بحث العلماء والمفكرون طيلة العقود الماضية في اسباب انصياع الشعوب لأوامر حكامها مهما كانت خاطئة وخطيرة على حياتهم ومستقبلهم، وهو ما أسفر عن ظهور ديكتاتوريات، واندلاع حروب مدمرة كان وقودها الشعوب انفسهم، وخلصوا على جملة تعليلات منها؛ نفسية، واخرى خارجية، مثل الجُبن، والتشبث بالمصالح الشخصية، الى جانب العامل الخارجي المتمثل في فقدان القيادة والشريحة المثقفة التي تستند اليها الشعوب للانطلاق باتجاه المعارضة والوقوف بوجه تلك الاوامر التعسفية.

بيد أن هذه التعليلات لم تغير من الواقع شيئاً، وبقيت تحصيل حاصل لما يجري على الشعوب من ويلات ونكبات بسبب العلاقة غير السليمة بين الشعوب والديكتاتوريات الحاكمة، الامر الذي دفع بعلماء في الغرب لأن يبحثوا القضية من الناحية المادية وما اذا كانت ثمة علاقة بين الجهاز العصبي والدماغ، وبين حالة الانصياع لأوامر الديكتاتور.

وفي تقرير بثته وكالة رويترز للانباء، تحت عنوان "هل يمكن أن يتعلم الناس "تحدي السلطة"؟ تبشر الكاتبة مارتا هنريكز بإمكانية تحكم الانسان بقرارته، او الاعتراض على القرارات الخاطئة التي تملى عليه، علماً أن التقرير يعالج بالدرجة الاولى حالات الانصياع للأوامر الخاطئة في الشركات التجارية والمؤسسات الانتاجية، وحتى الدوائر الحكومية، لتعليم الناس على التصدّي للقرارات الخاطئة من الرؤساء.

التقرير يتحدث عن تجارب أجرتها عالمة الأعصاب الاجتماعية إيميلي كاسبار بالمعهد الهولندي لعلم الأعصاب على متطوعين، طُلب من مجموعة منهم صعق زملائهم بالكهرباء 60 مرة مقابل بعض الاموال في كل مرة.

في البداية، كان بعض أعضاء المجموعة يصعقون زملاءهم تارة ويمتنعون تارة، بينما رفض ما بين 5 و10 في المئة منهم صعق زملائهم تماما، ولكن الحال تغيرت عندما وقفت لهم كاسبر بالمرصاد وأمرت كل واحد منهم بصعق زميله. حينها، أخذ المشاركون، حتى الرافضين منهم، يضغطون على الزر لصعق زملائهم –حسب رويترز-.

وقد تبين من جهاز التخطيط الكهربائي للدماغ أن نشاط أدمغة المشاركين أيضا قد تغير عندما شرعت كاسبر في توجيه الأوامر. إذ كتب الباحثون أن أدمغة المشاركين في هذه الحالة أصبحت أقل قدرة على التفكير في تبعات سلوكهم المتمثل في صعق الزملاء.

وشعرت الغالبية العظمى من المشاركين أنها فقدت السيطرة على تصرفاتها وأنها غير مسؤولة عن التبعات لأنها تمتثل للأوامر فحسب، إذ يعتمد الشعور بالمسؤولية على الربط بين التصرف والتبعات في الدماغ.

وجاء في التقرير نقلاً عن العالمة الهولندية: "أجريت الاختبار نفسه على 450 متطوعا، ولم يرفض الامتثال للأوامر سوى ثلاثة مشاركين فقط. فما الذي يميز هؤلاء الثلاثة عن الباقين؟".

ربما تكمن إجابة هذا السؤال في الدراسات التي أجريت على المصابين بتلف أو خلل في مناطق من الدماغ. إذ خلصت دراسة إلى أن المصابين بتلف القشرة الجبهية الأمامية أكثر عرضة من غيرهم للامتثال للأوامر.

يقول إيريك آسب، الأستاذ المساعد لعلم النفس بكلية الفنون الحرة بجامعة هاملاين بالولايات المتحدة، إن "هؤلاء المرضى ينقادون ويستسلمون تماما لأصحاب السلطة والقرار وليس لديهم القدرة على الشك في مدى صدق دوافعهم. هذا يعني أنهم إذا أمرهم شخص مسؤول أن يؤذوا شخصا آخر، فأغلب الظن أنهم سينفذون أوامره دون إبطاء".

يقول آسب إن "الفهم يترادف مع اليقين. وبغض النظر عن طبيعة العمليتين، فهما وجهان لعملة واحدة".

وبعد مرور هذا الجزء من الثانية، يشرع العقل في الشك في المعلومة أو حتى رفضها. ويقول آسب "ثمة عملية نفسية وعصبية منفصلة لتمحيص الفكرة في الذهن وإنكارها. أي أنك تعيد النظر في الفكرة وتشك فيها".

لكن آسب يرى أن تلف القشرة الجبهية الأمامية يعطل هذه العملية، أي النقد والمراجعة، وهذا يعني أن المرضى في الغالب سيصدقون كلام الشخص المسؤول على علاته دون تمحيص ويطيعونه طاعة عمياء.

فإذا كانت القشرة الجبهية الأمامية هي التي تمكننا من الشك ومعارضة السلطة، فربما توجد طريقة ما لتحسين هذه القدرات لدى الأصحاء.

أشارت إحدى الدراسات إلى أن التجارب التي نمر بها في حياتنا اليومية تؤثر على وظائف القشرة الجبهية الأمامية وبنيتها. ويقول آسب "أعتقد أنه من الممكن تحسين القدرة على الشك والتفكير النقدي، فهذه القدرات ليست راسخة، بل تتأثر بعوامل عديدة"، ويقول آسب إن التعليم يعد واحدا من أفضل العوامل التي تحسن قدرة الإنسان على الشك والتساؤل، ومن ثم التفكير النقدي قبل المضي في تنفيذ الأوامر.

معايير الطاعة الصحيحة

من الواضح ادانة الأوامر الخاطئة من رئيس شركة او مدير مصنع في بلاد الغرب الديمقراطي، الى جانب الادانات المستمرة للأوامر التعسفية لحكام العالم الثالث، بيد أن الأوامر الخاطئة ربما تشمل قرارات كبيرة ومصيرية لبلد مثل الولايات المتحدة، او بريطانيا، التي تعد انهما يمثلان نموذج الديمقراطية الذي يحتذى به، فالقرار بخوض حرب واسعة الابعاد مع بلاد مثل افغانستان او العراق، يتطلب طاعة مطلقة من الجنود والضباط وعموم المنتسبين الى القوات المسلحة الاميركية والبريطانية، والمبررات جاهزة لهم، بالحفاظ على الامن القومي، او الحؤول دون وصول التهديدات الى داخل اميركا. فنرى الجنود الاميركان وايضاً البريطانيين يفعلون كل شيء لتنفيذ الاوامر دون أن يرف لهم جفن، حتى وإن وطأت دباباتهم اجساد الاطفال والنساء، او قصفت طائراتهم المدنيين في بيوتهم.

ونفس الامر نراه مستنسخاً في بعض دعاة الديمقراطية في بلادنا فهي تصدر أوامر وقرارات في ظاهرها اهداف حسنة، مثل الحفاظ على الامن والاستقرار وحتى القانون، فضلاً عن الديمقراطية، ولكن في باطنها الاستبداد ومصادرة الحريات والآراء، وفي المقدمة حرية التفكير واتخاذ القرار، ولذا فان المشكلة الجديدة امامنا ستكون القناعة لدى شريحة من المجتمع بما يليه عليها الرئيس والنظام السياسي القائم، بغض النظر عن العواقب والآثار المستقبلية.

الطاعة الامتدادية وليس الطاعة العمياء

ربما يجد العلماء علاجاً للدماغ والاعصاب لمساعدة الانسان على التحكم بقراره، او تزويده بالعلم والمعرفة لتحصينه من القرارات الخاطئة، بيد ان الحل الأكمل والاشمل في ايجاد إطار جديد ينظم الطاعة من الأسفل الى الأعلى دون أن يتضرر أحد بأي حال من الاحوال.

إنها الطاعة الامتدادية التي يتحدث عنها سماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي في كتابه "القيادة السياسية في المجتمع الاسلامي"، عندما يحسم الامر بأن "الطاعة في الاسلام خاصة بالله –تعالى- اذ لا يجوز للمسلم إطاعة أحد غيره تعالى، ولكن؛ هناك فرقٌ بين الطاعة الذاتية التي تكون لله، وبين الطاعة الامتدادية التي تكون لله ايضاً، وعبر عبد من عباده، فالطاعة هنا تكون لهذا العبد، او الولي الصالح، مشروطة بإذن من الله –تعالى-.

وقد حفل القرآن الكريم بآيات عدّة تشير الى هذه الحقيقة منها قوله تعالى: {وما ارسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله}، (سورة النساء،64)، ويضيف المرجع المدرسي بأن "لولا أن الله أمر بطاعة رسوله وطاعة أوليائه، لكانت تلك الطاعة نوعاً من الشرك، وكان ذلك طاعة للطاغوت، فكل من يطاع بدون إذن الله يعد طاغوتاً ويحرم على الانسان ان يطيعه...".

كما يشير سماحته الى الانواع الاخرى من الطاعة على الصعيد الاجتماعي، مثل الطاعة للوالدين، فهي طاعة في الامتداد نحو الطاعة الالهية المطلقة، و"حينما تتعود النفس على هذا النوع من الطاعة، يكون باستطاعتها ان تطيع أي انسان مهما كانت قناعتها به ومهما كانت صفاته، لا لشيء إلا لأن الله أمر بذلك وأذن به، فاذا سحب الله أمره وإذنه فان ذلك الانسان يسقط مباشرة عن اعتبار الطاعة"، وهذا يحصل بزوال المواصفات المطلوبة للطاعة، منها؛ الورع والتقوى والايمان والاخلاق وغيرها من الصفات التي يجب توفرها فيمن يجب على الناس طاعته.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0