عندما تخمّرت فكرة الحزب او التنظيم السياسي لدى المنظرين في بلادنا الاسلامية، كانت هواجس الهزيمة والتخلف والحرمان حاضرة في كل خطوة يخطونها في طريق التأسيس والاعداد والتنفيذ، وقد اشتركت في هذه الاشكالية الفكرية، احزاب علمانية، وايضاً الاحزاب الدينية التي ظهرت فيما بعد على الساحة السياسية؛ فالاولى ادّعت أنها تواجه ذيول الاستعمار والتبعية من خلال ايديولوجيات من قبيل؛ القومية او الاشتراكية، وان ازدهار الشعوب يكمن في اتباع هذه الايديولوجيات التي رفعت شعار "الوطنية" خيمة لتضم بها المنتسبين وأكبر قدر ممكن من شرائح المجتمع، فالوطن (القطر)، أو الوطن (الأمة العربية) فوق كل شيء، وهذا ما جعل منهجها في التفكير والتطبيق العملي يتسّم بالثورية بدعوى المطالبة بالتغيير السريع لواقع الحال الى الأحسن.

ثم جاء من بعدهم المنظرون والمفكرون الاسلاميون ليدلوا بدلوهم علّهم يسهموا في عملية التغيير الشامل في المجتمع والامة منطلقين من أسس دينية وقالوا "بالحكم الاسلامي" بيد أنهم لم يتخلصوا من فوبيا الاستعمار والاستعباد والتحديات الخارجية، فجنحوا الى الثورية واتباع اسلوب العملية الجراحية لاستئصال الورم السياسي، على أمل إعداد الارضية لتغيير ثقافي وفكري شامل ينطلق من القصر الجمهوري ومن غرف الوزارات ودوائر السلطة.

فاذا كان هذا المنحى يهدد عروش المستبدين، فانه يهدد ايضاً المستضعفين في قادم الأيام، كونه مضطراً لاستخدام بعض أدوات العنف والارهاب، بمعناه العام، وربما يذهب البعض لتطويع المعنى، مستنداً الى الآية القرآنية التي تتحدث عن (...وترهبون عدو الله وعدوكم)، فبعد هذا التطويع، هل حدد الثوريون معايير خاصة لمن يكون العدو، ومن يكون الصديق؟ ثم الكيفية والى أي حد...؟

إن المردود السريع للأعمال الثورية هو ما يغرر الشعوب المقموعة في كرامتها ولقمة عيشها وحريتها، فتنزل الى الشوارع وتتحدى السلطة وتكسر حاجز الخوف، وأول عمل تقوم به لاثبات شجاعتها المغيبة؛ إحراق الاشياء القريبة منها والممكن اخراجها من المباني الحكومية، ثم احراق بعض المباني التي تتصور أنها مصدر انتهاك لحقوقها والسبب في ما تعيشه من بؤس وشقاء، كما تحصل حالات الاستحواذ على الممتلكات العامة بحجة أنها ملك الشعب، ولا ضير في تملكها! حتى وإن كانت أرصدة في المصارف والبنوك مثلاً!

على المدى القريب ربما تحقق الاحزاب شيئاً للناس عندما تشفي الغليل باعمال انتقامية وتصفية حسابات مع ضباط أمن ومسؤولين في الدولة مسببين في انتهاكات وجرائم معينة، بيد أنه على المدى البعيد، وحيث يتطلع المجتمع الى تغيير اقتصادي وسياسي يضمن له الحرية في العمل والانتاج والتعبير عن الرأي والانتماء، فان الغد لن يقدم إلا ما نزرعه اليوم، فاذا كان العنف ومنطق القوة ومنهج الانتقام وتصفية الحسابات هو سيد الموقف، فان الحكمة والعقل سيكونا بعيداً عن الساحة.

ولعل ما نلحظه اليوم – على سبيل المثال لا الحصر- في التظاهرات الاحتجاجية في وسط وجنوب العراق مؤخراً، يعزز ما نذهب اليه من الطابع السلبي للاحزاب الثورية، فأي متظاهر تتحدث معه وتسأله عمن دعاه الى التظاهر، سيجيب فوراً بانه: لا ينتمي لأي حزب سياسي...! وهذا لا يعبر عن الرأي السائد بفساد هذه الاحزاب فقط، وإنما يعبر ايضاً شعور عام بعجز مدقع في قيادة المجتمع بالشكل الذي يجعله واعياً ومتبصراً بالأمور ويكون بامكانه المطالبة بحقوقه بأقل التكاليف، وإلا فان الجميع يعلم أن نسبة كبيرة جداً من الموظفين في الدولة العراقية إنما حصلوا على فرصة عمل بفضل الاحزاب السياسية المشاركة في الحكم بالعراق، سواءً من خلال الانتماء او الواسطة او غير ذلك.

ان مجرد اسم "الحزب" بات يشكل هاجس مزعج لابناء المجتمع، بعد ان كان الاستعمار والاستعباد هاجس الاحزاب في سالف الزمان، فصورة الحزب الذهنية هي مدعاة للتصفيات الجسدية بأبشع الصور، وللفساد الاداري والمحاصصة، وللدمار ثم الديكتاتورية المقنعة.

فرصة البناء قائمة

من وجهة النظر الاسلامية فان التنظيم السياسي القائم على منهجية دينية ويستقي رؤاه من مرجع ديني، من شأنه الاسهام في بناء الكوادر والكفاءات العلمية، وتنمية الجيل الناشئ على الثقافة الاسلامية المتضمنة لقيم اخلاقية وانسانية، وقد اشار الى هذه الفكرة سماحة الامام الراحل السيد محمد الشيرازي –طاب ثراه- في كتابه "الحرية الاسلامية" الذي صدر عام 1961، فاذا كان لدينا الاكاديميون في فروع وتخصصات عدّة، فان الخطوة اللاحقة والأكثر أهمية من طلب العلم؛ طلب الخبرة والتجربة، وهي مسألة معرفية بحاجة الى برامج للتأهيل واعداد هذه الكفاءات العلمية لتكون جديرة بالمناصب التي يفترض ان تتولاها، وإلا فان المحاصصة والمحسوبية والمنسوبية في التعيينات الحكومية سيكون بيد "الانقلابيين سواءً كانوا عسكريين او شعبيين، يؤخذون من الشارع ويوضعون في الدوائر الحكومية، وحيث وحيث ليست لهم الخبروية، سيفسدون ويفسدون، وان فرض حسن نيتهم، وكانوا في أرقى درجات العلم والثقافة".

ومسألة التأهيل ليست مقتصرة على خريجي الجامعات، وإنما تشمل شريحة الشباب بشكل عام ومن الجنسين، إذ ان وظيفة التنظيم السياسي (المرجعي) الذي يدعو اليه سماحة الامام الشرازي، أن يقيم معاهد ودورات تنموية وثقافية تصقل المواهب وتحث على العطاء والانتاج في المجالات كافة.

ان أهم وابرز ثغرة جدار الثقافة لدينا تكمن في المنظومة التعليمية والتربوية، فقد تطرق الباحثين كثيراً الى أزمة المنهج والتطبيق في عملية إعداد المعلم والمدرس الكفوء والقادر على تخريج طالب يتحول الى مسؤول أمين وصادق في الدولة، ويكون عضواً منتجاً وفاعلاً، بل وأحد عوامل التقدم في بلده.

فمن يكون هذا المعلم او المدرس؟ وما هي المؤهلات المطلوبة؟

هذا ما يتعلق بالجانب العلمي والمعرفي عند الكادر التدريسي، أما ما يتعلق بالجانب الثقافي والتربوي عند الطالب، فان الامر لا يقل أهمية وحساسية، فالامر يحتاج الى منهج وبرنامج متكامل تنظمة جهات خاصة لرفد الطالب – من الجنسين- بالثقافة البناءة، فيكون؛ الى جانب علميته، ذو أخلاق عالية و وعي عميق بمسؤوليته في المجتمع.

هذا المشوار الاجتماعي والثقافي، هو أحد ميادين عمل التنظيم السياسي الهادف للبناء والتنمية الحقيقية للانسان والمجتمع، وهو ذاته الذي من شأنه ان يعيد اللحمة والثقة بين الشريحة الواعية والمثقفة التي ينتمي جزء منها الى الاحزاب السياسية، وبين جماهير الشعب الذين سيعرفون كيف يتظاهرون؟ وكيف يمارسون الضغط على الحكومة لاستعادة حقوقهم، كما تفعل الشعوب المتحضرة في العالم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0