تدخل البرمجة والتخطيط في المشاريع المستقبلية، كعامل تنظيم وتحسّب ومستكشف للنتائج، ومقصي للمفاجآت، حتى قيل أن عملاً ما بعيدا عن التخطيط هو عرضة للارتجال والفشل، تغيير البنية الاجتماعية كمشروع مستقبلي لا يُستثنى من هذا الاشتراط، فإن أرادت حكومة أو مؤسسة ما بذر التغيير في تربة المجتمع وإنباتها ونموّها، ستكون البرمجة من أول الاشتراطات الضامنة لهذا المشروع.

التخطيط والبرمجة هل يكفيان كشرطين ضامنين؟، بالطبع ثمة ما هو أهم من هذين الشرطين، إنه الفكر الذي سيكون بمثابة البوصلة الموجِّهة للتخطيط والبرمجة، إلى درجة يستحيل معها لمس التفوّق في تقدم مشروع ما، دون المضمون الفكري الذي سيأخذ على ذمته طرق جدار العالم التقليدي بـ إزميل الفكر أو يراعه، ومن ثمَّ إحداث فجوات في ذاك الجدار الشاهق، والتسلّل البطيء المدروس إلى النمطية القارّة في المناهج والسلوك السائد، وتهديم أسس السائد بمعاول الفكر الجديد.

ماذا ستكون النتائج المأمولة؟، لو ضمنَ المشرفون على تغيير البنية الاجتماعية تنفيذ اشتراط البرمجة والتخطيط المدعوم بالفكر المستحدَث، بالطبع سوف تبدأ ساعة الصفر وتنطلق معاول الفكر وأدواته بتهديم السياج الفاصل بين المجتمع والتغيير المستهدَف، ولو أننا أردنا أن نغيّر البنية الاجتماعية بنحوٍ عمليّ، لن يكون هناك سبيل أقصر سوى تهيئة اللوازم الفكرية المنتظمة، والإيعاز للمؤسسات ومراكز البحوث المهتمّة في أن تتبوأ مركزها وتبادر بإعداد البرامج المناسبة للتغيير.

هذا يعني أننا لسنا حيال مشروع تغييري مرتجَل، فمَنْ يبتغي قلب السائد من العادات البالية والتفكير الساكن رأساً على عقب، وإحلال المحدَث محلّهُ، لن يتقدم خطوة في هذا المضمار، ما لم يتأبّط الفكر الجديد كيراع يحتمي به ويثق في تأثيره، ويشرع في بثّه بين المكوّنات المجتمعية كل حسبما يناسب مستواه الإدراكي، على أن تُقاس درجة الاستعداد الضامن بقبول تغيير السائد، وإنْ كانت درجة القبول نسبية بين مجتمع وآخر، بحسب العقلية والجذور الثقافية، والتراكم المعرفي وسوى ذلك.

تهيئة فئات المجتمع في ضوء القياس العمري أو العلمي أو الطبقي أو المناطقي، لاستقبال التغيير والتناغم مع أدوات ضرب السائد وتهديمه، أمر غاية في الأهمية، وهو جزء بالغ الأهمية في تقليل خطر الفعل الاعتباطي، هذا سيكون جزءاً من الخط البياني المرتفع لنتائج التغيير، فتنظيم المستوىات العقلية والعمرية والثقافية والطبقية للمجتمع، سوف يجعل آلية التغيير الاجتماعي أسهل بكثير، فيما لو سادت عمليات جزافية في بث الفكر التجديدي، هذا مؤشر على الفشل المسبق في تهديم السائد والبدء بإعلاء الكيرف أو الخط البياني التصاعدي لقبول التغيير.

وحين تركز المؤسسة أو الجهة القائدة لمشروع تغيير البنية الاجتماعية، على مثابات التخطيط والبرمجة والدور العلمي الريادي لمراكز البحوث والدراسات، للمضيّ في التغيير المجتمعي قُدُماً، عليها أن تكون عارفة بالوسط الاجتماعي المستهدَف بالتغيير، حتى تبتعد عن المزج بين العلمية والجزافية، ضمانا لتحقيق أفضل النتائج في المحصّلة المرتقبة، فما يُقال عن إمكانية إحداث تغيير في البنية الاجتماعية بدون الركون إلى الوسائط الفكرية، لا يعدو كونه محاولة إستباقية لوأد مشروع التغيير المجتمعي، لأسباب جلّها مرتبط بمصالح طبقية.

فمن يروم تغيير البنية الاجتماعية، كتطوير العقل، والإدراك، ومهارات التفكير، وتنويع السلّم العملي، وسوى ذلك من درجات ترتقي بالفكر الاجتماعي، عليه أن يعي ويفهم صعوبة مثل هذه المشاريع، ومن ثمَّ توافر الاستعداد النفسي والمادي لخطوات تهشيم السائد، وتثبيت أسس التغيير الاجتماعي الجديد، في محاولة جادة للحاق بالمجتمعات التي أسقطت العروش القديمة للعادات الاجتماعية المتهرئة التي تجاوزها إنسان العصر الحالي بمسافات تعدل سنوات ضوئية.

وثمّة من يذهب إلى مسافة عمرية أقل من الشباب ومتاخمة للطفولة، فينصح أو يريد أن تكون إنطلاقة التغيير أو خط شروعها من رياض الأطفال، والمدارس الأولية، على أن يتم تهيئة الوسط الأسري بمنابع التغيير الاجتماعي، حتى يكون الإنسان مستعدا لهضم التغيير وهو لمّا يزل في مرحلة الطفولة، فيجرع قيم التغيير الجديدة مع حليب الأم وقيم الأب المتنوّر، بعد منحهما الغذاء الفكري المتأهّب لزرق عقول الأطفال بما يقارع السائد المتهافت، مع الإبقاء على المستحسَن والمفيد من القيم التي قد يضيع تأثيرها بسبب اندماجها قيم الرداءة والانحدار.

فما يرجى من الجهات العاملة على تغيير البنية الاجتماعية، تركيزها على التفريق بين الجيد والمتهافت من القيم السائدة، وليس سديدا ولا موفّقا ضرب القيم جمعاء وتهديم أسسها بحجة ضرب السائد وإعمال حيثيات التغيير، فقد تنقلب النتائج إلى الضد، ويفقد المجتمع قيماً مساهمة في إحداث درجة أعلى من الارتقاء الاجتماعي، يُضاف إلى التهديد الذي يطول الجذور الثقافية والقيم والهوية الخاصة، وهذا لعمري خطر ما يعده خطر، فهو قد ينتهي بالمجتمع إلى المسخ والإذابة في ثقافة وافدة، هدفها أبعد بكثير من الربحية الفكرية أو الثقافية أو الدينية، فيكون هدفها السيطرة والإخضاع والنهب والحلب المستمر للثروات العامة.

ويُقال أيضا أن الذهاب إلى تهديم السائد القار من القيم الاجتماعية، قد يحمل معه من المضار ما يعدل الفوائد، فمتى يمكن أن يكون هذا الخلط المخادع بين المُجيد والرديء ذا مردود مسيء؟، إنك قد تفقد مخزونك من القيم الصالحة، بحجة تجديد القيم التالفة، والحال هذه على جهات التغيير - المؤسسات العلمية ومراكز البحوث والدراسات - أن تحسب أدقّ الحساب حتى لا يختلط الحابل بالنابل.

وحتى لا تغيب أوجه المقارنة بين الاثنتين، أمر بالغ الأهمية التفريق بين القيم الراسخة والرديئة، حتى لو وقع كلاهما تحت معاول التهديم لأسوار البنية الاجتماعية، حتى ينتهي مشروع ضرب المجتمع، بالأخص إذا كان مقبلا على مرحلة جديدة من التفكير والقيم والعادات التي ينبغي أن ترتدي ثوبا زاهيا عميقا، قوامه الفكر المجتهد للبنية الاجتماعية المحدثة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0