرح به أطفاله الذين ينتظرون منه غداء دسما كالعادة!

هذه الحكاية الحقيقية، التي حصلت في خمسينيات القرن الماضي على ما أعتقد، جاءت على بالي وأنا أتابع حجج الفيدراليين الذين فعلوا المستحيل طيلة السنين الماضية من اجل السيطرة على نفط المحافظات المنتجة له، وسرقته باسم إقامة أقاليم خاصة بها، بذريعة انها (حق دستوري!) يجب ممارسته، من خلال إقامة هذه الأقاليم، التي يسيل لها او لنفطها اللعاب، غير آبهين بمصير بقية ابناء شعبهم الذي لا يملك، لاسيما في هذه المرحلة، اي مصدر للعيش غير النفط الذي بات ايضا مصدر مآسيهم للاسف الشديد، وهو النعمة والنقمة التي جعلتنا هدفا للاشرار والطامعين في العالم من البعيدين والقريبين على حد سواء، وهؤلاء هم انفسهم اليوم، يقفون وراء هذا المشروع التدميري، الذي اقره دستور الاحتلال المشوه، الذي اريد منه تمزيق العراق ونهب ثرواته وتشتيت شعبه، وهو هدف قديم، تقف وراءه قوى معروفة بعدائها للعراق وشعبه، وهي التي اخذت تدفع بوكلائها في الداخل للعمل على هذا المشروع، الذي اختلقوا له الحجج الكثيرة، وصاروا يتحايلون على الناس لجعله مقبولا، على طريقة صاحبنا الصياد الطماّع، فمرة يقولون ان الفيدرالية، هي افضل وسيلة لوحدة العراق! وانها ستجعل العراق قطعة من الجنة! لكنهم وفي لجة حماسهم هذا، ينسون العراق ومصلحة شعبه، فيقولون ان ابناء المحافظات النفطية يجب ان يتمتعوا بثروتهم هذه، اي انهم الاحق بالاستحواذ على عائدات هذه الثروة، ولم يوضحوا لنا كيف سيعيش اخوانهم وابناء شعبهم في المحافظات الاخرى، اذا ما تمت هذه اللعبة، واصبحت هذه الثروة بايدي هؤلاء الجشعين، الذين سيتركون الملايين الاخرى بلا مصدر للعيش، ناهيك عن كون الفيدرالية وفقا للدستور العراقي النافذ لعام 2005 وبشهادة كل المختصين وغير المختصين، هي ليست كالفيدرالية التي تتبناها الاقاليم او الدول الصغيرة لكي تتوحد، بل هي تقسيم حقيقي لبلد موحد اصلا، كونها وفقا للدستور طبعا، تجعل كل اقليم يتصرف كما لو انه دولة مستقلة، بينما الفيدرالية المعروفة في العالم هي ان تتنازل الدول او الامارات المتفرقة عن الكثير من صلاحياتها لصالح الدولة الجديدة لتصبح موحدة واقوى، اقتصاديا وسياسيا وعسكريا ايضا، وهو ما لا يتوفر ابدا في الدستور العراقي الذي يوزع صلاحيات الدول على اقاليم ستنفصل تماما، وسيكون لكل منها دستوره وعلمه ورئيسه وبرلمانه ووزراؤه و(حرسه) الذي هو جيش مستقل، ما يعني ان الدولة العراقية ستفقد جيشها الوطني لصالح جيوش متعددة، باسم (حرس الاقليم) لان السلطة في بغداد لم تعد تمتلك المال الذي يوفره النفط لتبني جيشا وطنيا من كل المحافظات، التي سيتوزع ابناؤها بين الجيوش الصغيرة الجديدة! اضافة الى ان سلطة المركز عليها ستكون مشابهة تماما لسلطة الجامعة العربية على الحكام العرب!! انه التقسيم بلا ادنى شك، وان على كل وطني ان يقف ضده، ومن هنا، نجد ان اللامركزية هي الحل الامثل لقطع الطريق على التقسيميين، لكي لا يمرروا مشروعهم هذا على حساب حاضرنا ومستقبلنا وماضينا ايضا، وهو مشروع يجب ان تقف معه كل الفعاليات الوطنية لنحفظ العراق لكل العراقيين اليوم، وللاجيال القادمة.

..........................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4