لكل فاكهة ميعاد للقطاف، والأصحّ لكل زرع قطاف، والأبعد من ذلك، لكل فعل نتائج، ولكل نشاط ثِمار تنسجم معه تمام الانسجام، فإذا كان الزرع صحيحا والنبتة جيدة سيأتي القطاف جيداً، وحين نشرُعُ بزرع الديمقراطية، سيحلُّ علينا اليوم الذي سنقطفُ فيه ثمارها، ولكن كيف نزرع الديمقراطية، وما هو نوع التربة التي تتناغم معها، وما هي أدواتنا، وهل نحن نمتلك أساليب الزرع الديمقراطي السليم؟.

هذه الأسئلة وثمة سواها الكثير، تريدُ أجوبةً شافية كافية، فالفكر الديمقراطي يُعدّ الأفضل في ميدان السياسة والإدارة بأنواعها، تأتي أفضليته من الخيارات الواسعة التي يتيحها لمن يعتمدهُ منهجا في تسيير الحياة، أما كيف نزرعُ الديمقراطية، فثمة طرق وأساليب معتمدة في أفضل الديمقراطيات العالمية، ولكن قبل هذا وذاك، ما طبيعة التربة (البشرية) التي تستقبل هذا الزرع، وما هو مستوى العقول التي نبذر فيها المنهج الديمقراطي؟.

فالأمم لا تتساوى في وسائط العيش وأنماطها، ولا في درجة الجودة والارتقاء، والسبب هو منهج الحياة المتَّبع فيها، ونوعيته، ومدى اقترابه وابتعاده من الفكر الديمقراطي، ولا نخطئ إذا ما صُغنا معادلة الحياة كالتالي، اعتمادك منهجاً ديمقراطياً يساوي حياةً أفضل، لكنَّ قطبيّ هذه المعادلة قد لا يتوافران في أمة واحدة، فإذا كان العقل البشري غير مستعد لقبول (البذور الديمقراطية)، فإن طبيعة العيش وتفاصيل الحياة ستبقى في درجة الهامش.

ولكن عندما يستعد العقل لاستقبال المنهج الديمقراطي، فالأمر هنا مختلف، بالأخص عندما تكون وسائط غرس الديمقراطية حائزة على درجة عالية من الجودة، ونعني هنا بوسائط الغرس، نوع التثقيف على المنهج الديمقراطي، فإذا كان حائزا على علمية جيدة، وقائما على التوازن، ودارساً في منابع الديمقراطية الأفضل في العالم وناهلا منها، وآخذاً عنها مضامينها وأساليبها، فلا ريب أن القطاف سيكون مائزا وله قوة التأثير الكافية على نشر المنهج الديمقراطي وتنظيم الحياة في ضوئه.

إذاً نحن نقف بإزاء التثقيف الديمقراطي، ونفتش في نوعيته ومدى الفاعلية والتأثير، يُضاف إلى ذلك أ يُناسب التربة والوسط المستقبِل لبذور الديمقراطية، فكثير من العقول لا تمتلك قدرة على استقبال الجديد، وتعد ذلك غير ذي شأن، ولا يجدي أي نفع، فتضعه خلف ظهرها، وتبقى متمسكة بمنهجها القديم في الفكر والفعل.

فيُنصَح بأن يتواءم نوع التثقيف الديمقراطي مع المستوى الفكري والعلمي للعقل المستهدَف حتى لا يرفض الجديد الفكري القادم إليه، ولا فائدة قط من جهد تثقيفي يذهب هباءً، يحدث هذا الهباء حين يكون النوع التثقيفي مستغرَبا، ولا يتناغم مع مستوى العقل وعلميته، كأن يتطلّب مستوى أعلى، وعقلا متفتحاً على الجديد الفكري، بالأخص حين يكون العقل الجمعي غير مهيّأ وأن تربته ليست مستصلحة بما يكفي، فتذهب كل الجهود سدى.

يقول خبراء الديمقراطية، بأهمية التمهيد والتهيئة العقلية، قبل البدء بتطبيق المنهج الديمقراطي، لأن عراقيل كثيرة ستقف في وجه مثل هذه المشاريع التثقيفية، فيما يرى آخرون العكس، فيقولون علينا أن نبدأ بتطبيق الديمقراطية حتى لو تمخّض ذلك عن أخطاء جسيمة، فلا حرية ولا ديمقراطية تخلو من تضحيات، على أننا نرى أن كل من وجهتيّ النظر المذكورتين يحتمل شيئا من الصحة، وكلاهما وارد الحدوث، بيد أن الأفضل بحسب وجهات نظر وآراء أخرى، أن البداية والشروع بها هو النقطة الأهم، وقد تكون فاتحة لمتغيرات هائلة نحو القطاف الديمقراطي الأكثر جودة.

وفي بحثنا الاستدلالي عن الشروع بالمنهج الديمقراطي أو الكفّ عنه، نقول إذا لم يقم صنّاع الفكر الديمقراطي بتمهيد العقل الجمعي وتعبئته بهذا الفكر، فإن المساوئ الكبرى ستظهر أثناء التطبيق، فمن غير الممكن أن يتناغم العقل الجاهل مع التطبيق الديمقراطي، هنا سوف تكون الهفوات كبيرة ومؤسفة وقد تخذل محبّي ومؤيّدي الديمقراطية كما حدث في غضون العقد والنصف الماضي من تجريب الديمقراطية في العراق، سياسيا، إداريا وسوى ذلك من المجالات الأخرى.

ولكن ما تجب الإشارة إليه، هو ذلك الفارق والبون الشاسع بين الوسط الشعبي المثقف ديمقراطيا، وبين نقيضه، فالوسط الأول سيكون مستقبِلا جيدا فاعلا منتجاً لقطاف ديمقراطي مائز، والثاني سوف يكون رافضا لهذا المنهج ومقصيأً له، لأسباب كثيرة يقف في المقدمة منها، جهل العقل بفوائد الديمقراطية، وعد استعداده لاستقبال الجديد الفكري، وقد يذهب بعضهم أكثر الى تفضيل الأنظمة القامعة، حيث الاستعداد التام للاستعباد والخضوع المذِلّ للقمع الفردي الدكتاتوري، وهو أمر في غاية الغرابة، لدرجة أن البحث عن سبب ذلك سيكون كالحرث في الهواء.

ولو أننا قمنا بمقارنة الفارق بين العقل المهيّأ ديمقراطيا والمثقَّف بالمنهج الديمقراطي، وبين العقل الجمعي الآخر الذي يُقحَم عليه المنهج الديمقراطي إقحاماً، لرأينا أن درجة الاختلاف بينهما ستبدو واضحة وكبيرة، فالأول عقل محروث أو ممهَّد مسبقا، عقل مثقف بالفكر الديمقراطي، فيكون تعاطيه وتداخله وتفاعله واستجابته للديمقراطية كبيرة، وسوف ينعكس ذلك بصورة مباشرة على نوع الحياة وأنماطها، فتغدو متطورة متجددة منفتحة على آفاق واسعة، ينمو فيها التنوّع وتقل فيها حالات الانتهاك، ويعيش العقل الجمعي الممهد ديمقراطيا حياة هانئة ممتلئة.

على العكس من العقل الجمعي غير المثقف ديمقراطيا، فإنه وإن كانت ثمار الديمقراطية تتدلى بين يديه، لكنه يبقى عاجزا عن قطفها لسبب واضح وبسيط، وهو أنه لا يستطيع بعقله غير المثقف أن يرى تلك الثمار، لهذا سوف يعجز عن قطفها والاستفادة منها في تطوير وتغيير حياته، يبقى الأهم دائما أن نصنع معا حقولا عقلية جمعية، لها القدرة على استقبال المنهج الديمقراطي ليس الكمالي وإنما التطبيقي، لأن قطاف المنهج الديمقراطي لن يكون في متناول اليد، إذا لم يكن التثقيف النافر مستمراً، بديمومة غير قابلة للكف أو التوقّف.

ومع التثقيف الدائم، سوف تتزايد العقول المستقبلة لبذور المنهج الديمقراطي، ومن ثم بمرور الزمن، سوف نكون بإزاء جمع عقلي مجتمعي محبّ للديمقراطية ومتجاوب معها، وعندئذ سوف يكون ناتج القطاف الديمقراطي أمة واعية متفهّمة متنعمة بالعيش الرغيد، بعد أن أيقنت أن القطاف الديمقراطي الأجود لن يكون حاضرا مؤثرا وفاعلا، إذا لم يتقبّل العقل إشعاع التثقيف الديمقراطي من جهة، ومن جهة أخرى إذا لم يبادر القياديون بإعلان وتطبيق برنامج منظّم للتوعية الديمقراطية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1