سيل من المعلومات والافكار تنهال علينا عبر الاثير وعلى مواقع التواصل الاجتماعي ومن خلال الشبكة العنكبوتية، وبين التحديات والاستجابات، ثمة وقفة تأمل لللتقييم الصحيح لكل ما نراه ونسمعه مستفيدين من نعمة العقل التي وهبها الله –تعالى – للانسان، ويؤكد علماء الدين أن العقل "نور وهبه الله للانسان"، وبهذا النور بامكان أي انسان اكتشاف الحقائق والسنن في الحياة، والتمييز بين الصواب والخطأ، وبين الحق وبين الباطل.

وقد تحدث المفكرون في الغرب عن مسألة الاستجابة والتفاعل مع الافكار بعد مرحلة التحدي والمقاومة، في الحديث عن الصراع الحضاري بين الأمم، وبحثوا في هذه الظاهرة الانسانية، كما بحث الامر نفسه مفكرون اسلاميون ووصلوا الى الجذور الكامنة في النفس الانسانية التي تترك بصماتها على العقل وتوجهه نحو ما تميل اليه وتريد، فتشتهي وترغب بما تثيره الغرائز والنزعات الكامنة في هذه النفس، في حين أن العقل هو الذي يجب ان يهدي النفس الى الصحيح والحسن والكمال والحق، ويحذرها من الخطأ والقبح والمحال والباطل؛ سواءً على صعيد الحياة الفردية او الحياة الاجتماعية، ويذهب المفكرون الاسلاميون الى أ، هذا التوجه يعطي الثقة الكاملة للعقل في كشف الحقائق الغيبية خلافاً لتلك النظريات التي تحدد مهمة العقل بالشؤون المادية وتنتزع منه حق الحكم في الامور الغيبية، بخلاف ما يدعو اليه القرآن الكريم: {يتفكرون في خلق السموات والأرض...}.

بيد ان السؤال الذي يدور في خلد الكثير؛ كيف ينجح العقل في تقويم الافكار وقولبتها في أطر تساعده على تحقيق اهدافه واحتياجاته في الحياة؟

وقبل البحث عن الاجابة، يجدر بنا تثبيت ملاحظة عن معنى الفكرة او الافكار، بعد ان عرفنا دور العقل في اكتشاف الحقائق والاحكام الموجودة اساساً في الحياة.

المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي في كتابه "الفكر الاسلامي مواجهة حضارية" يعد الفكرة من افرازات "هواجس النفس البشرية، ولا تعدو ان تكون استعادة لمحفوظات او معلومات سابقة، ومن ثمّ، فهي من عمل النفس، فاذا كان حكم العقل يعني كشف الذات للواقع الخارجي كشفاً واضحاً وشاملاً وثابتاً، فان الفكرة ليس بالضرورة ان تكون دائماً بنفس المواصفات، فقد تكون كذلك او لا تكون، والسبب عن الفكرة من عمل النفس، وتكون خاضعة لإرادة الانسان فهي بحاجة الى الانضباط المنهجي حتى تكون صحيحة وصائبة"، وهنا إشارة واضحة من المرجع المدرسي الى دور العقل عند هذه النقطة المفصلية في وضع المنهج الصحيح لصياغة الافكار.

الحُب ومحاولات الوصول الى الحقائق؟

في معرض الإجابة عن السؤال الآنف الذكر عن كيفية الاستفادة من العقل في تقويم الافكار وتصويبها، يكفي إلقاء نظرة خاطفة على طريقة تفكير شريحة من الشباب، لنرَ بعد المسافة مع حقيقة العلم والمعرفة، رغم أن البعض منهم يخوض مسيرة التعليم ويعد نفسه اكثر إدراكاً للحقائق من غيره في المجتمع، والسبب في ذلك التقليل من اعتمادهم على العقل، واهتمامهم البالغ بالنفس، او "الحالة النفسية"، ومن افرازات هذه الحالة؛ الحب الذي تحوّل الى معيار للحكم على الاشياء إن كانت صحيحة أم خاطئة.

وكما يرشدنا القرآن الكريم الى أن في النفس جانبان؛ جانب التقوى، وهو جانب القوة المستندة على العلم والمعرفة، وجانب الفجور، وهو جانب الضعف والميوعة المستند على الأهواء والغرائز، وهو الذي يدفع الانسان للتأثر والاستسلام لمقتضيات الظروف، بينما المعرفة تعطي الانسان قوة كبيرة لإخضاع الظروف المحيطة به، والمنطق القرآني يعلمنا التبصّر بالحقائق واستشراف المستقبل، فالفجور الذي جاء في سورة الشمس، {ونفسٌ وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها}، للتحذير من منزلقات النفس الانسانية المؤدية الى ما لايتوقعه الكثير، فالبداية تكون من الحب، الذي يُعد مفردة محببة الى النفس، فضلاً عن كونه مفهوماً انسانياً مطلوباً في كثير من الاحيان، بيد أن الارتكاز على هذا الجانب النفسي يجعل صاحبه شديد التأثر بما يسمع ويرى، وسريع الانفعال، بما يؤدي ايضاً الى التطرف بكل اشكاله، وقد أكد العلماء أن الانسان اذا ما أحبّ شيئاً تأثر به بقدر حبه له، ووجب عليه أن يعطي تنازلات من ذاته إرضاءً له.

وثمة أمثلة عديدة عن خطورة الاعتماد على الحب، وكيف انها تغيّب العلم والمعرفة وحتى المنطق من تفكير الانسان، فمن الميول النفسية؛ حب الخلود والبقاء في الحياة، فاذا طغى هذا الحب يعني نسيان العلم بالموت، او حبّ السيطرة على الآخرين التي تصطدم دائماً بحقائق الواقع الاجتماعي والعلم بوجود من هم أكثر قوة.

ويشير المرجع المدرسي في كتابه الى "الغموض في التمييز بين الحب والمعرفة"، في مثاله؛ بان الانسان يحب ذاته فيخادع نفسه عن نقائصها، ويحاول ايجاد تبريرات لأخطائها حين ويريد إلقاء مسؤولية ما تصدر عنها على الآخرين، او حينما يحب المرء ابناءه يغمض عينيه عن كل ما فيهم من سيئات وزلات حتى يخال عنده بانها مجموعة حسنات.

فكلما استندنا الى العقل واستمددنا منه العلم والمعرفة بالواقع بآفاق المستقبل وكل ما يمثل الحقائق الثابتة والرصينة، كلما تمكنا من تقويم الفكرة القادمة من أي مصدر كان، والحكم على صحتها او سقمها بعيداً عن الاحكام العاطفية والانفعالية، وهو ما يضمن للانسان الخير والسلامة، وليس الخسران والندامة.

هذه الحقيقة يشير اليها القرآن الكريم في كشف دور "الأهواء" في تضليل الانسان في الحياة، بالمقابل يشير الى دور العقل والإرادة في صياغة الفكرة الصحيحة والمصير الذي يجب ان يكون عليه؛ {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه}، (سورة الكهف، 28)، فالهوى لاتكون مؤثرة في النفس إلا بإرادة الانسان {واتبع هواه}.

في آية أخرى يقول تعالى: {بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم}، (سورة الروم،29)، حيث تفصل الآية الكريمة بين العلم وبين اتباع الهوى ويجعلهما مختلفين، في غير آية كريمة، تأكيد وافر على تحكيم العقل والتفكّر لكشف الحقائق الكبرى في الوجود والحياة، ثم تفضيل الذين يعلمون على الذين لا يعلمون، والتحذير من مغبة الركون الى العواطف والميول النفسية غير المستقرة وغير المطمئنة التي يعبّر عنها القرآن الكريم بـ "الأهواء".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1