نهاية عقد التسعينيات المنصرم، كتبَ روائي عراقي في منتصف العقد الثالث من عمره، رواية اثارت جدلاً واسعاً في الوسط الثقافي، ليس للمستوى الفني الذي ظهرت به، بل لحمولتها الفكرية التي جاءت صادمة، وربما كاشفة للكثير مما يدور بيننا من دون ان نراه اوما يدور خلف ظهورنا، وينبغي ان نراه، او هكذا اراد هذا الروائي الذي سيغدو اسماً روائياًَ عربياً لامعا بعد مدة قصيرة، وستنشر له كبريات دور النشر العربية.

اما الروائي فهو علي بدر، واما روايته التي لاقت هذا الاهتمام، فهي (بابا سارتر) التي صدرتْ للمرة الاولى في بغداد بطريقة فرضتها ظروف الحصار وقتذاك، وباتت اسلوبا شائعا بين الادباء والشعراء، وهي طريقة (الاستنساخ)، اي طبع نسخ معدودة تنسجم مع الواقع العراقي المتقشف زمن الحصار، ثم صدرت في بيروت وبغداد، عن دار الشؤون الثقافية العامة، واما الفكرة التي قامت عليها تلك الرواية، فهي محاولة الروائي كشف زيف ادعياء اليسار العراقي وربما العربي، من خلال طرحه شخصية رئيسية (عبدالرحمن - فيلسوف الصدرية) والصدرية، هي احدى مناطق بغداد القديمة، وهذا يتشبه بسارتر حد الجنون، ويلعق مايأتي من فكر يساري ووجودي قادم من الغرب، من دون ان يتمثل هذا الفكر او يتفاعل معه، فبدا مقلدا وتائها وفي النتيجة، زائفا، يعكس صورة المثقف المربك والتائه وسط افكار لم يفهمها او يعبر عنها، بل انه يبدو في الرواية مسخرة ثقافية تحكي قصة واقع ثقافي وسياسي، تتجسد فيه مأساة ثقافية انتجت الكثير من الصور الشوهاء، لعل اقساها ما نعيشه اليوم من تفشي للاصولية الدينية في ابشع اشكالها، لم يبخل علينا الروائي في التصريح بها، وفي المشهد الاخير من الرواية، عندما يشاهد شخصا سلفيا مع زوجته المنقبة يعبران الشارع فيتخيل ذلك انهما ثنائي يساري من زوج وزوجته، من ابطال الرواية طبعا، وقد ارتديا الزي السلفي، وهو ما نراه اليوم متجسدا في صورة اكثر من مثقف، كان لوقت قريب يصدع رؤوسنا بالحديث عن اليسار والتقدمية وبات اليوم منخرطا في الخطاب الطائفي اومستقطبا فيه بوعي منه اومن دون وعي، وهنا تكمن مأساتنا الراهنة، وتكمن ايضا خطورة ما ينتظرنا في المستقبل القريب، بعد ان باتت ساحة اليسار شبه خالية ومتاحة للطرف الآخر، القوى الدينية والطائفية لاحتواء المزيد من الشباب وتجنيدهم، لان اصحاب الخطاب الطائفي باتوا الاكثر تنظيما والاشد عزما في استيعاب الجماهير، لا سيما ان هذا الخطاب اخذ يتمفصل مع مطالب ذات طابع مصلحي، جهوي، يأتي في سياق الصراع على المكاسب والمواقع في مؤسسات الدولة التي تغري عادة، الباحثين عن المناصب ومنتهزي الفرص والباحثين عن ادوار، ممن لم ينتموا الى اي حزب او حركة سابقا، الاّ من اجل الوصول الى ذلك.

لقد انشغلت قوى اليسار في صراعها مع بعضها، او بالاصح على السلطة، متسترة بالعقائد، حتى اصابها الوهن جميعا، وفقدت بريقها جماهيريا، فيما كانت القوى الدينية ترصن مواقعها داخل المساجد وتتمترس خلف جماهيرية اخذت تتسع على حساب جماهيرية اليسار الذي ظل في مجمله يستلهم التجربة السوفيتية ويتعاطاها ويتكئ عليها، معنويا في الغالب، وماديا احيانا، من دون ان يخلق تيارا فكريا يمكن ان يستلهم التجربة السوفيتية ولا ينغمس في تفاصيلها، التي لاتناسب مجتمعاتنا، او انها بالضد من ثقافتها القارة، بمعنى ان مفهوم اليسار يجب ان تكون له محددات عقائدية تؤطره، لانه مفهوم سياسي قبل كل شيء، وانه يعني النزوع الى التجديد الثوري المنبني على رؤية تواكب الحياة وتنتفض على حالة الجمود التي تفرضها قوى مستفيدة على حساب الاغلبية في المجتمع، بغض النظر عن شكل العقيدة المتبناة، وآلية تنفيذها، فاليسار ليس وصفة جاهزة تصلح لكل شعب، وانما هو تجربة ذاتية تخوضها الشعوب من اجل الخلاص، وتعكس ثقافتها اوثقافة نخبها المتطلعة الى الثورة المستمرة على الواقع بغية اصلاحه، بسبل متعددة قد تكون الثورة المسلحة احداها، ولن تكون الوسيلة الوحيدة في كل الاحوال، ومن هنا فاليسار العربي، استعار ثقافة غريبة، له الحق ان يأخذ منها مايغني تجربته، ويترك مالايضيف اليها، لكنه، واقصد اليسار العربي، في مجمله وليس كله بالتأكيد، ظل مقلدا وناسخا للافكار الاخرى، ومستعيرا لها، فظل في خطابه العام معزولا، ولو على المستوى النفسي، عن السواد الاعظم من الناس، وان كان هناك من العامة من تعاطف مع الطروحات العامة لليسار الشيوعي مثلا، بصفته داعيا الى العدالة الاجتماعية، وليس لحمولته الثقافية المتمثلة بالمادية الجدلية وغيرها، فالناس تتفاعل مباشرة مع الدعوات التي تلامس حاجاتها اليومية، ومصالحها الخاصة، من دون ان تتخلى عن ثقافتها الاصلية، ولعل الذي يقرأ تاريخ الاديان بصفتها اقدم نشاط انساني ينطوي على البعد القيمي والمصالح المباشرة للناس معا، سيجد ان الانبياء كانوا يعانون من (المعارضة) المزدوجة، المتمثلة بالقوى المتمفصلة، على مستوى المصالح، مع الطبقة الحاكمة او الموالية لها، ولاتريد ان تزاح عن مواقعها، وكذلك بالعامة من الناس الذين يصعب عليهم تقبل الفكر الجديد، لانه يسعى الى اقتلاع مفاهيم قارة في اذهانهم، ويشق عليهم مفارقتها لانها شكلت وجدانهم العميق.

ان الذي يلاحظ المشهد السياسي العراقي اليوم، مثلا، سيتوقف عند صور غريبة، افرزتها مرحلة مابعد الاحتلال الاميركي، وما قبله، اذ ان اعدادا كبيرة من الذين كانوا محسوبين على اليسار، انخرطوا في خطاب طائفي اومناطقي، وبطريقة مثيرة للانتباه، وفي الوقت نفسه، يتحدثون وبافراط عن الديمقراطية، بنسختها الغربية، التي يعرف الجميع انها تتعارض تماما مع رؤية اليسار، لا سيما الشيوعي، بشكل خاص، والاشتراكي، بشكل عام، بل انهم صاروا يتحدثون عن انهم كانوا يتطلعون في (نضالهم السابق) الى تحقيق الديمقراطية، مع انهم لم يكونوا كذلك سابقا، بل ان الديمقراطية الغربية، كانت تمثل بالنسبة لهم، النموذج الرجعي للحكم، مجسدين بسلوكهم هذا، ماقاله ادوارد سعيد عنهم، في كتابه (صور المثقف) عندما وصف بعض المثقفين العرب ممن انسحبوا من (معسكرهم) الاشتراكي الى (المعسكر) الرأسمالي، بالمتسترين تحت غطاء الديمقراطية! بمعنى ان مسألة المبادئ التي صدعوا بها رؤوسنا لم تكن حقيقية، وانما كانت مجرد ركوب موجه او تعامل مع موضة، وان من الطبيعي التعامل مع موضة جديدة، وهي بالتأكيد، العولمة والخصخصة التي غزت العالم من دون ان يقف بوجهها، ولو على المستوى الثقافي يساريو الخلب ممن راحوا يصفقون لها ويصفونها بانها الخلاص المنتظر!

اليسار العربي اليوم، يعيش ازمة حقيقية، تتمثل بوقوفه على مفترق طرق، بسبب انحسار قواعده، وظهور اجيال جديدة تعيش لحظة وعي زائفة، جعلتها هي الاخرى، بين خياري الانخراط في التيارات الدينية المتشددة، كنتيجة للاحساس باللاجدوى التي افرزها واقع عربي مأزوم اصلا، او الحلم بحياة العولمة ونزعتها الاستهلاكية، من دون اطار فكري يحصن هؤلاء ويؤطر رؤيتهم للمستقبل بما يجعلهم قادرين على انضاج مواقف وطنية حقيقية، كما رأينا ذلك في احداث (الربيع العربي) وتصدي بعض الشباب للتظاهرات التي افضت الى اسقاط الانظمة من دون ان يتمكن هؤلاء من ضبط المعادلة السياسية او في الاقل تأكيد حضورهم الفاعل فيها فيما بعد، ما يعني انهم سطحيون في تعاملهم مع السياسة ويفتقرون الى الوعي المطلوب الذي يمنحهم القدرة على التعاطي مع الامور السياسية المعقدة، ووسط كل هذا، يغيب اليسار العربي، او لايوجد له الصوت العالي الذي يجب ان يكون حاضرا وبقوة في مثل هكذا ظروف.

اليسار العربي، لم يراجع نفسه، تنظيميا وفكريا وعلى مختلف الاصعدة، والزمن يجري وسيتجاوز الكثير من الطروحات التي كانت ويجب ان تبقى معيارا للعلاقة بين بني البشر، اقصد مقولات اليسار في العناق الانساني والتكافل والرغيف العالمي، ونبذ العنصرية والانكفاء على الذات، دينيا وطائفيا وعرقيا، التي باتت وللاسف الشديد هي الثقافة السائدة في زمننا الرديء هذا!!.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1