لم تنتهي الازمة الخليجية القطرية حتى الان رغم ان البعض توقع لها عمرا قصيرا او كما يقال "عاصفة في فنجان"، فرغم الحراك الدبلوماسي على مختلف المستويات وفي اغلب الدول الغربية والاقليمية؛ لا تزال الازمة تراوح مكانها، بل وتتشعب وتتجذر اكثر فاكثر، وفي هذا الوضع برز دور الاعلام لكلا الفريقين بشكل واضح حتى انه اصبح ينافس دور الدبلوماسية، ويسهم في ممارسة الضغط على الخصم.

دول الحصار وعلى رأسها السعودية والامارات اعتمدت اسلوب التحالف الاعلامي الواسع، تجسيدا لتحالفها السياسي، مع هجوم شامل على مختلف المستويات، فيما اعتمدت قطر على قناة الجزيرة والمنصات الاعلامية الاخرى على شبكة الانترنت، وهي تعول على خبرتها الواسعة في مجال المواجهة الاعلامية في البيئات المتأزمة، التي اكتسبتها قناة الجزيرة تحديدا منذ حرب افغانستان والعراق، واحداث الربيع العربي وربما لا تنتهي مع فناء بالأزمة الحالية.

اساليب المعالجة

1- بشكل عام اعتمد وسائل الاعلام التابعة للطرفية على تعبة الكراهية ضد الخصم كأحد اهم الاساليب الدعائية من اجل شيطنه وابراز مساوئه، وحشدت كل طاقاتها الاعلامية من اجل تحقيق هذا الهدف.

2- اعتمد وسائل الاعلام السعودية الاماراتية على تبني الخطاب الرسمي فقط، والاكتفاء بالتصريحات التي يدلي فيها المسؤولون في القيادات السياسية العليا، مع اضافات بسيطة في مجال المعالجة الاعلامية. اما قطر فقد اعتمدت على اسلوب الصناعة الاعلامية الاحترافية متبنية مرتكزات الدعاية والحرب النفسية عن طريق الايحاء وخلق نوع من التوافق بين المادة الاعلامية الحصرية وتوظيف التكنلوجيا الباعثة على الانبهار لدى الجمهور.

3- تكرر السعودية والامارات مجموعة من الاتهامات المحددة وهي تتعلق اجمالا بدعم الارهاب والعلاقة مع ايران، دون ان تقدم ادلة مقنعة لأقوالها. فيما تجاوزت قطر مرحلة الاتهام وركزت على تقديم مجموعة من التقارير الاعلامية التي توثق الانتهاكات الحقوقية التي ترتكبها القوات الاماراتية في اليمن، فضلا عن تقارير نوعية تركز على حالة النشطاء السياسيين داخل الامارات وما يتعرضون له من شتى انواع العذاب، وهي بهذه الطريقة تقدم رداً قويا على دول الحصار وتمثل هذه التقارير ضغطا كبيرا على تلك الدول.

4- يركز الاعلام القطري على الفساد السياسي واستغلال المال من اجل تحقيق مكاسب سياسية يقوم بها بعض القيادات الاماراتية. منها على سبيل المثال الاستثمارات الإماراتية في صربيا، وقول وسائل الاعلام القطرية إن الامارات تستثمر هناك لصالح الولايات المتحدة من اجل جذب صربيا بعيدًا عن القطب الروسي، فصربيا التي ترفض الانضمام لحلف الناتو حرصًا على علاقاتها بموسكو، تعمل دومًا على موازنة وضعها بين الشرق والغرب، لكن مع تلك الاستثمارات، فإنه من المنطقي تمامًا أن تقترب أكثر من الإمارات، ومن الولايات المتحدة بالتبعية.

5- يركز الاعلام القطري على حجم التآمر الذي يقوم به خصوم قطر سواء ضد الدوحة او حجم التآمر المتبادل بين خصومها، ومنها على سبيل المثال نقلت وسائل الاعلام القطرية تقريرا ذكره موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، الثلاثاء 27 يونيو/حزيران 2017، أن السعدي القذافي نجل العقيد الليبي الراحل، قال قبل عدة سنوات إن الجاسوس الليبي الضالع في المؤامرة الفاشلة لقتل الملك السعودي السابق عبدالله، كانت له صلات وثيقة بحاكم الإمارات العربية المتحدة. وليس ببعيد التذكير الدائم بالعداوة العلنية بين محمد بن نايف وبن زايد ودور الاخير في استبعاد محمد بن نايف عن ولاية العهد السعودية.

6- استغلت وسائل الاعلام القطرية ملفات حقوق الانسان بشكل لافت، وهي صاحبة اليد الطولي في هذا المجال، اذ كانت تمارس تلك الضغوط على عدة حكومات مختلفة في السابق ومنها الحكومة العراقية، واليوم تستفيد من المآسي التي يتعرض لها الشعب اليمني من اجل شيطنة خصومها.

7- ابرزت السعودية والامارات الورقة الايرانية وعلاقات الدوحة مع طهران وتقديمها باعتبارها جريمة ضد الامن القومي العربي والخليجي فيما ترد الدعاية القطرية على ان الحصار جاء بقرار من الخارج، أي بعد القمة الامريكية في السعودية وذلك لرفض قطر الانصياع للأوامر الامريكية وخاصة المالية منها. كما توحي التقارير الاعلامية لها بحجم التآمر الاماراتي ضد العرب لعلاقاتها مع اسرائيل. في محاولة منها لتجريد خصمها من ادعاءاته بالعروبة والحفاظ على الامن القومي العربي والخليجي تحديدا.

8- المطالب التعجيزية لخصوم قطر وفرت مساحة واسعة لانتقادهم من قبل الدول الغربية واظهرت فوضوية القيادات التي تقف ورائها، وهي بذلك تمثل نقطة سلبية يصعب على الاعلام التعامل معها بفعالية.

تقيم للمواقف

من الملاحظ ان الدعاية القطرية كانت افضل بكثير من دعاية خصومها وذلك لقدرتها على تقليل الاعتماد على التصريحات الرسمية كمادة اعلامية وطرح القضايا الاشكالية للجمهور عن طريق تقديم الادلة والشواهد من منظمات عالمية وتقارير لمؤسسات اعلامية مرموقة. وبذلك برزت دورها كقوة اعلامية لا يمكن تجاوزها ويكفي قناة الجزيرة شهادة على نجاحها الاعلامي هو تقديم اغلاقها كمطلب يجب تنفيذه قبل الغاء الحصار، وهذا يؤكد استشعار ومعرفة خصومها بمدى الضرر الذي تلحقه المادة الاعلامية التي تعرضها الجزيرة.

وفي الطرف الاخر لا تزال وسائل الاعلام التابعة للإمارات والسعودية ملتزمة بالأساليب القديمة، القائمة على سرد التصريحات ونقل وقائع المؤتمرات التي في الغالب تمثل تكرارا لموضوع واحد، يركز على الدعم القطري للإرهاب وشق الصف الخليجي عن طريق التعاون مع ايران.

ومن الحقائق المعروفة ان وسائل الاعلام القطرية بشكل عام وقناة الجزيرة تحديدا استفادت بل وظفت جميع الازمات السابقة والتناقضات على الساحة الاقليمية والدولية من اجل تأكيد مكانتها كذراع اعلامية تنافس وسائل الاعلام العالمية، وهذه الازمة تمثل وقودا مجانيا جديدا سوف يدفع بها الى الامام ويعيدها الى الواجهة من جديد. اما وسائل الاعلام القطرية الاقل شهرة فهي الاخرى استفادت من الدعاية المجانية التي وفرتها المطالب الاولى للسعودية وقطر وحجبها في دول الخليج الاخرى ابرزها للساحة مع الاقرار بصعوبة حجبها نهائيا.

آثار سلبية

اذن هو خطاب اعلامي يقوم على تعبئة الكراهية ضد الخصم بكل ما توفره التقارير والتصريحان من اجل تمزيق الاخر وتلميع صورة الانا، والاعتماد على هذه الاساليب له اثار سلبية عميقة على المجتمع، العربي والخليجي "المترف" ويمهد لموجة جديدة من الكراهية والعنف التي لا تزال البلدان العربية تعاني من اثارها، كما انها تصعب من مهمة التفاوض والاختيار بين الحلول المتاحة اذا ما اصبح الاخر شيطانا يهدد الجميع.

ودعاية الكراهية ليست جديدة على وسائل الاعلام في جميع انحاء العالم، بل هي (وسائل الاعلام) المتهم الاول في نشر التطرف والارهاب عن طريق تقطيع الحقيقة وتقديم الجزء السلبي منها اذا كانت تتعلق بالخصم، او تقديم الصورة الجميلة فقط اذا كانت تتعلق بعرض صورة الانا، لكن المفارقة ان تكثيف هذ الاساليب يأتي في الوقت الذي تؤسس دول الخليج مركز "اعتدال" لرفض الافكار المتطرفة، فيما ترفع قطر ووسائل اعلامها شعار الباب المفتوح امام الراي الاخر.

المواجهة الاعلامية الشرسة سوف تعزز من مناسيب التطرف والغلو في المجتمع العربي الغارق في بحار من الانغلاق، والاخطر من كل هذا ان وسائل الاعلام لكلا الطرفية سوف تفقد مصداقيتها لدى جمهورها الداخلي والخارجي، كونه لا يقدم حتى نصف الحقيقة، في الوقت الذي يعرف الجمهور الحقيقة كاملة مع توافر البدائل الاخرى من وسائل الاعلام ومنصات التواصل الاجتماعي الخارجة عن ارادة الطرفين.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2