تلتزم السلطة التشريعية كغيرها من السلطات في الدولة بقواعد الدستور واحكامه، ولا يعني هذا ان السلطة التشريعية تعمل بصورة الية لا مجال فيها للتقدير، ولكن الواقع انها تتمتع بقدر من الحرية بحيث تكون قادرة على مواجهة التغييرات والتطورات التي تطرأ على المجتمع بصورة يومية، والذي يفرضه تقدم الحياة البشرية في كل مجالات الحياة.

الأصل أن البرلمان يتمتع بسلطة تقديرية واسعة في التشريع، حيث يعد استعمال السلطة التقديرية " رخصة يباشرها المشرع كلما اقتضاها الصالح العام، وفي الوقت الذي يراه مناسبا" وجوهرها متمثل في " المفاضلة التي يجريها المشرع بين البدائل المختلفة لاختيار ما يقدر انه انسبها لمصلحة الجماعة، وأكثرها ملاءمة للوفاء بمتطلباتها في خصوص الموضوع الذي يتناوله بالتنظيم" دون أن يفرض عليه طريقا محددا ينبغي إتباعه . والبرلمان إذ يمارس هذا التنظيم في إطار هذه السلطة التقديرية، إنما يستند إلى أسس موضوعية يقتضيها الصالح العام، إضافة إلى مبادىء العدل والمساواة.

فعلى الرغم من القيود التي تفرضها الدساتير على البرلمان إزاء تنظيم بعض الموضوعات إلا أنها تترك له قدرا كبيرا من حرية التقدير بصدد ممارسة مهامه التشريعية، حيث تكاد تستغرق السلطة التقديرية النشاط التشريعي باعتبارها الأصل في التشريع وتقييدها هو الاستثناء، وتتحقق السلطة التقديرية للبرلمان حين يتخلف تحديد الدستور لأركان أو شروط عمل البرلمان، ومن ثم تتسع هذه السلطة التقديرية أو تضيق، تبعا لقدر تخلف هذا التحديد الملزم الذي يعد المصدر الأساسي للسلطة التقديرية.

ومن اجل وضع نوع من التوازن بين مبدأ المشروعية وضرورة احترام السلطة التشريعية للدستور، وبين ضرورة تمتعها بقدر من الحرية لمواجهة تطورات المجتمع، وبالتالي ممارسة اختصاصاتها ووظيفتها التشريعية على اكمل وجه، نشأت فكرة السلطة التقديرية للمشرع.

واذا كانت السلطة التشريعية تتمتع بسلطة تقديرية واسعه في ممارسة اختصاصاتها التشريعية، الا ان هذه السلطة كغيرها من السلطات، ليست سلطة مطلقة او سلطة تحكمية لا قيد عليها، ولكنها سلطة مقيدة، تخضع للعديد من الضوابط والقيود التي يتعين الالتزام بها في تشريعاتها والا عد عملها عملا باطلا مخالفا للدستور معيبا بالانحراف متعينا بطلانه

فالانحراف التشريعي يدور مع السلطة التقديرية للمشرع، فهو عيب قصدي يصيب غاية مصدر القانون فينحرف بغايته عن الصالح العام لتحقيق اغراض ذاتية، تكون في الغالب غير مشروعة. يكون التشريع مشوبا بعيب عدم الدستورية، متى كان يخالف مخالفة ظاهرة حكما جرى به نص من نصوص الدستور، وقد رأى جانب من الفقه أن التشريع يكون بدوره مخالفا للدستور متى كان مشوبا بعيب مخالفة الدستور المستترة أو عيب الانحراف في استعمال السلطة، بحيث يجاوز روح الدستور وأهدافه على غرار نظرية الانحراف في استعمال السلطة الإدارية.

فأعمال البرلمان قد لا تخالف الدستور بشكل مباشر، لأنه يعلم أن مصير ما يسنه من تشريعات في هذه الحالة هو البطلان، ولذلك فانه يعمل على تشريع قوانين لا تخالف الدستور مخالفة صريحة، وإنما تتضمن مخالفة مستترة، فيسن التشريعات التي يكون ظاهرها الصحة وباطنها البطلان، أي انه يسن تشريعا يكون سليما من كافة جوانبه الظاهرة من حيث الاختصاص والشكل الذي يستلزمه الدستور، كما انه يقوم على محل سليم، ولكن إذا نظرنا إلى الغاية منه نجد إن البرلمان إنما كان يسعى – في الواقع – إلى تحقيق أغراض غير مشروعة، وهنا يبرز عيب الانحراف المستتر، فالتشريع المشوب بالانحراف المستتر هو عمل تشريعي قد سلمت جميع أركانه، إلا ركن الغرض فهو وحده المعيب، فالبرلمان حين يعمد إلى الانحراف في استعمال سلطته يعلم مسبقا أن التشريع الذي سوف يصدره ليس الغرض منه تحقيق المصلحة العامة وإنما تحقيق مصلحة فرد أو فئة معينة بالذات

ومشروع قانون مجلس قبائل وعشائر العراق حسب مؤيديه جاء لنهوض الدولة بالقبائل والعشائر العراقية والاهتمام بشؤونها أستنادا إلى نص المادة (45 / ثانياً ) " تحرص الدولة على النهوض بالقبائل والعشائر العراقية، وتهتم بشؤونها بما ينسجم مع الدين والقانون، وتعزز قيمها الإنسانية النبيلة، بما يساهم في تطوير المجتمع، وتمنع الأعراف العشائرية التي تتنافى مع حقوق الإنسان." لكن من وجهة نظر معارضيه بانه تكريس لتمدد دور العشيرة على حساب المواطنة. وكالعادة في سن أي قانون جديد، يتذرع المطالبون بسن قانون العشائر بالدستور والإدعاء أن هكذا قانون هو استجابة للدستور، ولمصلحة الشعب، بينما في الحقيقة هو مخالف للدستور وهذا يتعارض مع فكرة الأعتدال التشريعي.

حيث يتعارض هذا المشروع مع روح الدستور كونه دستور يدعوا إلى دولة المؤسسات القانونية والتي حددها بالسلطة التشريعية ممثلة بمجلس النواب ومجلس الاتحاد والسلطة التنفيذية والممثلة بمجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية والسلطة القضائية ولا وجود للدور العشائري ضمن مؤسسات الدولة.

بالاضافة إلأى ذلك هناك قوانين وقرارات تحد من هذه الظاهرة مثل صدور قراراً لمجلس قيادة الثورة المنحل بالرقم (24) لسنة 1997 والذي ينص :(يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات كل من أدعى بمطالبة عشائرية ضد من قام بفعل تنفيذا لقانون أو لأمر صادر إليه من جهة أعلى ) ونُشِر القرار واعتبر نافذا بجريدة الوقائع العراقية بالعدد 3664 في 7/4/1997،واليوم وبعد انهيار النظام السابق وعبور الدولة إلى مرحلة فرض وسيادة القانون تحت مظلة دستور عراقي يضمن للمواطن أيا كان ، كافة حقوقه وحرياته و تفرض عليه بالمقابل الالتزام بالقانون وتطبيقه واحترام الموظفين والمكلفين بخدمة عامة كونهم يقومون بأداء واجبهم الذي يفرضه القانون والأوامروالتعليمات،وتنفيذهم للقانون والأوامر الصادر إليهم والتي تستند الى التطبيق القانوني السليم و الا عرض نفسه للمسائلة القانونية،وفي الوقت الذي يلتزم فيه الموظف والمكلف بخدمة عامة بتنفيذ القانون فان من يتعرض لعملهم أثناء أدائهم لواجبهم وبعد تنفيذه الذي فرضه القانون يتعرض للمسائلة القانونية،والحقيقة ان القرار(24) لسنة 1997 جاء تشديدا للعقوبات الواردة في قانون العقوبات ومنح خصوصية لجريمة المطالبة العشائرية بالدية وهو ما يسمى عرفا (الكوامة العشائرية ) فالمواد (229/230) من قانون العقوبات تناولت الاعتداء والتهديد والإساءة للموظف او المكلف بخدمة عند تنفيذهم لواجبهم وفرض عقوبة على ذلك والتي وصل الحد الأعلى للعقوبة في المادة (229) إلى الحبس مدة لا تزيد على السنتين وفي المادة (230) الحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات،لكن القرار المذكور جاء تشديدا ً للعقوبة المفروضة في الفصل الثالث من قانون العقوبات العراقي وتحت عنوان (الاعتداء على الموظفين المكلفين بخدمة عامة ) وبتفاصيل ورؤى أخرى تختلف عن مساحة عمل المواد القانونية التي تم ذكرها،ان جريمة المطالبة العشائرية لمن قام بتنفيذ القانون او الأوامر الصادرة إليه من جهة أعلى،هي جريمة لا تختلف عن غيرها من الجرائم في الأركان العامة للجريمة لكنها تتصف بأركان خاصة تمنحها خصوصية معينة،كجريمة مشرعنه تم وضع العقوبة المناسبة لها والتي تهدف لتحقيق الردع العام وفرض هيبة الدولة وموظفيها .

وقد يكون سبب احتضان مجلس النواب مثل هذه المشاريع بالرغم من تزايد مطالبات الابتعاد عنها من قبل المرجعية الدينية ورئاسة الوزراء هو تزايدت حالات لجوء السياسيين العراقيين أنفسهم إلى قانون العشائر الذي يعد أقدم تنظيم اجتماعي بالعراق، مع أنهم يمثلون أعلى سلطة تشريعية في البلاد، ودورهم يقوم على دعم المؤسسة الحكومية وليس إضعافها، كما أن القضاء يعاني من عدم ثقة المواطن بأدائه..

وعلى سبيل المثال توجه النائبة عن ائتلاف دولة القانون عواطف نعمة إلى العشيرة لحل الإشكال مع وزير التربية محمد إقبال، حيث ادعت تعرضها إلى محاولتي اغتيال واختطاف من قبل مجموعة مسلحة داخل مبنى وزارة التربية ببغداد، وهو ما يعد دليلا آخر على ضعف الدولة والقضاء في البلاد.

واعترفت نعمة للجزيرة نت بأن العشيرة تقوى عندما تضعف الدولة، وأنه أمر بات واقعا في البلاد، كما تبرر نية عشيرتها (الدريسات) مقاضاة وزير التربية عشائريا بالقول "هذا أمر يخص العشيرة، تلجأ إليه عندما ترى أن هناك تجاوزا حصل على أحد أبنائها، وهو عرف معمول به لدينا في حل الخلافات وفض النزاعات التي يفشل القانون بحسمها"، وأكدت أن الدعوى القضائية التي رفعتها على وزير التربية ما زالت قائمة، وأضافت "أنا أتمسك بالقانون وباستجواب من كان وراء محاولتي الاغتيال والخطف اللتين تعرضت لهما".

وسبق أن غرمت عشيرة النائبة حنان الفتلاوي عشيرة المتحدث باسم كتلة الموطن (التابعة للمجلس الأعلى الإسلامي) بليغ أبو كلل، على خلفية تصريحات متلفزة، مبلغ 100 مليون دينار عراقي، في الفصل العشائري الذي حصل في مدينة الحلة (100 كلم جنوب بغداد).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0