في لقاء القمة الأخير الذي عقد بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلادمير بوتين، اعطى الأخيرة لترامب كرة، وقال له، "ان الكرة الان في ملعبكم"، اعتبرها بعض المتابعين تعبير عن انتهاء مونديال كاس العالم الذي جرت احداثه في روسيا، وتستعد الولايات المتحدة الامريكية لاستضافته في نسخة 2026، أي بعد مونديال قطر 2022، لكن هذا التفسير السطحي، يعني ضرورة تسليم الكرة لأمير قطر كونه سابق لأمريكا في تنظيم كاس العالم.

القضية لها ابعاد سياسية بحتة، والكرة التي أعطيت لترامب خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع بوتين في هلسنكي لها ابعاد كبيرة، فهي تمثل اطلاق يد الولايات المتحدة في ملفات سياسية كبرى، لا تتوفر الان أي معلومات عن نوعيتها، وأين سيلعب ترامب، لكن هناك ملاعب خاصة ومعروفة للمتبحر في شؤون الدول العظمى، واشهر ملعب هو منطقة الشرق الأوسط التي يحرص الروس للعبور الى الأدوار الاقصائية في بطولة السيطرة على المنطقة اولا، ومن ثم استعادة مكانتهم المفقودة منذ سقوط الاتحاد السوفيتي.

في الصراع الدولي على الشرق الاوسط لا مجال للثقة، وكل شيء يدار بالمصالح، هكذا يقول زعماء جميع الدول بدون خجل، وما يجري ليس حركة لرمال سائبة، انما امواج تتنقل فوقها الدول لهذا الحلف او ذاك. فمن كان يقتنع ان الرئيس التركي رجب طيب اردوغان يقوم بشن حرب ويدعم كل من يقف ضد صديقه بشار الاسد، ومن كان يتوقع ان يصل الامر باردوغان ان يسقط طائرة روسية في الاراضي السوري كادت ان تقود الى حرب كبرى.

في السنوات التي حارب ضد الاسد وحلفائه؛ صار الرئيس التركي اردوغان فارس فرسان العرب والمسلمين، واعطاه الدعم العربي دفعة قوية لفتح جبهة أخرى ضد ايران حليفة بشار الأسد واتهمها بالتخطيط لاحتلال البلدان العربية وتنفذ سياسة غزو فارسية، وفي غمرة خطابه المعادي لكل من بشار الاسد وايران وروسيا، عاد واعتذر عن حادثة اسقاط الطائرة الروسية، وشارك مع ايران "الفارسية" في محادثات استانا، وحلق بعيدا عن محور الاعتدال العربي وقريبا جدا من محور المقاومة، كما يحلو لوسائل الاعلام ان تسمي التحالفين.

اردوغان فهم اللعبة الروسية مبكرا مثلما فهم اللعبة الامريكية السابقة التي ارادت الإطاحة به، فالرئيس بوتين لا يهتم للعنتريات، انما يحمل خطة واضحة لاستعادة نفوذه في الشرق الاوسط، وهو قادر على ذلك، بفعل عوامل عسكرية وجغرافية وسياسية، وبالتالي من غير المفيد مواجهته، فالريح العاتية تقلع كل الاشجار التي لا تستطيع الانحناء، اليس من حقه ان ينحني قليلا ليرقص مع الريح.

بانضمام تركيا الى المحادثات الروسية الايرانية في استانا، والتي تناقش اليات الخروج بحل للازمة السورية، أصبح هناك شبه تحالف ثلاثي، روسي ايراني تركي، مقابل التحالف الامريكي السعودي الاسرائيلي، والمبارزة صارت على أشدها، وكادت ان تؤدي الى حرب كبرى، الا ان تفاهمات روسية اسرائيلية وروسية امريكية طوال الاشهر المنقضية من عام 2018 ادت الى تهدئة الامور وسحبت الجميع من حافة الهاوية.

ما الذي حصلت عليه اسرائيل من محادثاتها؟ وما الذي تلتزم به روسيا؟ وهل اثمرت ثمانِ زيارات لرئيس الوزراء الإسرائيلي الى روسيا خلال عام 2018؟

لإسرائيل مطلب اساسي، هو ابعاد إيران عن الحدود مع الجولان كخطوة اولا تمهد لإبعادهم نهائيا من سوريا، وهذا لم يحدث لحد الان، لان النفوذ الايراني المتنامي ليس في سوريا وانما في العراق ولبنان واليمن. هذا التوسع الإيراني المتنامي وضع موسكو في موقف يصعب معه اعطاء وعود واقعية، حتى نظر اليها بازدراء من قبل الدول الكبرى كونها لا تستطيع فرض الشروط الدولية على طهران، فكيف يمكن لها اثبات جدارتها العالمية التي تريد ان يكون الشرق الاوسط نافذتها في تحقيق هذا الهدف.

قد تكون إيران عقبة بالنسبة الى روسيا، كما هي حليف، ففي التحالفات الدولية لا شيء اهم من المصالح، والعلاقة الايرانية الروسية معقدة جدا، ولا يمكن النظر اليهما كحليفين، لان التنافس بينهما كبير ايضا، فكل منهما يريد الاستئثار بالقدر الاكبر من النفوذ في سوريا، ونهاية التنافس تعني التحول الى صراع، او صدام غير مباشر، وبوتين الصارم جدا، لا يقبل ان تشوه صورته دولة في المحافل العالمية، وهو الذي اجتهد كثيرا لرسم ملامح تلك الصورة القوية طوال سنوات.

الحل يكمن في ضربة تحت الحزام من رجل مخابرات يجيد العمل في الغرف المظلمة، ايهما افضل له، ايران ام اسرائيل؟ الاجابة معقدة، لكن في الامد القصير اسرائيل التي يمكن ان تساعد في تخفيف الضغوط الامريكية عليه، وخاصة في وسائل الاعلام التي يحب ان تبرزه كرجل قوي، وهو يحتاج الى هذه المساعدة الان، اما استراتيجيا، فهو يحتاج إيران، المستقرة داخليا، حتى يحافظ على حدوده سليمة من التدخلات الغربية، لكن على هذه الجارة المستقرة ان لا تحاول بناء امبراطورية في الشرق الاوسط، مستغلة الحرص الروسي على ابعاد الأراضي الايرانية بعيدة عن اعين الغرب.

في نظر بوتين الروس قد حجزوا النقطة الجغرافية، وهي الشرق الأوسط، ولديهم المواد اللازمة لوضع قواعد اللعب الجديدة، واي مخطط غير هذا يعقد الامور، فلماذا لا تفهم طهران جيدا؟ لماذا لا تزال ترى ان الملعب لا يستوعبها هي والولايات المتحدة؟ فالروس يرون انهم الاجدر بلعب الأدوار الاقصائية.

صحيح ان المخطط الايراني في مرحلته الاولى متشابه مع المخطط الروسي، متمثلا بإزاحة أكبر عدد من حلفاء واشنطن بالمنطقة، وقد تحقق الكثير في هذا المسار، لكن في المراحل اللاحقة تختلف الامور، وحينها يصبح التدافع بين حلفاء الامس من اجل السيطرة على الغنائم.

اجتمع الرئيس الإيراني حسن روحاني مع نظيره الروسي، امس الاحد، في لقاء على هامش القمة الخامسة لدول حوض قزوين، ولم يتطرق الرئيسان الى العقوبات الامريكية "الأشد في التاريخ" لا من قريب ولا من بعيد، رغم ان طهران في حاجة ماسة لدعم موسكو في هذا الملف لدرجة ان المرشد الأعلى علي خامنئي قد ارسل مبعوثه الخاص الى روسيا لتوسيع العلاقات بين الطرفين، على اثر انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الموقع بين ايران والدول الكبرى.

روسيا وإيران لا يربطهما تحالف رسمي، وحتى الشراكة بينمها لا تصل الى حد التحالف الاستراتيجي الموثوق، ولا يثق كل منهما بالأخر، خاصة بعد الاحتكاك الكبير بينهما في سوريا، والذي يعبر عن رغبة كل منهما في تحقيق المكاسب، وهدف طهران الاستئثار بسوريا كلها لأنها أعطت كل ثقلها طوال سنوات الحرب ولا يحق لروسيا ان تجني ثمار جهدها، اما بوتين، فيرى انه قوة عظمى انقذت إيران وحليفها من السقوط المدوي لولا تدخله عسكريا.

إذا لم تنفذ إيران الأوامر الروسية بالانسحاب من سوريا، فعليها دفع فاتورة عنادها، وإذا كان بوتين قد امسك بملفها في الأوقات الحرجة، ها هو اليوم يسلم ملفها الى دونالد ترامب، وسمح له بفعل ما يشاء، فالكرة في ملعبه كما قال له في هلسنكي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0