ليس ثمة فائدة تُذكر من أية فكرة لا يمكن تطبيقها على واقع الإنسان وتطويره، وربما لهذا السبب الجوهري، أُلزِمَ المفكرون بصناعة الفكر القابِل للتحوُّل من صيغته التعبيريّة المجرَّدة، إلى التجسيد الفعلي، بخلاف ذلك، لن تكون هناك حاجة للفكر أصلا، فما فائدة صياغات فكرية يستحيل تحويلها إلى أفعال تدفع بسفينة الحياة قُدُماً إلى شواطئ المعرفة.

على أن تُرعى طبائع الإنسان الفطرية في مضامين الأفكار وليس تطبيقها واقعيا فقط، وكذا الحال ما فائدة الفكر المتحوِّل بالاتجاه المضاد لسجايا الطبيعة والفطرة البشرية، مثلاً أنحنُ بحاجة للفكر المتطرّف، وهل بنا حاجة لتدمير ما بناه الأوَّلون للنشء الملتحِق بهم؟ أم حاجتنا محصورة بمضامين مؤازرة للأجود والأفضل، لينطبق قانون داروين البقاء للأصلح.

بالطبع هذا السؤال تكمن أهميته الكبيرة بسبب توقّف مصائر لا تُحصى عليه، فالبناء هنا لا يتعلّق بالآجرّ وإعلائه آجرّةً فوق أخرى، أي ليس المعني هنا البناء العمراني أو المادي، المقصد الأهم هو البناء الأخلاقي، فالجميع بهم حاجة للفكر الأخلاقي المنتِج والمطوِّر للعادات والتقاليد المعتمَدة، فالإنسان لن يكون بحاجة إلى أفكار فارغة مكسورة الجناح، ليس بمقدورها العلوّ بالعقل والروح والسلوك، إنها الثلاثية التي يرتهن بيدها التقدّم العالمي، المنتِج الأول لها الفكر المصفّى من شوائب الضمور والضعف والانغلاق والتطرف، مع نشر ثقافة الاعتدال بين البشرية.

وما يُشاع من أنّ الفكر يمتلك المفاتيح المناسبة لكلّ منغلِق من العقول، فإن ما يمكن التصريح به حول كونه الوسيط الأوحد في فتح نوافذ العقول المغلقة صحيح بالجملة والتفصيل، فلا يوجد غير الأفكار أكثر قدرة من سواها في قضية تحطيم الأغلال، وإشاعة ثقافة التحبّب والتقرّب من أشد العقول انغلاقاً، فتجعل منه وسطاً مستقبلاً للمحتوى الفكري، على أن يتم وضع آليات ضامنة لتحويل اللفظ المجرّد الى مجسَّد فعلي.

بالطبع لا تنعدم مطلقاً حاجة البشرية للأفكار، وهو أمر غير قابل للنقاش، فما حدث من مراحل انتقال مادي وثقافي وعلمي، ما كان له أيّ وجود، لو لا الوسيط الأعظم وهو الفكر، مع توافر اشتراطٍ أهمّ يدمغ المضامين بالجودة والجديّة وحسم التحوّل من التجريد اللفظي، إلى المكنون القائم بذاته، منظوراً وملموساً ومسموعاً أيضا، فلا يريد المكوّن الجمعي البشري فكرا عاجزا عن مدّه بالمجسّد الفعلي، حتى الأخلاقي العاجز عن تغيير الفرد من الدرجة المتدنيّة إلى العليا، لا يحتاجها الإنسان.

وقد يجزم بعضهم أن كل أخلاقي باللفظ داعمّ جيد للتقدّم، لكن أشَّرت تجارب لفظية عديدة، عجز الكلمات الأخلاقية وحدها عن الأداء الأجود من سواه، فما هو أحسَن، أن يتحوّل اللفظ الأخلاقي إلى ملموس فعلي، فالأخلاق ليست كلمات تُقال، أو وعود تُقطَع، كلا، الأخلاق كلمات وملفوظات تمتلك خاصيّة التحوّل من الفكري إلى التطبيقي، فلا يكفي أن نستمع للفظ الجيد، أنا بحاجة لأنْ نرى هذا اللفظ مجسّداً إلى فعل أراه ببصيرتي حتى يمكنني أن أتعلّم منه وأطوِّر حياتي.

وثمّة اشتراط أهم وأشدّ وقعاً في تأثير اللفظ بالآخر، فقد يكون المضمون الفكري مستلَباً من خاصية التأثير المُجيد، هنا سوف يُشترَط أن يتمسّك هذا المضمون بالأجود، ممّا يقدر على معاونة العقل الجمعي، وهذه دلالة على الجودة التي يتسامى بها الفكر النافع، وهي بمثابة تأشيرة مرور ودخول إلى عقل وذائقة الإنسان، كونها تتوافق وتتسق مع رؤيته لكينونة الأفكار وقدراتها، فالحاجة هنا تتمركز حول قابلية تحوّل الفكر إلى فعل أو عمل، على أن يتّسم هذا الفعل بالجودة وليس الإجادة، فقد يتّسم الفكر المتطرف بالإجادة في التأثير، عندما يُحسن الترويج، ولكنْ لا فائدة من فكرٍ محرَّف ومحرِّف في نفس الوقت، ولا فائدة إلا بالأفكار التي تتّسم بخاصية الترجمة والتحوّل من مضمونها اللفظي الخالص إلى الناتج الفعلي المفيد.

يبقى السؤال الأهم هو كيف نرتقي في فكرِنا، ثم كيف نترجمهُ من وضعه اللّفظي إلى الفعلي، فليس المهم في الأفكار أن تكون مُصاغة ومدبَّجة بشكل جميل، وإن كان جمال اللفظ مهمّا ومؤثّرا، ولكن يلزمنا الانتباه إلى ما تقدّمه تلك الأفكار للكائنات إذا ما تمّـت إحالتها إلى الوجود الفعلي، وإذا قُدِّمت الأفكار بوعاء ملفوظيّ أجمل، هذا لا يمحو خاصية التحوّل إلى الفعلي الذي يمر عبر محطات منها:

- أن يتم تقديم الفكرة بلغة جيدة شرط أن لا نكتفي بجماليات اللغة بل لابد من وجود إمكانية تطبيقية للفكر في الواقع.

- أن يراعي الفكر مراجعات الوسط العقلي الذي يتحرك فيه.

- أن يتبنّى شكلا جماليّا في الرسم والكتابة واللفظ، على أن لا يكتفي بهذا فحسب، فضمان الترجمة من المجرَّد الى الملموس بمثابة حجر الزاوية في فائدة الفكر للعقل وللإنسان.

- تشذيب الأفكار من ثقافة الإقصاء، وهذا اشتراط أهم من سواه، فالفكر المنفتِح على الآخر أطول عمراً من سواه، وأكثر في التأثير الفعلي.

- قابلية حرص المنتِج الفكري على صياغات مراعية لاشتراط التحوّل إلى أفعال، فالمفكر الذي لا يعبأ بما ستؤول له أفكاره على مستوى الفعل، لن يحصل على النتائج التي يرغبها.

- أن تتم دراسة الوسط المستهدَف مع معرفة الميول والمرجعيات الفكرية الثقافية والتقاليد التي تحكمهُ، وبهدي هذه القراء يتم بثّ المحتوى الفكري الى الوسط المبتغى.

- ليس ثمة تردّد في حزّ التطرف بأشكاله، ومحوه كليّا من المضمون، حتى تتم عملية ضمان الأجود من سواه.

- أن يتواءم اللفظ مع المحتوى من ناحية، ومن أخرى أن يحدث الانسجام بين المطروح الفكري والمستقبِل له، وأي تناقض بين الطرفين سوف يلغي نجاح المفكّر أو العالِم أو المثقف، في الوصول إلى العقل الأكثر نباهة.

وهكذا ستكون هنالك مواءمة بين اللغة التي تنقل الفكرة، وبين قدرة الفكر للتحول إلى منتج عملي، على أن تنحو هذه المواءمة إلى شرط التطبيق، وعدم حبس الأفكار في نسيج جميل من الكلمات وينتهي الأمر عند هذا الحد، فالمطلوب أن تحمل جماليات اللغة قدرة الفكرة على دعم واقع الإنسان وتغييره بما يرفع مستوى واقعه وحياته، إلى درجات أفضل.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0