اذا قتلت الديمقراطية بكل ما بقي من روحها المعاقة، فالديكتاتورية او الفوضى هما خيار الشعب العراقي ولا شيء غير ذلك، ولهذا تجد الكثير من المواطنين بدأ يعد العدة لرفع لافتات التاييد للحكم الديكتاتوري بشكل القديم او بالتعديل الذي اضيف له لاحقا حيث يتضمن احتفاظ كل حزب سياسي بكمية من الأسلحة المتوسطة والثقيلة وبعض السجون السرية يلقى فيها كل من يعارض توجهات الحزب...

تعاني التجربة الديمقراطية في العراق من "عوق" ولادي اقعدها عن أداء دورها الذي يشاع عنها في وسائل الاعلام وعلى السنة الساسة، لم تستطع هذه الديمقراطية التي تسير على كرسي المحاصصة الطائفية والحزبية ان تحقق أي شيء للبلاد الا اذا لامس مصالح الخارج، وما دون ذلك ترف محرم يجب تاجيله الى المستقبل الموعود.

الخطابات السياسية لمختلف الشخصيات العراقية وغير العراقية ارادت منذ عام 2003 إخفاء ما يعاني منه البلد من مشكلة كبيرة لا يمكن إصلاحها الا بتهديم البناء من اسسه التي أقيمت على أرضية غير صحيحة، الا انهم كابروا وتاملوا بان يساعدهم الزمن في تخطي هذه المشكلة.

المختصون ثبتوا ملاحظاتهم على ما يجري في العراق وما يمكن ان يجر البلد الى حروب وازمات جديدة، وبينما هم يتفحصون مواطن الخلل ويعلنونها للراي العام، يقوم تيار مضاد باتهامهم باشد عبارات التخوين والعمالة لمخططات خارجية، فيما يضعهم تيار اخر في ردهة "التشاؤم".

بقي مولود العراق (الديمقراطية) يسير على مرضه الولادي سنوات طوال واجه خلالها حرب طائفية طاحنة، وبعدها فوضى سياسية أدت الى تشكيل حكومة ضعيفة وهذه الأخيرة قدمت العراق على طبق من ذهب للجماعات الإرهابية عام 2014، وهو ما كشف خطورة استمرار هذه التجربة وضرورة الخلاص منها بطريقة لا يعرف الراي العام العراقي بها مثلما تم إخفاء حقيقة مرض هذه الديمقراطية منذ البداية والتي كانت مصابة بداء "المحاصصة والفساد".

هناك عدة احداث تكشف نية الأحزاب السياسية لقتل الديمقراطية بطريقة الموت الرحيم وهذه ابرزها:

أولا: قانون الانتخابات، اقر البرلمان العراقي قانونا انتخابيا لا يشبهه أي قانون انتخابي في العالم، المعروف باسم قانون سانت ليغو المعدل، حيث تم تفصيله بطريقة تساهم في بقاء الشخصيات الرئيسية واحزابها المتنفذة أطول فترة ممكنة بالحكم تقترب من الحكم الديكتاتوري، الا ان المشكلة التي حدثت ان النتائج كانت صادمة وغير متوقعة، فسقطت الأحزاب الكبيرة بالبئر التي حفرتها للشعب العراقي، ولان الذي يجري هو صراع بين الساسة والشعب فلا بد من معاقبة هذا الشعب ليتم تاديبه وتعليمه كيف يكون شعبا خانعا لا ينتخب الا ذو حزب عظيم.

ثانيا: تعديل التعديل وعد المعدود، وبعد ان عاقب الشعب ساسته ظنا منه انه يعيش تجربة ديمقراطية يحق له فيها قول كلمة "لا"، رد عليه البرلمان بتعديل جديد لقانون الانتخابات المعدل أصلا يضمن فوز الكتل الكبيرة وقياداتها، ويتضمن قرار البرلمان الذي اقر بعد اجراء الانتخابات إعادة الفرز اليدوي لاصوات لناخبين، وتعديل قانون الانتخابات باثر رجعي في سابقة خطيرة تجعل الوضع شبيها جدا بالانظمة الديكتاتورية التي لا تسن القوانين الا بما يحقق مصالح قياداتها الكبيرة.

ثالثا: محرقة أصوات الناخبين في الرصافة، وبالإضافة الى فرض قانون غير مسبوق ومشكوك في مشروعيته باعتراف برلمانيين وخبراء القانون من خارج البرلمان، قامت بعض الجهات التي لم يكشف عنها حتى الان بحرق صناديق الاقتراع الخاصة بمنطقة الرصافة في العاصمة بغداد، بينما تقول الحكومة ان الحريق هو من فعل مقصود يراد به التلاعب بنتائج الانتخابات، دون الإشارة صراحة الى ذلك الفاعل.

رابعا: استحقار الناخب العراقي عبر شيطنة الاخر لكسب الأصوات به ثم إعادة التحالف معه، فقد قامت الدعايات الانتخابية على أساس التخلص من الاخر الذي تم تصويره على انه شيطان يهدد امن البلاد، ويقف عائقا امام المشاريع الاقتصادية الطموحة ويمنع الحرب على الفساد، وعلى هذا الأساس ينتخب المواطن العراقي لكنه يفاجئ ان ما يحدث هو العكس وهو تكرار لما حدث معه خلال جميع الدورات الانتخابية من حيث إعادة التحالف مع اشد الأحزاب عداء، ومن ثم يجد ان كل ما يجري هو مسرحية يتم فيها جلب الأصوات لاسباغ الشرعية على حكم لا يرتبط بالمواطن من قريب ولا بعيد، وظهرت حالة من التذمر التي تنذر بوجود موجة غضب شعبية غير مسبوقة في الشارع العراقي نتيجة ما يجري في المنطقة الخضراء.

ما يقوم به البرلمان والحكومة والأحزاب المشاركة في صناعة القرار العراقي، تقتل الجزء الحي من التجربة الديمقراطية التي عاشت على الاوكسجين الطائفي لعدة سنوات ثم استنشاق الدعم الخارجي واسترضائه، ويبدو ان كل الخيارات قد استنفذت لإطالة عمر هذا المولود بالعمليات القيصرية لتقرر دول الخارج المتحكمة في القرار العراقي الحكم على هذا المولود بالموت الرحيم عبر خلط الأوراق وتسريع وتيرة الاحداث ليعيش المواطن في حالة من الرعب والخوف تحجب عنه كيفية قتل الديمقراطية بهدوء تام.

واذا ما قتلت الديمقراطية بكل ما بقي من روحها المعاقة، فالديكتاتورية او الفوضى هما خيار الشعب العراقي ولا شيء غير ذلك، ولهذا تجد الكثير من المواطنين بدأ يعد العدة لرفع لافتات التاييد للحكم الديكتاتوري بشكل القديم او بالتعديل الذي اضيف له لاحقا حيث يتضمن احتفاظ كل حزب سياسي بكمية من الأسلحة المتوسطة والثقيلة وبعض السجون السرية يلقى فيها كل من يعارض توجهات الحزب، كما يكون وسيلة ردع للأحزاب الأخرى التي تملك أسلحتها الثقيلة أيضا.

اضف تعليق


التعليقات

حامد الجبوري
حقيقة مقال رائع جداً..
أما بخصوص اتخاذ خيار الرجوع للدكتاتورية بسبب الاوضاع السيئة هو شبيه بخيار اتخاذ المريض طريق الانتحار للخلاص من آلامه أي " معالجة الخطأ بالخطأ "!! وهذا ما لا يقبه عقل ولا منطق لان الخيار الأفضل هو تعديل وتصحيح المسار من خلال توعية الشعب بمدى أهمية تحقيق الأهداف الوطنية حتى تكفل العيش المشترك تحت خيمة الوطن دون أي تمييز، وبواسطة النظام الديمقراطي الحقيقي وما يكفل تبنى نظام ديمقارطي حقيقي هو "وجود المؤسسات" التي يفتقدها العراق، والتي تؤدي دوراً مهماً في تصحيح مسيرة البلد سياسياً واقتصادياً، كونها تضمن تهتم بالحفاظ على حرية الاختيار وحرية الاعلام وحرية الوصول للمعلومات والمتابعة والمراقبة والمحاسبة، وهذا ما يضمن ضبط مسيرة ادآء الحكومة.2018-07-05