وسائل الاعلام لسان قادة الحرب وبالون الكشف عن نوايا خصومهم، كما هو الحال حينما تصبح لسان رجال السلام المنقرضين اصلا، سلاح ردع واداة ابتزاز، ذخيرته معلوماتية وقوته بشدة الانتقاء والتصويب، سواتره الامامية شعارات كبرى معبئة بالموضوعية والحياد وحقيقته سكين تمزق كبد الحقيقة لتقدم لنا بضاعة ميتة.

الاعلام صناعة وتجارة، وهو يمثل علاقة بين منتج ومستهلك، انها في المحصلة النهائية علاقة بين نخبة تنتج وعامة الناس التي تشرب العسل والسم معا، بين دول كبرى لها وسائل اعلام اكبر منها ودول فقيرة تجيد فن الاستيراد والاستنساخ لكل بضاعة غربية مغلفة بطريقة جيدة.

لا يختلف حال صناعة الاخبار عن الصناعات الثقيلة والخفيفة، فالمواد الاولية مصدرها الدول الفقيرة ومصانعها في الدول المتقدمة، طريق طويل تسلكه من اجل اعادة تدوير المواد الاولية واعادة استخدامها في الاماكن التي جاءت منها، تكمن مناجم الاخبار (الاحداث)، في الشرق الاوسط والبلدان الفقيرة وتبنى مصانعها في البلدان الكبرى، الحروب والازمات المزمنة تمثل (منظمة اوبك الاعلام)، ووكالات الانباء الكبرى والفضائيات الدولية تناغم جنرال موتورز وتويوياتا ولوكهيد مارتن.

لا وجود لوسائل اعلامية محلية قادرة على انتاج بضاعة معلوماتية قابلة للبيع، حتى وان كانت مقرات المؤسسات الاعلامية تبنى وسط بئر من الازمات والحروب (المادة الخام للأخبار)، اننا لا نجيد فن التصنيع، هي ميزة غربية بامتياز، اما نحن فمهمتنا استيراد ما يصنعون من الطائرات وحتى عيدان الثقاب، وشراء المعلومات ليس استثناء من القاعدة.

ما يختلف بالصناعة الاعلامية عن غيرها من الصناعات (ذات الهوية الغربية) انها قابلة للتلف بسرعة، ومن الصعوبة بيعها عبر تجار التجزئة، يجب ان تصل للمستهلك (الجمهور)، بشكل مباشر، ومنذ البداية فكر منتجوها بإنشاء طرق سريعة للتوصيل، فكانت الفضائيات والاذاعات اسرع الطرق، اختصرت الزمان والمكان، واحتكرت صناعة المعلومات وادت الى خسارة كبرى للمنتج المحلي الذي لم يتعود العيش في بيئة تنافسية.

بعض الفضائيات المحلية استسلمت للأمر الواقع فحولت مؤسساتها من منتج للمعلومات الى تاجر لها، تستورد وتبيع وتمارس دور تاجر التجزئة، لعلها تشعر بالوجود والمنافسة مع تجار محليين فقراء لغويا في عصر تعدد اللغات، عملهم لا يتعدى نسخ الاخبار الاجنبية المعربة ولصقها مع حذف بعض المصطلحات لتبدو منتجا محليا حلال على الجمهور مشاهدته وتداوله.

توافر الاخبار والمقالات المترجمة في نشرات الاخبار، تعني التفوق والتفرد في قاموس الاعلام المحلي، انها ماركات عالمية لأخبار محلية، منتجات يصعب الاعتراض عليها كونها خاضعة للمعايير المهنية وقواعد العمل الصحفي، عناوينها تصيب المترجم بالنشوة والانجاز ينقلها مسرعا وكانه يقدم هدية لمدير التحرير فتنشر فورا لتأكد رأيا مسبقا تتبناه القناة الفضائية او تفند واقعة بما يعطي رداً معارضا لتوجهات خصومها.

نعرف جيدا ان الاعلام الغربي انطوائي يحب ذاته فقط حتى وان ادعى غير ذلك، لا يهمه من الاخبار الا ما يدر عليه الكثير من المال اولاً، ولان المال مرتبط بكسب اكبر عدد من الجمهور تهتم وسائل الاعلام الغربية بالموضوعات المحلية واذا كانت عالمية في مناطق بعيدة عن ارض الوطن يتم طلائها ببعض الافكار لتبدوا ذات صبغة محلية يجب على الجمهور اعطاء الاهتمام لها.

ومن هنا تحتاج عملية ترجمة المقالات والتقارير من وسائل الاعلام الاجنبية امرا في غاية الخطورة، لان المترجم او الصحفي سوف يكون امام حقيقتين مهمتين قد تحطم كل ما يعمل من اجله، تتمثل الاولى بإمكانية ترويجه لأفكار تتعارض من القيم الاجتماعية السائدة، وهذا وارد في ظل القدرة الهائلة لوسائل الاعلام الغربية على دس المصطلحات بين ثنايا الاخبار، والثانية قد يقع في نشر معلومات غير مهمة بالنسبة للجمهور العراقي لان تلك الاخبار انتجت من اجل ارضاء جمهور غربي تحاكي اهتماماته ومخاوفه من تطورات، فهي حتى وان كانت تتعلق بالشرق الاوسط او العراق، الا انها انتجت لمحاكات اهتمامات الجمهور الاجنبي واهتماماته التي وبكل تأكيد تختلف عن اهتمامات الجمهور العراقي.

ركض البعض وراء التمييز عن طريق استيراد المنتج الاعلامي الاجنبي فوقع في فخ ابهار الماركات العالمية وعناوينها البراقة ليجد نفسه بائعا لبضاعة تالفة غير صالحة للاستخدام، لا جديد فيها في عصر لا يصلح فيه الا الجديد، مقالات لا تضيف شيئا بل معلوماتها منتجة لجمهور محلي في الغرب، تحتوي على معرفة عامة عن الاحداث الجارية في الشرق الاوسط من اجل تحقيق نوع بسيط من الفهم لدى الجمهور الغربي الذي لا تهمه سوى مصالحه الخاصة.

في المقالات المترجمة نجد بعض الفضائيات والمواقع الاخبارية تجلب لنا معلومات قلما نجدها مفيدة، وهي في اغلب الاحيان لا تخضع للتدقيق والفحص، فقد تعلمنا في الاعلام انها هناك وسائل الاعلامية تخاطب الجمهور المحلي واخرى تخاطب الجمهور الاجنبي، وما تقوم به وسائل الاعلامي العراقية هو جلب الرسالة الموجهة للجمهور الغربي والتي تحاول فيها وسائل الاعلام الغربي تحقيق بعض الغايات حسب تطلعات جمهورها، اما جمهورنا العراقي فغاياته تختلف وما يهم الجمهور الامريكي ليس بالضرورة ان يكون مهما للجمهور العراقي.

الترجمة الاعلامية مهمة جدا لتطوير واقع الاعلام العربي وسد النقص المعلوماتي بسبب تأخرنا في الصناعة الاعلامية، لكن ذلك لا يعني تحول الصحفي المحلي الى تاجر تجزئة لا يعرف من بضاعته الا الشكل الخارجي. اننا بحاجة الى مراجعة شاملة لأساليب الانتاج الاعلامي العربي لعلنا نستطيع صعود سكة الحضارة من جديد.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0