جولة جديدة ربحها الامير الشاب محمد بن سلمان في ظل الصراع الداخلي المحتدم الذي يسعى من خلاله الى اقصاء باقي الخصوم من ال سعود، من اجل اكمال مخطط تسلم مقاليد الحكم في السعودية، فبالرغم من صغر سنة استطاع هذا الامير الشاب وبحسب بعض المصادر، أن يلفت إليه أنظار العالم الدولي والعربي بعد جملة من القرارات والاوامر الملكية التي أصدرها الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود وأعفى خلالها كبار الشخصيات في المسرح السعودي وعين آخرين بدلاً عنهم كان منهم محمد بن سلمان الذي اصبح اليوم الرجل الاول في ادارة المملكة.

الجولة المهمة التي ربحاها ولي العهد كانت تحت عنوان حملة مكافحة الفساد السعودية، التي انطلقت بتاريخ الـ 4 من نوفمبر، بعد ان امر الملك سلمان بتشكيل لجنة يرأسها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لمكافحة الفساد، والتي استطاع من خلالها احتجاز العديد من الامراء والشخصيات المهمة من منافسي آل السديري، الذين رضخوا بشكل مؤقت لإرادة وقرارات الملك المرتقب فصمت النخب السعودية بحسب بعض المراقبين له حدوده، وحتى لو لم يبد حتى الآن ما يشي بانفجار داخلي، فإن منافسي محمد بن سلمان أُهينوا وحط من قدرهم وهُزت مصداقيتهم، ولكنهم لم يُحيّدوا تماما، بمعنى أنهم ما زالوا قادرين على فعل شيء ما.

وشن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان حملة اعتقالات طالت أكثر من 200 من الأمراء والوزراء السعوديين وكبار رجال الأعمال في إطار حملة مكافحة الفساد. وقال بن سلمان في تصريحات سابقة إن الغالبية العظمى من حوالي 200 من رجال الأعمال والمسؤولين الخاضعين لتحقيق واسع في الفساد يوافقون على تسويات يسلمون بموجبها أصولاً إلى الحكومة.

وأضاف نكشف لهم ما لدينا من ملفات، وبمجرد أن يروها يوافق حوالي 95 في المئة على تسوية وهو ما يعني التوقيع على التنازل عن مبالغ نقدية أو أسهم في شركات للخزانة العامة. واكدت بعض المصادر ان ولي العهد استطاع ان يجمع ما يقرب من100 مليار دولار في الفترة القليلة الماضة، وللمقارنة فإن ميزانية المملكة العربية السعودية العسكرية بأكملها في العام 2017 في حدود 51 مليار دولار.

اجراءات سريعة

رسالة مقتضبة .. كانت هذه أول إشارة تنذر بأن هناك حدثا جللا وشيكا سيقع. فقد تم إبلاغ نزلاء فندق ريتز كارلتون الرياض بهذا الاعتذار: ”بسبب حجز مفاجئ من السلطات المحلية يتطلب رفع مستوى الإجراءات الأمنية لن نتمكن من استضافة نزلاء... لحين استئناف العمليات الطبيعية“. وكانت حملة التطهير قد بدأت بالفعل. فخلال ساعات جمعت قوات الأمن العشرات من مجتمع الصفوة في عالم السياسة والأعمال في المملكة العربية السعودية أغلبهم في العاصمة ومدينة جدة الساحلية. ومن بين من اعتقلوا 11 أميرا إضافة إلى وزراء ورجال أعمال أثرياء.

بعض هؤلاء تلقوا دعوة لحضور اجتماعات حيث احتجزوا خلالها في حين قبض على آخرين في منازلهم ونقلوا جوا للرياض أو إلى فندق ريتز الذي تحول لمركز احتجاز مؤقت. وقال مصدر مطلع إن المحتجزين سمح لهم بإجراء اتصال هاتفي واحد مقتضب بمنازلهم. وأضاف ”لم يسمح لهم بتلقي اتصالات هاتفية وبقوا تحت حراسة أمنية مشددة. لم يتمكن أحد من الدخول أو الخروج... من الواضح أنه تم الاستعداد جيدا لذلك“. وأمر ولي العهد الأمير محمد بن سلمان (32 عاما) بتنفيذ الحملة. وعلى الرغم من أنه رسميا لا يزال وليا لعهد والده الملك سلمان فهو يحكم فعليا البلاد في الوقت الراهن وقال إنه يعتزم تحويل المملكة إلى دولة حديثة.

ومن أجل تحقيق هذا الهدف، وفي محاولة لتعزيز سلطاته، قرر تطهير مجتمع الصفوة في البلاد وبينهم أفراد من الأسرة الملكية وسط اتهامات بتلقي رشى والمبالغة في تكلفة المشروعات. وبات الاستقرار السياسي في أكبر دولة منتجة للنفط في العالم على المحك. وتعتمد قدرة ولي العهد على الحكم دون تحد لسلطته على نجاح حملة التطهير.

ويعتقد ولي العهد أنه إذا لم يتم إحداث تغييرات في البلاد فإن الاقتصاد سينزلق إلى أزمة قد تثير اضطرابات تهدد الأسرة الملكية وتضعف موقف السعودية في صراعها الإقليمي مع إيران. قال المصدر المطلع على الأحداث إن الأمير محمد قرر اتخاذ إجراءات ضد أفراد من الأسرة عندما أدرك أن هناك من أقاربه من يعارض تنصيبه ملكا أكثر مما كان يظن. وأضاف المصدر ”كان مضمون الرسالة أن على المترددين في تأييدهم أن يحذروا ... الفكرة كلها وراء حملة مكافحة الفساد كانت تستهدف العائلة. أما الباقون فكانوا لتزيين الموقف“.

وقال بعض المراقبين إن التوترات ظهرت جلية في لقاءات الأسرة الحاكمة خلال الصيف. وقال مصدر مطلع إن الأمير محمد بن سلمان كان يعرف أن بعض الأمراء أصحاب النفوذ ومنهم متعب مستاءين من صعوده. وقال الأمير محمد صراحة في مقابلات إنه سيحقق في الفساد بالمملكة وإنه لن يتردد في ملاحقة أي مسؤولين كبار. وكانت الأداة لتحقيق ذلك لجنة لمكافحة الفساد شكلها الملك سلمان وأعلن عنها في الرابع من نوفمبر تشرين الثاني. ووضع العاهل السعودي ولي العهد على رأس اللجنة لمنحه مزيدا من النفوذ بجانب قائمة الصلاحيات العديدة التي حظي بها خلال الأعوام الثلاثة الماضية.

وبإعلان الحرب على الفساد يجمع ولي العهد بين قضية شعبية وإزاحة عقبة أمام صعوده إلى العرش. وعُين الأمير محمد وزيرا للدفاع في 2015 عندما أصبح الملك سلمان عاهلا للبلاد وفي يونيو حزيران اختاره الملك وليا للعهد بعد تنحية ابن عمه الأكبر محمد بن نايف القائد المخضرم لجهاز الأمن. وقبلت الأسرة الحاكمة ذلك وبحلول سبتمبر أيلول شن ولي العهد الجديد حملة على مفكرين ورجال دين يعارضونه ووضعوا في السجن. وتستهدف عمليات الاحتجاز الأخيرة مساعدته في دفع الإصلاحات التي تؤذن بأكبر تحول منذ عهد الملك عبد العزيز مؤسس الدولة السعودية الحالية في الثلاثينيات من القرن الماضي.

من جانب اخر أعلن النائب العام السعودي سعود المعجب ان غالبية الموقوفين في الحملة ضد الفساد وافقوا على تسوية أوضاعهم مؤكدا ان عدد الموقوفين يبلغ 159 شخصا. واضاف المعجب في بيان نقلته وكالة الانباء الرسمية ان "معظم من تمت مواجهتهم بتهم الفساد المنسوبة إليهم وافقوا على التسوية، ويجري الآن استكمال الإجراءات اللازمة بهذا الشأن". واكد ان عدد الأشخاص الذين استدعتهم اللجنة العليا لمكافحة الفساد "بلغ 320 شخصاً، حيث تم استدعاء أشخاص اضافيين بناءً على المعلومات التي أدلى بها الموقوفون".

واشار المعجب ان اللجنة "احالت عددا منهم للنيابة العامة، وبهذا أصبح عدد الموقوفين 159 شخصاً". واكد ان النيابة العامة قامت ب"دراسة ملفات من أحيلوا إليها (...) وقررت التحفظ على عدد محدود منهم وأفرجت عن البقية". وتابع ان "عدد المحجوز على حساباتهم البنكية يبلغ 376 شخصاً من الموقوفين أو الأشخاص ذوي الصلة". واوضح البيان نقلا عن النائب العام ان "الجهات المعنية ستستمر بمراعاة عدم تأثر أو انقطاع أي أنشطة متعلقة بأصول وأموال الموقوفين أو الحقوق المتعلقة بها لأطراف أخرى، لاسيما الشركات والمؤسسات". واكد "اتخاذ ما يلزم لحماية المؤسسات والشركات المملوكة كلياً أو جزئياً لأي من الموقوفين".

مليار دولار ثمن الحرية

الى جانب ذلك أفاد مسؤول سعودي بإطلاق سراح الأمير متعب بن عبد الله بعد التوصل إلى ”اتفاق تسوية مقبول“ مع السلطات يقضي بدفع أكثر من مليار دولار. والأمير متعب (65 عاما) ابن الملك الراحل عبد الله والرئيس السابق للحرس الوطني وكان من بين عشرات من أفراد الأسرة الحاكمة والوزراء والمسؤولين الحاليين والسابقين الذين تحتجزهم السلطات في إطار حملة على الفساد تستهدف في جانب منها توطيد سلطة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

وقال المسؤول المشارك في الحملة على الفساد إنه تم إطلاق سراح الأمير متعب بعد التوصل إلى ”اتفاق تسوية مقبول“. وأضاف أنه لم يتم الكشف عن مبلغ التسوية ولكن من المعتقد أنه يعادل أكثر من مليار دولار أمريكي. وتابع ”من المعلوم أن التسوية شملت الإقرار بالفساد الذي يشمل حالات معروفة“. وذكر مسؤول سعودي أن الأمير متعب كان متهما بالاختلاس وتعيين موظفين وهميين ومنح عقود لشركاته بما في ذلك صفقة بقيمة عشرة مليارات دولار لشراء أجهزة لاسلكي وسترات عسكرية واقية من الرصاص..

وتتضمن المزاعم الموجهة للآخرين دفع رشا وتضخيم قيمة تعاقدات حكومية والابتزاز. ولم يتسن التحقق من المزاعم بشكل مستقل. وتعمل السلطات السعودية في سبيل التوصل لاتفاقات مع بعض المحتجزين وتطلب منهم تسليم أصول ودفع نقود مقابل إطلاق سراحهم. ووردت أنباء حملة التطهير في الرابع من نوفمبر تشرين الثاني بعد وقت قصير من إصدار الملك السعودي سلمان مرسوما بتشكيل لجنة لمكافحة الفساد برئاسة ولي العهد الأمير محمد ابنه المفضل الذي زادت سلطاته منذ صعوده الصاروخي في دوائر السلطة بالمملكة. ومنحت اللجنة الجديدة سلطات واسعة للتحقيق في قضايا وإصدار مذكرات اعتقال وقرارات منع من السفر وتجميد أرصدة.

وإلى جانب الأمير متعب قال المسؤول السعودي إن ثلاثة أشخاص آخرين على الأقل تشير المزاعم إلى تورطهم في قضايا فساد أبرموا أيضا اتفاقات تسوية مع السلطات. وتابع أن النائب العام قرر أيضا الإفراج عن عدد من الأفراد ومقاضاة ما لا يقل عن خمسة أفراد. ولم يذكر المسؤول أي تفاصيل عن شخصياتهم. ولم تكشف السلطات السعودية عن تفاصيل الاتهامات الموجهة لأي محتجز. كما لم يتضح إن كان الأمير متعب قادرا على التحرك بحرية أو ما إذا كان قد وضع رهن الإقامة الجبرية في المنزل.

ولم يتسن على الفور التواصل مع مكتب الأمير متعب للتعقيب على إطلاق سراحه. وقال أحد معارف الأسرة الحاكمة في وقت سابق عبر حسابه على موقع تويتر إن الأمير متعب يستقبل أشقاءه وأبناءه في قصره بالرياض. وجاء احتجاز أمراء ورجال أعمال كبار بعد نحو ثلاثة أعوام من تنامي سلطات الأمير محمد، واعتبره البعض خطوة استباقية من جانب ولي العهد للتخلص من شخصيات قوية لتعزيز سلطاته. وأعادت الحملة إلى الأذهان انقلاب القصر في يونيو حزيران عندما أطاح الأمير محمد بابن عمه الأكبر سنا الأمير محمد بن نايف من منصب ولي العهد ووزير الداخلية ورئيس مجلس الشؤون السياسية والأمنية في المملكة. وفي سبتمبر أيلول سجن الأمير محمد شخصيات معارضة من رجال الدين والمثقفين.

وشملت حملة التطهير 11 أميرا وأربعة وزراء حاليين وعشرات الوزراء والمسؤولين السابقين ورجال أعمال كبار من بينهم المستثمر الملياردير الوليد بن طلال الذي يملك أسهما في شركات عالمية مثل سيتي جروب وتويتر. ويقبع المحتجزون في فندق ريتز كارلتون ذي الخمس نجوم في الرياض. لكن الكثير من المراقبين يعتقدون أن الهدف الرئيسي من التطهير هو الأمير متعب الذي كان رئيسا للحرس الوطني وقوامه مئة ألف فرد لأنه كان يمثل آخر مركز كبير للقوة بعد الإطاحة بولي العهد السابق الأمير محمد بن نايف. بحسب رويترز.

وبشن حملة لمكافحة الفساد يكون الأمير محمد بن سلمان قد جمع بين مطلب شعبي والتخلص ربما من آخر عقبات تقف بينه وبين تولي العرش. وكان يعتقد في يوم من الأيام أن الأمير متعب، خريج أكاديمية ساندهيرست العسكرية، منافسا قويا على العرش بصفته الابن المفضل للملك الراحل عبد الله. وقبل الإطاحة به بموجب مرسوم ملكي في الرابع من نوفمبر تشرين الثاني كان الأمير متعب رئيسا للحرس الوطني وهو أحد مراكز القوى التي تضرب بجذورها في القبائل السعودية وتولى والده رئاستها لخمسة عقود. وكان الأمير متعب آخر أفراد فرع شمر في الأسرة الحاكمة الذي يحتل منصبا بارزا في قمة هيكل السلطة في المملكة بعد إعفاء شقيقيه مشعل وتركي من منصبي أميري منطقتين في السعودية عام 2015.

حماية المبلغين

في السياق ذاته ذكرت وسائل إعلام سعودية أن مجلس الشورى بالمملكة يدرس مقترحات لحماية المبلغين عن الفساد المالي والإداري، في إطار حملة الحكومة المناهضة للفساد. وقال مجلس الشورى في حسابه على تويتر إنه وافق ”على ملاءمة دراسة مقترح مشروع نظام حماية المبلغين عن الفساد المالي والإداري“. وذكرت جريدة الرياض أن المجلس وافق على دراسة مقترحين بهذا الصدد يشتملان أيضا على حماية الشهود الذين يبلغون عن مخالفات كالجرائم المالية.

وكان النائب العام الشيخ سعود المعجب قد قال في بيان إن السلطات استجوبت 208 أشخاص في تحقيق فساد. وقال ”بناء على تحقيقاتنا على مدى الأعوام الثلاثة الماضية نقدر أن 100 مليار دولار على الأقل أسيء استخدامها من خلال فساد واختلاس ممنهج على مدى عقود“. وأضاف أن حكومة السعودية تحت قيادة الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان تعمل داخل إطار قانوني ومؤسساتي حفظا على الشفافية وسلامة السوق. بحسب رويترز.

وامتد التحقيق إلى الإمارات التي طلب بنكها المركزي من البنوك التجارية والشركات المالية بالبلاد تقديم تفاصيل عن حسابات 19 سعوديا موقوفين في إطار الحملة على الفساد. وقال محافظ البنك المركزي الإماراتي إن الطلب الموجه للبنوك التجارية المحلية والشركات المالية يهدف لجمع المعلومات.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0