من أخطر القضايا التي ترتبط بموضوع الحكم على حدث ما، على أنه حق أم باطل، هي استخدام مقاييس غير دقيقة للفصل في ذلك، ومن ثم استغلال هذه المقاييس واستخدام شتى الأساليب لإخفاء الحقيقة، أو خلطها بالباطل، من أجل تمويه الآخرين وخداعهم وغشهم والتغرير بهم، بخاصة أولئك الذين لا نضج لهم ولا حصانة أخلاقية لديهم.

ومع أن معرفة الحق من الباطل ليست معقدة على ذوي الألباب، فإن مصطلحي الحق والباطل، غالباً ما يختلفان في المضمون من مكان إلى آخر، ومن زمان إلى زمان، ومن شخص إلى شخص أيضاً. على سبيل المثال يسمّي قسمٌ من الناس موضوع رغباته وطموحاته حقاً وصواباً ينبغي الدفاع عنه، وموضوع كراهيته ونفوره باطلاً وشراً، يتعين محاربته وفضحه. على هذا الأساس يتم تبرير كافة الأفعال والأعمال، التي من ضمنها التدخل بشؤون الآخرين، ذلك بالتستر بشعارات الدفاع عن النفس، وعن الحق.

بمعنى أن مقياس الحق يصبح عندهم هو تلك الأداة التي تحقق مصالحهم ومنافعهم. ومن المؤسف أننا نجد كثير من الأفراد والجماعات يسلكون سلوك التابع الذليل لأولئك الذين يقلبون الحقائق، خوفاً منهم أو رغبة للمحافظة على مصالحهم ووجودهم. كل ذلك يحدث لأن هناك من يستخدم ويعتمد على مقاييس غير دقيقة للحكم على حدث ما أو واقعة معينة، من حيث كونها حقاً أم باطلاً، ومن هذه المقاييس، نذكر ما جاء في نهج البلاغة للإمام علي عليه السلام:

1.لا يمكن التعرف على الحق والباطل اعتمادا ًعلى طبيعة أنصارهما وسلوكهما، وإنما العكس من ذلك، فإنه بعد الاهتداء إلى معالم الحق والباطل، يمكننا الحكم على اتباعهما، كما يذكر ذلك أمير المؤمنين في القصار من كلماته: "إنك لم تعرف الحق فتعرف أهله، ولم تعرف الباطل فتعرف مَن اتاه".

2. إن مقياس الحكم على قضية ما سواء كانت حقا ً أم باطلا ً، لا يحكمها عدد اتباعها، إذ أن أنصار طريق الحق والهدى غالبا ً ما يكونون أقل عددا ً من أتباع الباطل، كما يوضح ذلك الإمام في النهي عن الاعوجاج: "أيها الناس! لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله"، هذا يعني أن تجميع أكبر عدد من الجماعات الذليلة الضعيفة نحو توجه معين، واستثمار حالات الكراهية والخوف والخجل لديهم، والاستئثار بعواطفهم، لا يعني بالضرورة أنهم على حق وصواب.

3. إن الحق والباطل، لا يحكمهما ثقل كل منهما على النفس، وما يُشق عليها من جهد، فالحق، غالبا ً ما يكون ثقيل، تكرهه النفس، أما الباطل فخفيف ترتاح النفس له، كما يقول أمير المؤمنين في القصار من كلماته "إن الحق ثقيل مريء، وإن الباطل خفيف وبيء". مريء: أي هنيء حميد العاقبة. والحق وإن ثقل إلا أنه حميد العاقبة. والباطل وإن حق فهو وبيء وخيم العاقبة.

وفي هذا المجال يؤكد الإمام أيضا ً على أن أفضل الناس عند الله هو مَن انتهج طريق الحق وإن كلفه جهدا ً، فهو أحب إليه من سلوك طريق الضلال وإن جلب له مغنما ً: "إن أفضل الناس عند الله من كان العمل بالحق إليه، وإن نقصه وكرثه، من الباطل وإن جرّ إليه فائدة وزاده ". كرثه: اشتد وصعب إليه.

وأمام هذا الواقع الذي نراه ماثلاً أمامنا في زمننا الحالي، نجد أصحاب الحق الفعليين مشتتة قلوبهم، مختلفة نفوسهم، غلب عليهم الصمت، متخاذلين، تاركين الدفاع عن الحق ونصرته، والنتيجة هي تمكين الظلمة وأصحاب الظلالة من التحكم والاستقواء والاعتداء على كل من يخالفهم ويقف في طريقهم. لذلك ينبغي أن تكون الروح صلبة عند أصحاب الحق القائم على العقل والعدالة التي تتوافق مع التشريعات الإلهية، ورفض الاستجابة للأشرار بالخوف والخضوع لهم. وأخيراً لابد من التأكيد أنه لا يكفي إحراز الحقيقة والتعرف عليها فقط، إنما المهم الدفاع عنها أيضاً.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0