سلَبَ أخذه بالقوة أو الخداع أو الإكراه، ويستلب يضاعف في قوة الفعل ويصرّ عليه، والاستلاب الفكري يعني مسخ الفكر الذي يمثل هوية فكرية لمجموعة أو جماعة أو مجتمع، أما لماذا يقع فعل الاستلاب الفكري، فإن الهدف هو مسخهُ وإصابته بالهزال والضعف، لكي لا يستطيع مواجهة الفكر الآخر فيسهل إصابته بالعجز ومحو دوره وخصوصيته وملء فراغه بالفكر الآخر الدخيل.

من الناحية اللغوية وكما ورد في معجم المعاني الجامع، فإن تعريف ومعنى اِستِلاب: هو (اسم)، مصدر اِسْتَلَبَ، وحين يُقال حاوَلَ اسْتِلاَبَ أَمْوالِهِ، بمعنى اِخْتِلاَسَها، وحين يُقال، إنه يَعِيشُ حَياةَ اسْتِلابٍ، أي يعيش حَياةَ خُضُوعٍ واسْتِعْبادٍ بِفِعْلِ ظُرُوفٍ اجْتِماعِيَّةٍ، اقْتِصادِيَّةِ، أَوْ فِكْرِيَّةٍ، أَوْ سِياسِيَّةِ خَارِجَةٍ عَنْ إِرادَتِهِ.

فيما يرى بعض المفكرين، أن الاستلاب عبارة عن (وقوع الكائن العاقل، الذي يمتلك حيزاً من التفكير العادي، والمتفاعل مع محيطه بالضرورة، في موقع الأسر الكلّي، وشبه المطلق، لفكــرة ما، أو لمقدرة أكثر تأثيراً من مثيلاتها، بحيث تكون اللولب الجوهري الذي تدور في فلكه كلّ المسمّيات الأخرى، وبحيث تكون هذه المقدرة بمثابة الرأس الموجه، والذي يطلق العنان لأنفاسه التي تتلقفها ذوات أخرى ليست بنفس السوّية الفكرية، ولكنها بالضرورة متأثرة بما تتلقفه من المحيط الذي وقعت في أسره من كل الجوانب)-1-.

ويأتي الاستلاب على أنواع، منها الثقافي والاقتصادي وحتى الاجتماعي، وربما يكون الاستلاب الفكري هو القناة التي تمر من خلالها كل نوعيات الاستلاب الأخرى، وثمة (الاستلاب العقلي، الذي يقود بالضرورة إلى الاستلاب الفكري والثقافي، وبالتالي يفرض نهجه على تلك السلوكيات، والطبائع المرتبطة بتلك الذات المستلبة على كل المستويات، الاجتماعية، النفسية، الفكرية، الثقافية، والحياتية اليومية!)، وبهذا يصبح الإنسان مفرَّغا من فكره ذي الخاصية الذاتية، أو ما يُطلق عليه بعض المختصين بالهوية الفكرية.

ولا ريب أن التفكير ذو الطابع الخصوصي يشكل أهمية كبرى للكائن البشري، لأن ضياع الهوية الفكرية الذاتية تعني ببساطة ضياع الإنسان، (ومن شروط وجود الكائن العقلاني، الذي يمتلك الذات الحرّة، المستقلة، هو التفكير، وإنه من شروط الاستلاب الأساسية هو منع التفكير "الموضوعي، العقلاني، البنّاء، والخلاّق " ، لدى هذا العقل أو ذاك)، وهنا يحدث فعل الاستلاب بأبشع صوره ويترك آثاره على البشر لدرجة أن من يُصاب به، سوف يفقد قدرته على الاحتفاظ بفكره الخاص الذي نهله من بيئته وعمقه الفكري والثقافي، ومن الأمور المعلومة، أن الرحلة البشرية الطويلة والشاقة شهدت على مرّ العصور صوراً لاستلابات فكرية، عملت كالسيف القاطع في حياة الكثير من مجتمعات العالم وأممه، وغيرت مسارها التاريخي، والاقتصادي والسياسي، فحين يفتقد مجتمع ما إلى الفكر الذاتي الذي نشأ بنشوئه، فإن شخصيته الفكرية الجمعية تتعرض للتصفير شبه التام، ويغدو مستلَبا على نحو بائن.

الأسباب التي تقود مجتمع ما أو أمة الى هذا الحال، ليصبح ممسوخاً من الناحية الفكرية، هي أسباب عديدة، منها ما يدور بين الأمم من سباق مضطرد على التفوق الذي يأخذ مناحٍ عديدة، فالحروب التي قامت بها الإمبراطوريات العظمى على مر التاريخ أخذت شكل القوة العسكرية التي تهيمن من خلالها هذه الإمبراطوريات على سواها، ولكن مع استمرار الوجود البشري وتطور أشكال الهيمنة، ظهرت قوى أخرى للسيطرة على الآخر لا تلجأ الى استخدام القوة.

ومن هذه الأساليب الجديدة، الاستلاب الفكري، فهو مجرَّب وكفيل بإيقاف حركة الأمة وجعل عقلها الجمعي كفيفا، وغير قادر على إنتاج الفكر الذي يمكنه وضع حد للفكر المهاجم، لأسباب كثيرة، منها الفقر المادي والثقافي والعلمي، وحالة الإبهار التي يُصاب بها الأفراد المستلَبون، فضلا عن الشعور بالدونية إزاء الآخرين، ومثالنا اليوم هو نموذج الفكر الغربي الذي يسعى بكل ما أوتي من أساليب لإصابة العقل الجمعي الآخر بالضمور ومن ثم التوقف عن المواجهة الفكرية، وهي معركة وإن لم تكن بقوة السلاح، لكنها لا تقل ضراوة عن تلك الآثار التي تخلفها الحروب.

الشعور بالدونية إزاء الفكر الأقوى، يمثل أخطر الأسباب التي تدفع العقل الجمعي الأدنى على الاستسلام، فمجرد إصابة الشخصية بهذا النوع من الشعور، يجعله مستسلما للآخر بنحو كلّي، ويقع في أسره التام، وتبقى الهوية الفكرية الخاصة في حالة ضمور وانطفاء وعجز شبه تام على مواجهة الفكر الدخيل، ولعل أخطر ما في الشعور بالدونية، حين يتحول الى نمط جماعي، يصيب المجتمع كله، هنا يصير العقل الجمعي مشلولا بنحو تام، وبالتالي تندثر كل أسباب وعناصر المواجهة.

السؤال الذي جاء في صدر أو عنوان هذا المقال، من شأنه أن يبحث في الكيفية التي تخلّص العقل الجمعي من شرنقة الأسر التي يقع فيها، بفعل ما يُبَثّ من تيارات وأشكال فكرية يعتمدها الطامحون الى السيطرة على الأضعف والأقل خبرة، أما كيفية المواجهة بلوغا الى الخلاص من الاستلاب الفكري، فهو في الحقيقية عملية جماعية شاقة، تستدعي تخطيطا علميا دقيقا، يشمل الفكر الذاتي والثقافة والاقتصاد والسياسة والاجتماع والتعليم بمراحله كافة.

باختصار يحتاج مشروع التصدي للاستلاب الفكري، إعمال العقل العلمي المفكر والمخطط، ووضع إستراتيجية فكرية بعيدة المدى، على أن تشمل كل قطاعات الحياة الفاعلة في الأمة، فمثلا الثقافة يلزم أن تقوم على أسس ذاتية بحتة، تُستمَد من تاريخ الأمة الثقافي مع ملء جميع الثغرات التي يمكن أن تتسلل منها الثقافات الأخرى بقصد تدمير الثقافة الذاتية.

كذلك في مجال الاقتصاد والسياسة والتعليم والاجتماع، كل هذه المساحات الواسعة يلزم أن تؤثَّث بخرائط عمل تحدد سبل مواجهة الفكر الآخر، الذي يسعى لمسخ فكرنا ويستلب ذاتنا ويدمر خصوصيتنا، هذه الإستراتيجيات بعيدة المدى يجب أن تكون من صنع العقول القادرة على صياغة وإنجاح مثل هذه المشاريع الفكرية الثقافية العملاقة، وهي بالطبع كفيلة بمواجهة الاستلاب الفكري.

لكن الأمر يبقى مرهونا أيضا بطريقة تطبيق الإستراتيجيات الموضوعة، فلو كانت هذه الأفكار في قمة نضوجها، والتخطيط في أعلى مستوياته، ولم يتم التنفيذ في ضوء خرائط العمل الناجعة، فإن الفشل في مواجهة الاستلاب الفكري والتخلص منه هو النتيجة النهائية، وهذا التوقّع يضع على عاتق العقول المفكرة مسؤولية عملية مضافة الى مسؤولياتهم الفكرية، فالفكر المجرد وحده حتى لو كان مائزا مكتملا لن يكون قادرا على المواجهة إذا بقي مجرد كلمات مطبوعة على الورق.

طريقة إدارة المواجهة الفكرية، وتسويق الفكر الذاتي الجمعي، وتوافر اللوجستيات من وسائل توصيل وتمويل ودعم وإسناد الى آخر ما تتطلبه عمليات الترويج الفكري لمواجهة الفكر المهاجم، هو ما يجب وضعه بالتوازي مع وضع أفكار المواجهة، هنا سوف نحصد خطط وإستراتيجيات فكرية رصينة وفعالة، يُضاف لها تلك الخطوات التنفيذية الترويجية التي تجعل النجاح في مواجهة الاستلاب الفكري أمرا غير قابل للتوقّع، أي أننا سننجح تمام النجاح في مواجهة الفكر المضاد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هامش:
1- من مقال عن الاستلاب الفكري للكاتب عماد يوسف.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0