العقلُ ميزة الإنسان على الكائنات الأخرى، وهو الوسيط الصانع للقفزات العلمية المتحققة في عالم اليوم، عبر سلسلة من التطورات الهائلة والعصور المترابطة، حتى أخذ عالمنا شكله العلمي المتطور في هذا الزمن، وبديهي لم تنشأ هذه الصورة العلمية التطورية الهائلة في غمضة عين، ولكن جاءت بفعل عقلي تراكمي يمتد على عشرات القرون.

كيف انتهى عقل الإنسان إلى هذه المنجزات الكبيرة، لا شك أن في جعبة المراكز والمؤسسات العلمية فيض من الأنشطة التنظيمية على مدار الوقت، أبرزها سياقات تخص عمليات الاختبار العلمي والمفاضلة بين الأكاديميين والعلماء، وثمة من يتبنى تثبيت الحاجة القصوى للاختبار، هذا ما يؤكده قادة ومدراء المراكز والمؤسسات العلمية عن مدى حاجتنا العلمية للخوض الدوري المنظّم في غمار المفاضلات المختلفة، كونها حقول تدريب ومران وتدشين فعلي يكشف خبابا المواهب والمؤهلات، فيدخل معنى الاختبار في المفاضلة بين السمات الفردية للأشخاص وطاقاتهم المكتنزة موروثاً أو اكتسابا، ولعل المعين الأول الذي لا ينضب في تنشئة العقل العلمي المنتج، يكمن في الجهد التدريسي التطويري في المراحل الدراسية خصوصا الجامعية منها.

كيف يتم تنمية العقل؟، لا يمكن أن تحدث تنمية فكري إلا بوسائل محدّثة، والحاجة إلى العقل العلمي النافر لن تتوقف عند حد، فالسعي الحثيث لتربية العقل العلمي مرتبته الأولى في الاهتمام، وهذا التوجّه يبيّن أن الاختبار العلمي له اشتراطات لا يمكننا إلا الأخذ بها واعتمادها علميا وعمليا، من أهمها نبذ السياق التلقيني في التعليم والاختبار معاً، فلا فائدة في علم يتم توصيله للوسط المستهدّف بوساطة التلقين، ولا جدوى من اختبار يصبح سياقا روتينيا أو نوع إسقاط الفرض لا أكثر، ذلك أن التلقين يقتل المواهب ويدمّر العقول ويشلّ الأدمغة، أما الاختبار السياقي أو التلقيني، فهو لا يختلف كثيرا عن أسلوب التلقين العلمي، إنه لا يتدخل في تطوير العقل، ولا شأن له في ذلك، وما نحتاج إليه هي الصيغ التعليمية المختلفة تمام الاختلاف عمّا سبق من سياقات بقيَتْ عاجزة عن تشكيل قفزة في صناعة العقل العلمي.

فالتلقين التدريسي، والاختبار النمطي، لن يكونا قادرين على تنمية العقل المفكر، ولا يمكن لهما الإسهام في هذا المنجز، لأنهما يلتقيان في الجمود، فلا إبداع ولا أي هامش للابتكار في الاختبار التلقيني، ونحن على أبوب الخروج من سنة علمية كاملة شدّت الرحال الى غير رجعة، ونقف على أعتاب سنة جديدة تشرع أبوابها، وما على المؤسسات العلمية الجامعية وما يتبع لها من مراكز ومنظمات، وما على مؤسسات الدولة العلمية أيضا، إلا دراسة ما تم تقديمه في السنة التي ودعتنا، فعلينا أن نعرف أخطاءنا فيها، ونعني كوادر المؤسسات العلمية والمدراء والعاملين فيها، والأهم في ذلك معالجة التهمة التي يوصم بها هذا الكادر التعليمي أو ذاك، بخصوص فرض طرائق وأساليب التعليم التلقيني وإقصاء فرص التفكير العلمي الحر أو الإبداعي المدعوم بالابتكار، فالمهمة الكبيرة التي باتت بانتظار المشتغلين في ميادين العلم وتطوير العقول، هي التخلص من آفة يُطلَق عليها (آفة التلقين) المعتادة في المراحل الدراسة حتى الجامعية منها.

وها أننا بإزاء سنة جديدة في رحلة دراسية تعليمية طويلة، ألم يحن الوقت لنفكر بتنمية العقل وتخليصه من سياقه التلقيني الراكد، خصوصاً أننا على مشارف سنة جديدة، وتركنا وراءنا سنة علمية تخللتها أنشطة مراكز ومؤسسات علمية مختلفة، ولكن شابتها وتسللت إليها أخطاء علمية إدارية مزدوجة، أثّرت بشكل أو آخر على النتائج المرتجاة، وقبل الكلام عن الخلل في الرؤية والسياق، آثرنا الإشارة إلى الهفوات العلمية الإدارية المزدوجة التي حدثت في تجربة السنة الماضية، وهذه الشوائب ليس من باب الانتقاص بقدر ما هي دعوة للتحديث، وهيَ:

- قلة منشآت التعليم بنسبة عالية، بما لا ينسجم ولا يتناسب مع الحاجة المكانية إليها.

- غياب وسائل الإيضاح وعدم توفير الغطاء المالي الذي يؤمّن اقتنائها والاستفادة العلمية الفعلية منها.

- غياب أو تردّي أوضاع المختبرات العلمية بمختلف أنوعها ومهامها، كما يشير الواقع العلمي التعليمي بشقّيه الأهلي والحكومي، لكن علينا الاعتراف بأن التعليم الأهلي بدأ يحقق تطورا متنامياً.

- عدم الاهتمام بتطوير الكادر التعليمي، وإلغاء فرصة الإطلاع على أساليب التعليم العالمي خصوصا في الدول المتطورة.

- تحوّل بعض المراكز العلمية من سياقات الإبداع والابتكار باتجاه السياق الروتيني أو سياسة (إسقاط الفرض) من أجل الحصول على التمويل المالي الروتيني لا أكثر.

- عدم مشاركة المراكز والمنظمات العلمية (إلا ما ندر) في رفد صانع القرار بالمقترحات والرؤية السليمة والقرار المناسب والصحيح في المجالات المختلفة.

- اضمحلال دور المؤسسة الجامعية في دعم صانع القرار الإداري الاقتصادي السياسي، ما يستوجب التنبّه إلى ذلك على الفور.

هذه رؤية نقدية للعملية التعليمية تطمح إلى إحداث قفزة في حال التركيز على سد الفراغ، ومعالجة الأخطاء وحالات الزلل في أعلاه، تظهر الحاجة كبيرة الى إيجاد سياسة علمية تنبذ الأساليب التقليدية في التعليم، وتمنح للاختبار مكانة علمية لا مجال لتركها، ليكون الناتج كادر مستحدَث من العناصر الطلابية المدرّبة حديثا، مدعومة بمؤهلات وراثية اكتسابية تقوم على قواعد الإبداع وإكبار التجديد، عبر الاختبار العلمي الذي لا يُسمَح بإهماله أو التخلي عنه الى أساليب أخرى، كما يدعو إلى ذلك أصحاب أصوات دخيلة، ليس لها من العلم حصة أو حصيلة، فحاجتنا للاختبار العلمي لا حدود لها.

إن التجديد في أساليب التعليم لا يعني التهديم وإنما التصحيح مدعوما بالتحديث، كما أن التحجج بانتشار الأسلوب التلقيني على سواه، لا يجب أن يكون مبررا لإلغاء الاختبار العلمي، أو تغييره نحو الأردأ، فيستوجب بقاء الاختبار كحلقة مهمة في الكشف عن الكفاءات والمواهب النادرة، مع أحقيّة تطوير هذا الأسلوب العلمي التعليمي إلى درجة أو مستوى يجعله بقامة التحديات، وليكن جديرا بالتطلعات نحو تصميم صرح علمي يمنح دولتنا ومجتمعنا تأشيرة دخول للعالم المتصدِّر علميا، ويصطف إلى جانب أرقى الأساليب التعليمية التي ارتقت بالعقول المنتمية لها نحو أرقى الدرجات.

وفي ختام الكلام، نحن بلاد نهض فيها العلم سباته، فيُجدَر بالمعنيين النظر إلى تنمية العقل، وصناعة الفكر العلمي المحدث بعين علمية إبداعية تنزع الى التجديد، وتهفو الى التطوير العالمي حتى تصبح بلادنا جزءا لا يتجزأ من ذلك العالم الذي يعيش اليوم في المقدمة، وعينه ترنو إلى الأعالي دائما، يحدث هذا بوساطة العلم ومراكز البحوث والدراسات، والمنظمات العلمية المنخرطة في ضمن المؤسسة العلمية الجامعية، أو تحت حياض الجهد الحكومي، ولا يفرق بث النشاط العلمي الصحيح هنا أو هناك، في هذا المكان أو ذاك، فالمهم أن يكون ميدان الاختبار نازعا نحو البراعة، ذاهبا إلى التفرد، باحثا عن الأندر والأدق، مانحا الدارس والمتعلم ما يكفي من مساحات التحرّك العلمي الحر، واهباً إياه فرصاً جدية يستحقها، تجعلهُ ينال نصيبه المستحَق في مجال يساعد بقوة على تنمية العقل المفكر.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2