إذا كانت الموضوعية هي أمّ الإشكاليات التي أرّقت العلوم الاجتماعية منذ بدأت هذه الأخيرة تعي مسؤوليتها تجاه الحقيقة والأثر السّيئ الذي يحدثه التحيّز في مجال إحرازها وتحققها، فماذا سيكون عليه وضع الإعلام الذي باتت وظيفته الأساسية هو التفكير المستمر في الهروب من مدرسة الموضوعية؟

هنا وجب أن يجري كل هذا الزيف في مجال الميديا باسم نقيضه، فالإعلام يقدّم نفسه بوصفه صناعة للحقيقة الموضوعية بينما وظيفته التي استأثر بها مذ بات في خدمة الزّيف هو كيف يراوغ إلى حدّ تصبح فيه المديا هي قبلة الحقيقة بحيث لا أحد يستطيع أن يكذّب ما يقدمه الإعلام للوهلة الأولى وفي الوقت نفسه يكون متآمرا على الحقيقة؟ داخل هذه الثورة الإعلامية كل التطور الذي تخدع له التكوينات الخاصة هو كيف تقدّم مضمون الخبر بالشكل الذي يتكيّف مع تقنيات الإقناع الأداتي للوسائط. هنا انزاح معنى الموضوعية ليصبح هو موضوعية الأدوات التقنية المستعملة، أي أنّ الزّيف هنا يعاد إنتاجه وفق قوالب تقنية لا يملك المتلقّي إلا الاذعان لها باعتبار أنّ التقنية لا تكذب.

لا نؤاخذ الإعلام على أنّه غير قادر على إحراز الموضوعية غير أنّ حديثنا هنا عن ادعاء الموضوعية في مجال يأبى الموضوعية ويمتنع عليها. ومع ذلك وفي حقل الدراسات الإنسانية نعتبر أنّ الحديث عن الموضوعية بهذه الصّورة اللاّموضوعية يجعلنا أمام إشكالية حقيقية، ومطلب مستحيل التحقق نظرا لأنّ الموضوعية كما يتم الحديث عنها هي أمر وهمي.

ذلك لأنّ الواقع نفسه لا يمثل أمام الفاهمة كما هو بل ثمة مسافة بين الواقع والفاهمة يدخل فيها الخيال والصورة بالشكل الذي يجعل الموضوعية أمرا مستبعدا. ومن هنا فإنّ القيمة المعرفية للذاتية هي التي تجعلنا نقف أمام ما أسمّيه الشّكل الوحيد والممكن للموضوعية ألا وهو الذاتية. ومن هذا المنطلق فإنّ ما يستحق أن ننعته بالموضوعية/الذّاتية تستطيع أن تكون منتجة فقط وفقط حينما تعلن عن نفسها وعن حقيقتها لكي تعمل في ضوء الرقابة الجماعية للمتلقّي نفسه. هذا هو الشكل الممكن الذي يجعل الذاتية تبدو خلاّقة وهي تعمل كذاتية موضوعية معلنة وليس مخاتلة.

مشكلة الإعلام تكمن هنا في أنّ هذه الوسائط لا تعلن عن ذاتيتها، ولا تجيب بالموضوعية الممكنة عن هويتها وعن سؤال: من نحن؟ لأنّ هذا الكشف الأوّلي عن تموضع الذات هو الذي يسهّل عملية الاستفادة من الذاتية لصالح الموضوعية الممكنة. وهكذا نجد من المناسبة القول أنّ الموضوعية ليست مقابل الذّاتية بل هي إظهار الواقع كما هو، ومن هنا فإظهار هوية وحدود الذاتية باعتبارها واقعا هو فعل موضوعي يجب أن يجري في نوع من الشّفافية. والحال أنّ الوسائط تقدّم نفسها باعتبارها وسائط موضوعية تفدّم مادة خبرية وتحليلية مستقلة أي أنّها تمارس الصحافة المجردة وليس شيئا آخر. تبدأ المغالطة من هنا حين يتحدّث تلفزيون الجزيرة مثلا عن الرأي والرأي الآخر، بينما وخلافا لمغالطة الاختزال قد يكون الرأي الآخر ليس واحدا بل متعددا، رأي ثالث ورابع وخامس وهلم جرّا، لماذا اللجوء إلى مغالطة الحصر العقلي ولماذا لا يكون برنامج الاتجاه المعاكس مثلا جماعيا وليس ثنائيّا يعزّز مغالطة الحصر العقلي؟ لا يوجد في هذه المغالطة موضوعية بل يوجد رأي المهيمن على البرنامج الذي يتجلّى في ذلك الانتقاء المنهجي الذي لا يعرفه الجمهور المتلقّي، أي ما هي المعايير التي تتبع في انتقاء الضيوف وما هو الموضوع والسياق، ومن هو المقبول وغير المقبول، وما هي الظروف التي تتحكّم في هذا الانتقاء المدبّر حيث لا يوجد اعتباط العمل الميديولوجي؟

الصورة التي تستهلك اليوم عن مفهوم الموضوعية تضاعف إشكاليتها ، بينما يقدّمها التبسيط الفكري على أنّها ممكنة بالمعنى الذي يجعلها النقيض المعرفي للذّاتية وهو أمر نقضناه في مجال إبستيمولوجيا جدل الفكر والواقع ونعتبر جريانه في المجال الإعلامي هو استمرار للمغالطة نفسها. وهنا كان لا بدّ أن نسأل أمام كل وسيلة إعلام: من وراءها؟ ولعلّه من المغالطات التي صادفتها مرارا في مجال المعضلة الميديولوجيا حينما يقول إعلامي من وسيلة إعلامية موصولة بأجندات نعرفها جدّا بأنّ الوسيلة الإعلامية الأخرى هي تابعة لجهة ما أو تخدم أجندة ما. تكمن المغالطة في أنهم يعتقدون أنّهم على شيء من الاستقلال بينما فقط الآخرون يخدمون أجندات. ولكن المشكلة هنا ليس في أنّ هذا الإعلام يعمل لصالح أجندة ما بل السؤال الصحيح: ما هي هذه الأجندات؟ وهل قدّم هذا الإعلام أو ذاك صورة شفّافة عن نفسه بوصفه يناصر قضية ما؟ والصراع هو حول من يكون أكثر إقناعا للمتلقّي أي هو صراع على الرأي العام.

نحن إذن أمام مصالح متناقضة واتجاهات مختلفة، يجب التمييز بين محطة إعلامية يكون مصدر تمويلها من أباطرة الإمبريالية والرجعية وبين محطة إعلامية تعتمد على التبرعات التي يقدّمها متطوعون من داخل الشّعب أو ممن ربطوا مصالحهم مع الشعب؟ هنا يتواطأ الرأي العام مع المموّل فيجعل معيار القيمة والجودة هو في تقنية الصورة وجودة البثّ وليس جودة المضمون وحقيقة الخبر، لأن جودة التّقنية هو في حقيقة الأمر أمر مرهون بالاستثمار في المقاولة الإعلامية.

مجال الإعلام هو أكثر المجالات التي تتضخم فيه مزاعم الموضوعية، وهو في الوقت ذاته أكثر المجالات التي يتهدّم فيها الواقع وتندكّ فيها الموضوعية.. هنا في مزارع الميديا تصنع وجوه مزيّفة موصولة بأجندات تقتضي وجود عبيد من داخل هذه المزارع، عبيد قابلين بكل أنواع الاشتراط وخصوم لواقع يرون أنه لم ينصفهم فهم في حالة شعور بالانتقام مفتوح على مصراعيه في وجه الحقيقة والذّوق والوجدان. ففي العادة تقتضي المؤامرة على الموضوعية نفسها استعمال تقنيات استقطاب أهل الرداءة باعتبارهم أكبر القابلين بشروط النّذالة.

هذه التقنيات في استقطاب الضعفاء تستند إلى إثارة الأعماق السحيقة لعقدة حقارة، أي أنها تستند إلى تقنيات إثارة الذّوات غير السّوية والتي من مصلحتها تعدّي الموضوعية. هنا تبدو الميديا مقتنعة عمليّا بأنها تخاطب رأي عام غير سويّ ومريض، وهي تسعى من جهة أخرى إلى تعزيز هذا الواقع المرضي بأساليب التربية المستدامة التي تقدمها الميديا للجمهور ليبقى وفيّا للاسواء التّلقّي.

وبالفعل فإنّ ما يسمى بمهنة المتاعب وهي كذلك من وجه لكنها من وجه آخر هي مهنة تنتج متاعب للرأي العام وتشوش على الوعي، هي بالفعل مهنة تنتج المتاعب لمستهلكيها حينما تصبح ميديا في خدمة الزّيف، تماما كسيف قاطع مكّنت منه مجرم، نعم، حتى المجرم يمكن أن يتحدّث عن ضمير مهني: القتل بلا رحمة. من جهة أخرى لا يمكن أن نتصوّر إعلاما متقدّما من حيث النّزاهة في بيئة عربية تعاني من كلذ دواعي الضّحالة.

ففي بيئة تعامي فيها السياسة والثقافة والمجتمع والاقتصاد من التدهور كيف يمكن أن يكون الإعلام نزيها، هذا في حين يجب التنبيه إلى أنّ تقدّم الإعلام وفق المعايير المتداولة للجودة لا يعني الموضوعية(المستحيلة) ولا النّزاهة بل يعني تطور تقنية البثّ وجودة الصورة والهارمونيا التي تحوّل النكبات إلى لوحة رومانسية أو تخلط الأوراق كما يفعل الرّسام حين يخلط بين المتناقضات. محاولة لإعادة تشكيل الواقع وفق صورة ما تقتضيها مصالح وقوى تواصل حربها على صعيد الاقتصاد السياسي.

يتّضح هذا الأمر بشكل جليّ حينما ندرس تجربة قناة معيّنة مع الحقيقة، أو برنامج محدّد وكيف يدير الخبر والمعلومة والنّقاش. وفي المنطقة العربية لدينا أمثلة كثيرة من قنوات وجدت لتكون طرفا في حروب قذرة، يظهر كيف أنّ مادّة الآدرينالين تفيض على المذيع أو مدير البرنامج بالدرجة نفسها بين أطروحة ونقيضها بحسب التغيير الذي تعرفها جيوبوليتيكا المنطقة.

يتساءل أي متلقي من قبيلة الرأي العام بطيبة وشعبوية: هل يتعلّق الأمر بتزوير مظاهر الغضب نفسها؟ هل إنّ الميديا وصلت حدّا تجعل بعض الإعلاميين الذين يؤدّون كلذ الأدوار يخضعون مشاعرهم لتلوّن الموقف؟ وهل يا ترى هناك علاقة عضوية بين الإعلام والمسرح؟ الإعلام الذي يخاطب الغريزة ويحدث التباسا في الدّماغ ويجعل الرأي العام يقيس الواقع على صراع الديكة في ستوديوهات مجهّزة للفرجة بواسطة تقاذف الأحكام والاتهامات وتربية الذّوق العام على الانحطاط وتبلّد الأحاسيس وقتل الثّقافة والاستهتار بالمعنى لصالح التنازع، هذا الإعلام هو إعلام إثارة وليس إعلام موضوعية.

في لحظات الجدّ يخرج الإعلامي الوظيفي من تمسرحه الموضوعي فينخرط مباشرة في الحرب الإعلامية، وهذا أمر رصدناه في الواقع حيث ساهمت الحرب وحرارتها في أن أسقطت قناع الزّيف الموضوعي من وجوههم فكنّا أمام حالات كثيرة تعزّر أكذوبة الموضوعية، لأنّ هذه الأخيرة إن كانت هي كذلك بالفعل فعليها أن تستمر في الحرب كما في السّلم.

إنّ الذّاتية موجودة وإن توارت خلف تقنيات العرض والاستعراض، وهي تحتاج إلى سياق مختلف لكي تكسر أساليب الخداع التي تحيط بها نفسها. وقلنا أنّ الذّاتية خلافا لما هو رائج في مجال العلوم الانسانية ليست نقيضا للموضوعية، بل للذاتية قيمتها المعرفية، بل الموضوعية هي كيفية تدبير العلاقة الخلاّقة بين واقع موضوعي ينوء بالذاتيات.

ولكن المشكلة أو المغالطة تبدأ حين نتحدّث عن الموضوعية بوصفها موجودة وممكنة ونقيضة للذاتية. ليست الموضوعية هي نكران الذّات بل أحيانا الذّات تنمو بأخلاقيات المهنة والقدرة على إغناء الواقع لصالح تقاسم سعيد للمعلومة والحقيقة، إنّ الذّاتية تساهم في صناعة الحقيقة وإنعاشها حين تكتسب الشجاعة من أجل المعرفة، وهذا هو الشكل الموضوعي الذي يجعل الحقيقة تظهر في إطار من الموضوعية/الذاتية وليس مغالطة الموضوعية المجرّدة التي هي أمّ الأوهام في مجال المعرفة.

في القادم: مغالطة المغالطة

* إدريس هاني -مفكر مغربي

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0