في الـ 11 يونيو/حزيران الجاري، نشرت الصحف السعودية ومواقع إلكترونية، فتوى -أو تبرير- لمفتي المملكة عبد الله آل الشيخ يشرّع فيها "عزل قطر" ومحاربتها اقتصادياً وسياسياً وبما هو متاح أمام الرياض وحلفائها من إمكانات ووسائل للمعاقبة.

عبد العزيز، أحد أحفاد محمد بن عبد الوهاب، مؤسس المذهب الوهابي "التكفيري"، أصدر الفتوى بعد إجراءات مشددة اتخذتها السعودية ودول أخرى بحق قطر، وهو ما يظهر أن مفتي المملكة وظيفته تشريع ما تريده الأسرة الحاكمة في البلد الإسلامي كما يصفه، لا ما يريده الله عبر الإسلام الذي جاء به محمد (ص) المدفون في المدينة المنورة شمال شرق السعودية، كما تكشف عمق الفجوة بين المؤسسة الدينية السنّية وأصول الشريعة التي يستنبط منها الأحكام الشرعية والتي يتفق عليها المسلمين.

السعودية والإمارات والبحرين ومصر قرروا الأسبوع الماضي قطع العلاقات مع قطر لردعها عن دعم الإرهاب والتعاون مع إيران المنافس الإقليمي الشرس للسعودية، وذلك بعد أيام قليلة من اجتماع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بزعماء الخليج والقادة العرب في القمة الإسلامية الأمريكية التي عقدت في الرياض، وهو ما غير ميزان القوى بسرعة وبشكل كبير في منطقة الخليج، وفقاً لمعهد واشنطن، كما أحدث -هذا التغيير- فوضى عارمة وشاملة غابت عن احتوائها الحكمة وكانت العصبية "القبلية" حاضرة فيها بقوة، كما يرى بعض المحللين والخبراء الغربيين.

يقول عبد العزيز في فتواه أو تبريره: "على المسلمين تقوى الله، وأن يكون منهجهم واضحا من الكتاب والسنة، ويجب ألا يكون هناك غلو أو مغالطات، ويجب أن يكون هناك منهج واضح بالعمل بكتاب الله، ومن جاء بذلك فهو على حق، ومن دعا إلى باطل فهو باطل، ويجب (البعد) من الأقوال والمعتقدات".

قطر لا تقل شراً عن السعودية، ولا يمكن لأحد أن ينكر دعمها المستمر للإرهاب في كل من العراق وسوريا.. قطر ليست ملاكاً، كما أن السعودية هي الأخرى ليست ملاكاً، لكن أن ينسب إلى الإسلام ما ليس فيه وأن تبرر أفعال العائلة الحاكمة في السعودية تجاه الشعب القطري بالقرآن والسنة التي تدعو إلى احترام حقوق الإنسان، هذا ما لا يمكن أن نعتبره مقبولاً ولا يوافق ما جاء في القرآن والسنة التي تتعكز عليها السعودية.

فعبد العزيز مطالب بتبرير ما أوردناه من بيانه من أن السعودية تسير على منهج واضح من الكتاب والسنة كما يزعم، وليأتي لنا بآية واحدة أو حديث واحد صحيح عن النبي (ص) يشرعن ما تقوم به السعودية وحلفائها بحق الشعب القطري الذي يضم وبلا شك شريحة كبيرة من الرافضين لسياسة حاكم قطر ودعمه للإرهاب.

ثم عليه أيضاً أن يوضح لنا كيف ستكون الإجراءات العقابية التي اتخذتها السعودية بحق القطريين في مصلحتهم وتصب في منفعتهم المستقبلية وهي تمنع دخول البضائع عبر الجو والبر والبحر، وتتسبب بأزمة كبيرة في سوق الأسهم والشركات التجارية والاقتصاد القطري -بشكل عام- الذي يعتمد على القطاع النفطي والغازي، بل وأن المنطقة والخليج على وجه التحديد مهدد بأزمة اقتصادية إذا ما استمرت هذا الخلاف غير المنضبط، لأن هذه الدول تعتمد على تصدير النفط والغاز، وقطر تمد الإمارات وحدها بـ 30% من حاجتها للغاز الطبيعي وبسعر تنافسي منذ 25عاماً، ومثل هذا الكثير!.

أمام هذه الإجراءات الصارمة التي اتخذها التحالف الرباعي الذي تتزعمه السعودية، تأتي صدمة واشنطن بما يجري بين الأشقاء الخليجيين، فالرئيس الأمريكي الذي أعطى إشارة عزل قطر عن محيطها الخليجي ربما يكون هو الآخر مصدوماً من الإفراط الذي يمارسه حكام هذه الدول بحق شعوبهم، بل أن دبلوماسيين أمريكيين أعلنوا أن الموقف الصريح للرئيس الأمريكي من الأزمة لا يمثل السياسة الأمريكية مشيرين إلى وجود علاقات استراتيجية مع قطر أبرزها "التعاون العسكري ووجود قواعد أمريكية ضخمة"، وهو ما يرجح أن تكون هذه الفوضى ليست بالشكل الي تريده لها واشنطن.

أخيراً.. لا يمكن لأحد أن ينكر الدور السلبي الذي لعبته قطر وباقي دول الخليج في المنطقة بدعم الجماعات المسلحة التكفيرية، لكن هذا لا يعني أن نوافق على محاصرة وتجويع الشعب القطري أو أي شعب آخر على وجه الأرض، بل إن ما تقوم به الدول المتحالفة وعلى رأسها السعودية بغطاء عبد العزيز المفتي السعودي لا يمثل إسلام القرآن والسنة، كما أنه لا يمت إلى الإنسانية بصلة.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1