محمد الأديب

 

التخلف أزمة شائكة ومربكة، وتعريفاته عديدة، وجلها ينحو إلى الجانب السياسي والإقتصادي، وهو أوسع من ذلك، والإصلاح حلم (قديم جديد) يدفع – اليوم – الملايين للنزول إلى الشارع من أجل تحقيق دولة الإنسان والرفاه، وفي إطار التنظير في الإصلاح ومكافحة التخلف، فإن للإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي إضاءة مميزة، حيث يقول (أعلى الله درجاته): (من مقومات الإصلاح، القضاء على بيئة التخلف، فكما أن لكل مخلوق من المخلوقات بيئته الخاصة به، فإن للتخلف أيضاً بيئة خاصة به)، ويبين (قده) أن بيئة التخلف في بلاد المسلمين قد تشكلت منذ قرون، وذلك بعد إعراض معظمهم عن حديث الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله): (إني مخّلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي)، وهنا الإمام الشيرازي يسلط الضوء على التخلف من خلال صيغة تعريفية تتضمن تشخيصاً دقيقاً للتخلف وعوامل نشوئه وديمومته في بلاد المسلمين وسبل القضاء عليه والتخلص منه.

إن التخلف أس الأزمات، ومكافحته تعد أولوية لأية عملية إصلاح جادة، وإن التحرر من التخلف ليس حلاً مجهولا، ولا هو بعيد المنال، كما يصور البعض، وقد بين الإمام الشيرازي (أعلى الله مقامه) أن طريق التحرر من التخلف يبدأ بـ(الرجوع فكرا الى العترة الطاهرة، ولو شيئاً فشيئاً، بقدر ما يتمكن منه المجتمع، ثم يتسع ويتسع، وإرساء الوعي العام في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية وغيرها).

بموازاة ذلك، فإن الرجوع إلى الإسلام لا يمنع - أبداً - من مواكبة العصر والتماهي مع متطلباته المتجددة، فإن الإسلام هو الدين الخاتم، وهو الدين الصالح لكل زمان ومكان، وفيه من الأسس والقواعد ما يجعله قابلاً للتطبيق في مختلف الظروف والأمكنة، ويضمن سعادة البشرية وتطورها وازدهارها.

ولتحصين الإصلاح وتوطيده، لابد من التصدي للبدع والانحرافات والشبهات، وذلك من خلال تقديم الإجابات الواضحة، يقول الإمام الصادق: (علماء شيعتنا مرابطون بالثغر الذي يلي إبليس

وعفاريته، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا، وعن أن يتسلط عليهم إبليس وشيعته النواصب، ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف مرة، لأنه يدفع عن أديان محبينا وذلك يدفع عن أبدانهم).

وهكذا كان الفقيه السعيد والمفكر الإسلامي الكبير آية الله السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي (أعلى الله مقامه)، وفيه قال سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله): (كان مصداقاً باهراً للحديث الشريف: "المؤمن نفسه منه في تعب والناس منه في راحة"، فقد عاشه تطبيقاً وعملاً، في وقت ندر جدا مَنْ يعمل به).

منهجية الفقيه الشيرازي الراحل (قده) في الإصلاح إنطلقت من قناعة بأن بين الإسلام كـ(معطى ثقافي حضاري) وبين التخلف كـ(حالة اجتماعية)، علاقة تفاعلية، من التأثر والتأثير المتبادل بين الطرفين. فالإسلام يؤثر على المجتمع من حيث شيوع الأفكار والعلاقات والمظاهر والتعاليم والممارسات، في المقابل يؤثر المجتمع على الإسلام من حيث تطويع هذه الأفكار والتعاليم والممارسات إلى مستوى المجتمع وحاجاته وتاريخه وثقافته وقدراته على الفهم والإدراك والتمثيل.

وإن تأثير الإسلام على المجتمع ينطوي على رفع المجتمع إلى درجة أعلى في سلم الحضارة، انطلاقاً من إن الإسلام ينطوي على مشروع حضاري متقدم، وعلى هدف أعلى لهذا المشروع الحضاري قادر على استنهاض المجتمع وتحريك طاقاته، وهو ما قد تحقق في دولتي الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ووصيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ويمارس الإسلام هذا التأثير الإيجابي على حياة المجتمع من خلال مفهوم التغيير القرآني: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

وقد مارس الفقيه الشيرازي (قده) منهجية التغيير على محورين:

الأول: تقديم القدوة الصالحة (نفسه)، وقد تجسد ذلك من خلال وصيته إلى المؤمنين، وقد تضمنت وصفاً واقعياً لشخصه، يقول (قده): (من يريد رضوان الله لا يظلم أحداً، ولا يتكبر على أحد، بل يكون ولياً من أولياء الله الذين هم أكثر الناس عدلًا وزهدا ونفعاً، ويكون مع الناس وأكثرهم ورعاً، وأدّاهم للأمانة وأفضلهم إيثاراً). ويكمل (لنحاول بلوغ المراتب المعنوية العالية بالتوجه إلى الله (عز وجل)، وفعل المستحبات والمندوبات، وغوث الملهوفين والمحرومين، ومد يد العون للأيتام والأرامل والمرضى، وأدعوكم إلى أن تغفروا للآخرين وتتجاوزوا عنهم مثلما تحبون أن يغفر الله لكم).

الثاني: يقول (قده): (الإنسان - غالباً - في خضم المشاكل المؤلمة والقاسية، يفقد الأمل ويتحول إلى كائن يائس من أي احتمال للتغيير، في حين الإنسان المؤمن يمتلئ قلبه بالرجاء والأمل حتى عند تعرضه لأعتى الأزمات، وهناك أشخاص يتقوقعون على أنفسهم ولا يفكرون في تغيير المجتمع وإصلاحه، ولعل هؤلاء يشكلون الأكثرية من المجتمع, بينما هنالك أقلية تفكر في صناعة التغيير. من الممكن لأحد أن يتساءل: هل التغيير والإصلاح أمر ممكن وقريب المنال؟! والجواب: نعم، بإذن الله تعالى، وإن أدّل دليل على إمكان الشيء هو وقوعه في الخارج، فالمؤمنون الأفذاذ تحركوا من أجل التغيير في أشد الفترات التاريخية حرجًا وأحلكها ظلمة، وقد نجحوا في ذلك مرات ومرات. علينا أن نقاوم حالة افتقاد الأمل أو حالة العيش بلا هدف، فإن لدينا من الكنوز ما يفتقدها الآخرون).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0