بعشوائية وتعقيد يكاد يستعصي على الفهم بالنسبة للكثيرين ممن يرون في السياسة عالما من الوهم والاكاذيب، تتسارع وتيرة الاحداث في الشرق الاوسط، بين تصاعد للمواجهات في جبهات لم تحسم منذ سنوات، وفتح لجبهات جديدة، بعضها سياسي واخر عسكري محض، تدور مروحة الاحداث الشرق اوسطية فتسحق من لا يجيد فن الركض مرة، وتكسر قلب فاقدي الصبر الاستراتيجي في احيان اخرى.

الازمة السورية باعتبارها اخر فصول الربيع العربي كانت الاكثر مركزية لرسم خريطة الشرق الاوسط، وفق مقاسات امريكية_وخلفها حلفائها وخاصة الخليج واسرئيل. وعلى عكس ما بدأ الربيع السوري لم ينتهي مثلما اراد له الحلف الامريكي، فالرئيس الاسد بقى في منصبه والمعارضة سحقت الى غير رجعة، والحلف الايراني (محور المقاومة)، عزز مواقعه متجاوزا اقصى طموحاته، وانشأ معادلة جديدة جعلته رقما صعبا في لعبة السياسة بالمنطقة.

سوريا ورغم انها كانت وبقيت عصية على السقوط، الا ان سوريا ما قبل بداية الازمة تختلف عن سوريا ما بعدها، لم يبقى منها سوى الميدان، القوى الفاعلة تغيرت، وبصورة ادق تم تدويل سوريا ومعها ازمات الشرق الاوسط برمتها، وهنا بدأت حكاية الصراع الدولي الجديد بين القوى العظمي التي وجدت نفسها بعيدة عن تقاسم غنائم النفوذ واخرى تريد التوسع طالما لا يزال خصومها لا يجيدون فن اللعب على ايقاعات الشرق الاوسط.

هذه الايقاعات التي بدأت بطيئة جدا على شكل حرب استنزاف طويلة، خسرت فيها امريكا وحلفائها وفازت ايران وروسيا ومن وقف معهما، ولان الاستسلام ممنوع في هكذا ظروف وجودية لجميع الاطراف، تم تفعيل الخطة (ب)، التي تختلف جذريا عن سابقتها، انها تعتمد الايقاع السريع، ازمات تبدأ مفاجئة وتنتهي في غضون ايام، من اجل احداث اختراقات سريعة اعتمادا على خطط معدة مسبقا لهذا الغرض.

بقيت سوريا محور الصراع، لكن لا بأس بفتح جبهات سريعة، السعودية احتجزت رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، فاعلن منها استقالته، لانه يتعرض لتهديدات من ايران وحزب الله باغتياله، وهي اتهامات نفتها وزارة الداخلية في حكومته، وبين شد وجذب عاد الحريري الى بيروت بعد سفره الى باريس ثم القاهرة، والخطة بتجريد حزب الله من شرعيته قد فشلت، بقي الحزب متماسكا محافظا على جمهوره، حيث كانت الاستقالة تعول على ازمة سياسية تطيح بسمعة الحزب.

في اليمن التي غاب عنها الحسم، لما يقرب من ثلاث سنوات، شملتها سياسة الايقاع السريع، من خلال الازمات الخاطفة، خطة اماراتية سعودية محكمة للانقضاض على العاصمة اليمنية صنعاء من خلال الرئيس السابق والعدو للتحالف السعوي علي عبد الله صالح، وبعد مواجهات لم تتجاوز ستة ايام قتل علي عبد الله صالح على يد حلفائه الحوثيين الذي قالوا انهم كشفوا الخطة الاماراتية السعودية وبتنفيذ صالح. ورغم التغطية الاعلامية الواسعة من قبل دول التحالف الا ان الخطة اجهضت لا سيما مع وصول صواريخ الحوثيين الى قصر اليمامة حيث اجتمعت الحكومة السعودية وانقلبت الخطة التي ارادت الاطاحة بصنعاء لتتحول الى موجة من الادانات الفارغة في الامم المتحدة.

وفي المدة الزمنية القصيرة لهذه الازمات المتلاحقة ظهر معسكران جديدان الى السطح بشكل اكثر وضوحا، بعد اشهر من المباحثات، الاول هو ثلاثية روسيا_ايران_تركيا_ وما يجمعهما ايجاد حل للازمة السورية يضمن حفظ مصالحهم وايجاد تسوية بعيدة عن الضغوطات الدولية، وفي المقابل ظهر وبقوة معسكر امريكا_اسرائيل_السعودية_ هذا المعسكر لا تعجبه كل تحركات المعسكر الاول ويرى انه خسر الكثير في سوريا وما جرى في لبنان واليمن جاء لتعويض الخسارة في سوريا.

خطة استقالة الحريري واختراق صنعاء من خلال علي عبد الله صالح تبعها تنفيذ اهم ما في الاستراتيجية الامريكية، انه قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل، فالوقت مناسب جدا لان الاوضاع لم تحسم في سوريا بشكلها النهائي واليمن ارتبكت رغم شعور الحوثيون بالنصر ولبنان لم تداوي جروحها، كلها لكمات وجهت للحلف الروسي لتاتي لكمة الاعتراف بالقدس وتحقيق نصرا سياسيا كبيرا للادارة الامريكية وحلفائها، وهو نصر استراتيجية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى وقد يوازي هزيمتها (امريكا) في سوريا.

التعهد الامريكي بقلب موازين القوى في المنطقة لم ياتي من فراغ، والاستراتيجية المتبعة لدى ادارة ترامب مختلفة عن سلفه اوباما، ولو دققنا فيها كثيرا وبتتبع الاحداث يتضح انها لا ترى في الاستنزاف اي جدوى، تريد الحسم السريع، واذا ما تحقق النصر او حتى الهزيمة يتم الانتقال للمرحلة التالية، لان الانتظار سنوات مثلما هو الحال في سوريا يعقد الامور ويزيد من عدد الغاعلين وقد تفلت الامور خاصة حينما يتم تدويلها او حينما تمس اطرافا ترى في بعض القضايا تهديدا استراتيجيا لها، والحال ينطبق على تركيا التي انحازت لروسيا بعد شعورها بالتهديد الكردي المدعوم امريكيا وروسيا نفسها التي اقتنصت اللحظة المناسبة للتدخل في سوريا وايران التي تتخذ من الفصائل الشيعية المسلحة افضل اداة لفرض هيمنتها.

ان يتحول الصراع في الشرق الاوسط بين معسكر امريكي اسرائيلي سعودي واخر روسي ايراني تركي، يعني هذا ان هناك لاعبين يجب اخذهم في الاعتبار والا قد ينحازون لهذا اطرف او ذاك، اذ لا يمكن لاوربا ان تنظر للتغيرات السريعة في الشرق الاوسط دون ان تحرك ساكنا، وليس مستغربا ان تنحاز الدول الاوربية لصالح المعسكر الروسي، والسبب هو شعورها بالتهميش من قبل ادارة الرئيس الامريكي دونالد ترامب.

امريكا تربح جولة وتخسر اخرى في اطار التبارز ضد المعسكر الروسي في المنطقة، والحال ينطبق على الاخير، وهي استراتيجية اكثر فعالية من استراتيجية اوباما التي لم تربح فيها اي جولة فخسرت الكثير في المنطقة، لكن اوربا بدأت تخسر الكثير لانها مستبعدة من كل الحلول او تقاسم النفوذ الذي يفرضه الواقع النيداني، وهذا لا يمكن وفق منطق توزيع النفوذ في اكثر مناطق العالم تعقيدا واهمية لجميع اللاعبين الدوليين، ولهذا السبب وقفت اوربا كلها في مجلس الامن والامم المتحدة ضد قرار ترامب القاضي بالاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل. لانها تشعر بالتهديد من ترامب اكثر من خوفها من روسيا وحلفائها.

وبغض النظر عن الرابح والخاسر يبدو ان هناك مفاجآت تنتظر المنطقة، في اطار الاستراتيجية الجديدة القائمة على مبدأ الازمات الخاطفة او سياسة الايقاع السريع، ولا يمكن التنبؤ بمكان وزمان تلك الازمات لكن المؤكد ان عام ٢٠١٨ سيشهد الكثير من تلك الصدمات.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0