الشرق الاوسط بالنسبة لإيران هو ساحة لإثبات الذات القومية ذات الصبغة الدينية، وكسب الاعتراف الدولي بها كنظام سياسي قائم بذاته، وهو ميدان للانطلاق نحو تحقيق طموحات بعيدة المدى تصل عن طريقها الى فرض شروطها على اللاعبين الدوليين. واليوم تحققت الكثير من الطموحات وباتت ايران قوة اقليمية، ولم يعد نظامها ثوريا يطمح لتحقيق مكاسب انية انما اندمجت في النظام الدولي القائم، وهي تتوسع وتمارس دورها بشكل لافت، وخاصة في السنوات الاخيرة، في وضع يوحي بوجود قيادات سياسية تفكر وتخطط بطريقة استراتيجية.

السياسة الايرانية رغم ما يشاع عنها من انغلاق تحكمه الأيدلوجيا الدينية، لكنها في الواقع تعد من اكثر دول الشرق الاوسط براغماتية، فهي لا تمانع من ان تكون صديقة لأعدائها اذا ما تم تحسين شروط العلاقة معهم، واذا ما كانت العلاقات الجديدة تصب في صالح الاستراتيجية الايرانية التي تطمح اليوم ليس العودة والاندماج في المجتمع الدولي وحسب، بل فرض شروطها على اللاعبين الاقليميين والدوليين.

اثبات الذات القومية لا يتحقق بالتقوقع نحو الداخل فأعلنت طهران تصدير الثورة، لكنها واجهت حربا استمرت ثمان سنوات مع النظام العراقي في ثمانينيات القرن الماضي، لكن دمار الحرب القى الضوء على اهمية تعزيز القدرات الصناعية المحلية عسكريا ومدنيا بعد تقاعس الخارج عن مساعدة "الجمهورية الاسلامية الايرانية" فاعتمدت القدرات المحلية لتطوير قدراتها العسكرية، وبعد ان كانت بعض المشاريع مجرد احلام لنظام ثوري حلقت صواريخها (محلية الصنع)، فوق الاراضي العراقية منطلقة من مدينة كرمنشاه عابرة الحدود لتضرب اعداءها في سوريا ولا يُستَبعَد ان تضرب مرة اخرى في دولة غير سوريا.

الجبهة الداخلية كانت الهم الاكبر للقيادة الايرانية كونها المحرك الاساسي لتثبيت دعائم حكمها الجديد، ونجحت في تاسيس قوة كبرى من المتطوعين للدفاع عن الثورة الاسلامية، تسمى بالباسيج، وهي قوات شبه عسكرية تتكون من متطوعين من المدنيين ذكور وإناث، أسس بأمر من القائد السابق للثورة الإسلامية روح الله الخميني في نوفمبر 1979م. وتضم المنظمة الأصلية المدنيين المتطوعين وتتألف القوة غالبا من الشباب الإيرانيين. وحاليا الباسيج دعامة اساسية للنظام ويقدّم مختلف الخدمات التطوعية بمثابة القوة المساعدة وتشارك في أنشطة مثل الأمن الداخلي وتوفير الخدمات الاجتماعية، وتنظيم الاحتفالات الدينية العامة. تتبع الباسيج الحرس الثوري الإيراني الذي يتبع بدوره إلى سلطة المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران.

الشرق الاوسط المعقد بكل تفاصيله، يصعب فك رموزه بطريقة واحد، وهذا يدعو لاعتماد السياسة البراغماتية مهما كانت الأيدلوجيا التي تحكم النظام القائم، فجدران الشرق الاوسط لا يمكن تحطيمها بفأس ويد واحدة، وانطلاقا من هذا الواقع استثمرت ايران في تأسيس حركات مسلحة ودعم حركات سياسية حتى وان كانت شديدة الاختلاف الايدلوجي معها (والمثال حركة حماس في فلسطين)، في الوقت الذي اسست لجماعات مسلحة تدين بالولاء الكامل لها (كما هو الحال في لبنان والعراق)، وعن طريق هذين المسارين وضعت الاسس الرصينة للتحرك الخارجي.

وعلى ضوء هذه المعطيات مارست ايران "سياسة ملئ الفراغ"، في الدول المعرضة للتفكك والانهيار وخاصة الدول المجاورة لها، لأسباب تتعلق بمنع تمدد الفوضى للداخل الايراني، فضلا عن الاستفادة من هذه الظروف المضطربة من اجل تحسين شروط اللعبة السياسية لصالحها، خاصة اذا ما كان الخصم بمستوى الولايات المتحدة الامريكية او المملكة العربية السعودية، لان فرص الانقضاض عليه قد لا تتكرر.

ومن حسن حظ الايرانيين ان خصومهم لا يقدرون قوتهم وسقف طموحاتهم لذلك استطاعوا (الايرانيون)، ان يملؤوا الفراغ في العراق بعد سقوط نظام حزب البعث عام 2003 فهي اول من اعترف بالحكومة العراقية، رغم علاقة هذه الحكومة مع الولايات المتحدة، ودعمت الاحزاب الموالية لها بكل ما اوتيت من قوة من اجل وصولها للحكم، كما اسهمت في تأسيس بعض الفصائل المسلحة التي تدين بالولاء الكامل لها، وجاءت مرحلة الانسحاب الامريكي عام 2011 لتمثل نقطة انطلاق لها.

وبعد هذا السجال السياسي والعسكري على الارض جاء الاعتراف الامريكي بقوة ايران على شكل صفقة الاتفاق النووي، ورفع الحصار عنها، وبعد ان كان التفكير داخل البيت الابيض يدور حول امكانية ضرب العمق الايراني، تثير التحركات العسكرية الايرانية اليوم المخاوف من سحب البساط من تحت الولايات المتحدة في العراق، كما فعلتها عندما ارغمت خصمها السعودي بالانسحاب من لبنان وورطته في حرب استنزاف في اليمن.

وتعترف الولايات المتحدة صراحة بهذه الوقائع وتقر بصعوبة التغلب على ايران في الشرق الاوسط، إذ أكد مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية مايك بومبيو أن إيران موجودة في كل مكان في الشرق الأوسط، وأن نفوذها الذي وصفه بالهائل يفوق بكثير ما كان عليه قبل سبع سنوات. وفي حوار مع شبكة "أم أس أن بي سي" قال بومبيو في هذا الشأن :"سواء نظرنا إلى تأثيرها على الحكومة في بغداد، أو القوة المتزايدة لحزب الله ولبنان وعملها مع الحوثيين والشيعة العراقيين الذين يقاتلون على الحدود في سوريا، وبالتأكيد القوات الشيعية المنخرطة في القتال في سوريا.. إيران في كل مكان في الشرق الأوسط".

لم تعتاد ايران على التحرك في الاجواء الامنة، والبيئات السياسية المستقرة, وكل المكاسب التي حصلت عليها كانت بسبب استثمارها في الازمات السياسية للشرق الاوسط من لبنان الى العراق وسوريا مرورا باليمن، ومع دخول الازمة الخليجية شهرها الثاني وتأكيد القيادة القطرية على ان مجلس التعاون الخليجي اصبح ملغيا بحكم الواقع، يبدو ان ايران هيئت الادوات اللازمة لتمارس لعبتها المعهودة، وسوف تقوم بملئ الفراغ السعودي، واتضح ذلك من بداية الازمة عندما قدمت الدعم بالمنتجات الزراعية لقطر. ويدعم هذا التصور ان قطر سوف تبحث عن حلفاء جدد في حال اعلان الطلاق الخليجي الدائم. وايران تحمل كل مواصفات الحليف القطري المطلوب عاجلا ام اجلا.

واذا ما تطورت العلاقات بشكل افضل بين طهران والدوحة وهو ما يتوقع فعلا، فان ايران قد تحكم قبضتها على السعودية وتوفر لها مساحة جديدة للتحرك، وفي حينها قد تتمنى الرياض عودة الهلال الشيعي بدلا من هذه الدائرة الايرانية الخانقة، التي لا تنفع معها صواريخ توماهوك ولا صفقات الاسلحة الكبرى، فالسلاح المتطور عديم الفائدة اذا لم يكن خلفه عقول تفكر بمصلحة بلدانها لا بإرضاء انفعالات قياداتها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0