ظهرت ديمقراطية اثينا عام 550 قبل الميلاد وفيها صُممت الحكومة وفق نظام الديمقراطية المباشرة، التي تعطي الحق لكل مواطن في التصويت على كل مادة من التشريعات. ولو وضعنا جانبا الثورات السياسية التي حدثت عام 400 قبل الميلاد، فان ديمقراطية اثينا بقيت نوعا ما مستقرة.

هذا النوع الجديد من الحكومة ألهم الناس العاديين بطرق لم تكن مألوفة. الافراد من غير الطبقة الارستقراطية والذين لديهم الطموح السياسي وجدوا أنفسهم في أعلى سلّم السياسة الاثنية. مثال على ذلك الجنرال ورجل الدولة Themistocles الذي كان له دورا اساسيا وهاما في حماية اليونان من الغزو الفارسي الثاني. لتلك الاسباب اعتُبرت اثينا منطلقا للديمقراطية ومهدا للحضارة الغربية.

بالطبع لم تكن تلك الديمقراطية مثالية. فقط الرجال الاحرار الذين أكملوا الخدمة العسكرية سُمح لهم بالتصويت على القوانين. هذا يعني ان 20% فقط من السكان كانوا قادرين بالفعل على التصويت. النساء لم يُسمح لهن بالتصويت فكانت حقوقهن اقل من الرجال. هذه لم تكن الشكاوي الوحيدة ضد ديمقراطية اثينا المبكرة. في كتاباته فحص افلاطون بكثافة ما اعتبره اخطارا جسيمة في النظام الديمقراطي.

اولا، ان هناك نزعة غير مباشرة لإعدام الناس. من الواضح ان افلاطون كره الديمقراطية بعد اتهام واعدام صديقه واستاذه سقراط عام 399 قبل الميلاد. كتب افلاطون عن محاكمة سقراط في مقالته الاولى Apology. هو وصف لاحقا تلك المحاكمة كطبيب حُكم عليه من جانب مجموعة من القضاة الاطفال.

لم يكن سقراط الوحيد الذي اُعدم آنذاك. اثناء الحرب مع اسبارطة جرى اتهام عشرة مسؤولين بسرقة المال العام من خزينة اثينا. هؤلاء الرجال اُعدموا الواحد تلو الآخر حتى بقي واحد منهم فقط، وبعد وفاة الاشخاص التسعة جرى اكتشاف خطأ في الحساب حيث اطلق سراح الرجل المتبقي. ايضا وبعد انتصار البحرية في ارغينوس، جرت محاكمة العديد من القادة الاثنيين لفشلهم في الحفاظ على الأحياء بعد المعركة. ستة قادة حوكموا لتقصيرهم في اداء واجباتهم ثم اُعدم لاحقا الشخص الاصلي الذي وجّه الاتهام لهم.

موت سقراط

كان افلاطون شعر باستياء شديد بعد وفاة سقراط، ومن المؤكد ان الاعدامات الواسعة وفرت سببا للشك في نظام اثينا الديمقراطي. افلاطون اعتقد بوجود طبيعة شريرة في الديمقراطية كونها تقود فقط الى الاستبداد والسيطرة.

في الكتاب الثامن من الجمهورية يبدأ افلاطون بوصف عدة مراحل للحكومة والتي لا يمكن القبول بها ومع ذلك لا يمكن تجنبها. يتنبأ افلاطون بمجتمع ذو فجوة سوسيواقتصادية هائلة، حيث الفقير يبقى فقيرا والغني يزداد غنى من جهود الآخرين. في هذا الموقف، سوف يرغب الناس بالحرية، يستخدمونها كشعار ضد مضطهديهم، فيعلنون الثورة.

في هذه الثورة، ستُسفك الدماء ويموت الناس. وفي اثناء هذه الفترة من انتقال العنف، سوف يتحد الناس خلف رجل واحد او مجموعة من الرجال يعتقدون انهم سينقذونهم. هذ البطل سيرفعهُ الناس الى أعلى مستوى ويمنحونه مسؤوليات مقدسة في نشر الحرية على الارض. وعندما تتوقف الأحداث، سينهار النظام القديم وسيُستبدل بالديمقراطية. ومع ان هذا يذكّرنا بالعديد من الثورات بضمنها الثورة الامريكية، لكن افلاطون يحذرنا من ان المشكلة ستبدأ بالاتساع والتفاقم من هنا.

في كتاباته يميز افلاطون بين الرغبات الضرورية والرغبات غير الضرورية. الرغبات الضرورية هي الرغبات التي لا نستطيع التغلب عليها مثل رغبتنا بالطعام والوقاء. الرغبات غير الضرورية هي التي نستطيع التغلب عليها لكننا لن نفعل ذلك. هذه الرغبات تتضمن الممتلكات الثمينة والترفيهية. هذه الانواع من الرغبات هي نتيجة للطوفان السريع للحرية الى جميع الناس. ولكن حالما نتذوق الحرية فإننا سنصبح مدمنين عليها. افلاطون يرى بان الناس سيطلبون الحرية في كل مكان وزمان رافضين اي شكل للسلطة مطالبين بالمزيد منها. ونظرا للجموح الدائم نحو الحرية والحديث المتواصل عنها سنصبح راغبين بالتضحية بالأشياء الضرورية مثل الأمن الاجتماعي.

ومن هنا فان، القادة الجدد المعينين يصبحون عصبيين جدا، ويصبح من السهل عليهم الاطاحة بالنظام القائم، لماذا لا يكونون هم على رأس السلطة؟ هؤلاء القادة الديمقراطيون سيدركون انهم سينالون الدعم بسهولة عندما تندلع حرب خارجية يمكن حشد الناس حولها. وهكذا سيصبح القادة الديمقراطيون منخرطين بالعنف يشنون الحروب لصرف انتباه الناس. ولكي يضمنوا السلطة، سيسن القادة قوانين لتقوية موقفهم فيقومون بفرض ضرائب ثقيلة على الناس، وكل من يعارضهم سيوصف كعدو ويُحاكم كجاسوس. لهذا السبب سنجد دائما هناك اعداء يُلقي عليهم اللوم.

يستمر افلاطون في نقاشه لتوضيح ان هؤلاء القادة سيصبحون بالنهاية غير مرغوبين. اولئك الذين دعموا الطبقة الحاكمة يبدأون بالتمرد ضدها باعتبارها اصبحت سلطة مستبدة. في هذه النقطة سيحاول المواطنون التخلص من الشخص الذي يمسك بالسلطة اي كان اما بالنفي او بسحب الثقة عنه. واذا فشلوا في هذا فان الحاكم سيسحق اي معارضة سياسية ضده.

هؤلاء القادة ونظرا لكراهية الناس لهم سيطلبون حراسة مشددة لحمايتهم، فهم الآن مستبدون، وليس امام القائد من خيار عدا القمع اذا كان راغبا في الاستمرار بالحكم. القائد المنتخب من الناس الان هو في حماية منهم. افلاطون يرى بان المستبد سوف يلجأ الى ادنى مرتبة من المواطنين، انه سيتخذ جنودا له من العبيد والافراد ذوي الاخلاق السيئة. سيدفع المستبد لهم النقود مقابل حمايته من المواطنين العاديين. وهنا أصبح القائد دكتاتورا ولد من رحم الديمقراطية ومُنع من السقوط بأدواتها.

وصف أفلاطون للديمقراطية كان مثيرا للانتباه. انه يثير الشك ويجبرنا للتمعن جيدا في حكوماتنا. هل صحيح ان الحكام هم استبداديون يميلون لاستخدام الارهاب والقوة؟ التاريخ يكشف لنا عن الكثير من النماذج لحكومات قمعية وثورات تكررت مرات ومرات.

الفيلسوف توماس بان Thomas paine وصف الحكومات بانها "شر ضروري". واذا كان الامر كذلك فان الديمقراطية ربما هي الاقل ضررا في مسيرة وجود الانسان. الدكتاتور المقنع ربما افضل من القمع العلني.

ومهما كانت فكرتنا عن الديمقراطية سواء في امريكا او غيرها، لابد من الاخذ بالاعتبار هذه الاتهامات التي اثارها افلاطون امامنا، والنظر الى الطبيعة الكارثية والتي لا يمكن تجنبها عند ممارسة الحرية.

...........................

* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0