ها قد فاحت رائحة شهر الضيافة والكرم مرة أخرى وأذهلت عقولنا أكثر من ذي قبل، في شهر الضيافة ودعنا ضيوف الرحمن الى الجنة ودار القرار ليفتحوا صيامهم بماء الكوثر في دار السلام ويقروا عيناً.. ولكن لم نرجع كما كنّا، مضى عام ونَحْن نندب أحلامنا التي احترقت هناك مع جثثهم الطاهرة، في كل صباح ومساء بل وكل لحظة ننظر إلى أماكنهم الخالية نفتقدهم أكثر من ذي قبل .

في بعض الأحيان غياب شخص عن الحياة يعني غياب الجميع، أصبحنا أجسادا تمشي وتتحرك دون أرواح وماذا بعد؟ لا زالت رائحة الدم تفوح من كل شبر في هذه الأرض الطاهرة، فتمهَّل أيها المسافر عندما تطأ قدماك أرض السواد، ففي كل شبر يوجد عزيز وفِي كل زاوية فقدت الأمهات قطعة من قلوبهن، هنا دمرّت آمال الصغار منذ الولادة وعجزوا في ريعان الشباب وتشوه جمال الأرامل تحت أرجل الغدر والنفاق، هنا انحنى قامات الآباء على إثر الفقد والوجع، هنا حدث كل شيء .

هنا انطفأت شموع الشباب في ريعانها ورحمة الله أدركتهم ورجعت تلك النفوس المطمئنة إلى ربها راضية مرضية، بينما العالم يتطاير مع السرعة، الموت أيضا حدث نفسه وأصبح يتسارع في أخذ الأرواح غدا الموت صديق العوائل بل أصبح واحداً منهم وفرداً من نفس العائلة! بما إن الحياة أصبحت قصيرة هكذا وكل شيء في عجالة من أمره أليس من المفروض أن نكون أذكى السنا أفضل خلق الله ألم يكرمنا الرب بنعمة العقل والاختيار؟.

الجميع يفكر في انتهاز الفرصة في شهر رمضان هذا يشارك في محافل القرآنية صباحاً ومساءاً كي يختم القران مرة أو ثلاث أو أكثر ولا يخفى على أي أحد ثواب قراءة القرآن في هذا الشهر الكريم قد وردت أحاديث كثيرة في فضل قراءة القرآن في شهر رمضان حتى قال أبي جعفر الباقر (عليه السلام) : "لكل شيء ربيع، وربيع القرآن شهر رمضان" وقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "من قرأ في شهر رمضان آية من كتاب الله عز و جل كان كمن ختم القرآن في غيره من الشهور" وذاك يجعل من ماله نصيبا للفقراء والمحتاجين ويشتري الرز والدجاج ليرسم البسمة على شفاه المحتاجين وقد وردت أحاديث كثيرة توضح أهمية مساعدة الفقراء والمحتاجين من المؤمنين وقد اعتبر الله الإنسان المعين للعباد من أفضل عباده وأحبهم وأقربهم إليه، فعن الإمام الصادق عليه السلام: ألا إن أحب المؤمنين إلى الله من أعان المؤمن الفقير من الفقر في دنياه ومعاشه، ومن أعان ونفع ودفع المكروه عن المؤمنين.

وتلك تسعى لإفطار الصائمين ولو بشق تمرة وتحث نفسها على ازدياد رصيدها المعنوي كما قال الإمام الرضا علیه ‏السلام: مَن تَصَدَّقَ وَقتَ إفطارِهِ عَلى مِسكینٍ بِرَغیفٍ، غَفَرَ الله‏ُ لَهُ ذَنبَهُ، وكَتَبَ لَهُ ثَوابَ عِتقِ رَقَبَةٍ مِن وُلدِ إسماعیلَ .

ويبكي ذلك ندماً على ما فعل وأخيراً يشعر بلذة مناجاة ربه ويواعد ربه أن لا يضلّ ولا يرجع ويقتدي بزين العباد كما ورد عن أبي حمزة الثّمالي (رحمه الله): كان زين العابدين (عليه السلام) يصلّي عامّة اللّيل في شهر رمضان فاذا كان في السّحر دعا بهذا الدعاء: إِلهِي لا تُؤدِّبْنِي بِعُقُوبَتِكَ، وَلا تَمْكُرْ بِي فِي حِيلَتِكَ، مِنْ أَيْنَ لِيَ الخَيْرُ يا رَبِّ وَلا يُوجَدُ إلاَّ مِنْ عِنْدِكَ، وَمِنْ أَيْنَ لِيَ النَّجاةُ وَلا تُسْتَطاعُ إِلاَّ بِكَ.

وهناك من يسعى ليصبح إنساناً بمعنى الكلمة ويفتتح دفتر الحياة من جديد ينهمر دموعه عندما يبدأ بقراءة دعاء الافتتاح ا للَّهُمَّ إِنِّي أَفْتَتِحُ الثَّناءَ بِحَمْدِكَ، وَأَنْتَ مُسَدِّدٌ لِلصَّوابِ بِمَنِّكَ، وَأَيْقَنْتُ أَنَّكَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فِي مَوْضِعِ العَفْوِ وَالرَّحْمَةِ و يخرج من قشور ذنوبه ليولد من جديد.

بينما يسعى الجميع ليصبح أفضل من ذي قبل هناك من يخسر كل هذه الأتعاب بلمح بصر، من أسوأ الافعال التي يقْترِفُها الناس وهم لا يشْعرون في مجالسِهِم بواسطة اللِّسان ينْهَشُون أعْراض الناس ورد في كتاب وسائل الشيعة في الحديث الوارد في مناهي النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "نَهى عَنِ الغَيبَة وَقـالَ مَنْ إِغتـابَ امرءً مُسلِماً بَطَلَ صَومُهُ وَنَقَضَ وَضُوءُهُ، وَجـاءَ يَومَ القيـامَةِ يَفُوهُ مِنْ فِيهِ رائِحَةٌ أَنتنَ مِنَ الجِيفَةِ يَتَأَذَّى بِهِ أَهلَ المَوقِفِ".

وهناك من يدس سم الرياء في عسل أعماله الحسنة و يفسدها بلمحة بصر وقد نهانا الله عن ذلك وسمي الرياء بالشرك الخفي لذلك قال الامام الصادق (عليه السلام ): اياك والرياء فأنه من عمل لغير الله عزوجل وكله الله تعالى الى من عمل له.

وهناك من يحمل داءا دفينا في صدره وينقله من مكان إلى مكان آخر ومن هنا إلى هناك ويؤثر على هذا وذاك لذلك يقول امير الكلام علي عليه السلام :"الحقدُ خُلقٌ دَني، ومَرَضٌ مُرْدي".

مفسدات الصيام في شهر رمضان كثيرة الجهل، الغفلة، الحسد، الغيبة وسوء الظن، شهر العظمة والغفران أدركنا مرة أخرى ومنّ الله علينا مرة أخرى لنغتنم الفرصة ونراجع كتاب ذنوبنا يا ترى نحن من أي قسم من هؤلاء الناس؟ جميل أن نغتنم شهر رمضان فرصة لتغيير ذواتنا لمسح غبار الذنوب والحقد من قلوبنا لنجتمع مع الأقارب مرة أخرى بعيداً عن القيل والقال.

جميل أن نعرف من مبطلات الصيام إدخال غبار الغم إلى قلوب الآخرين.

إطعام الأحبة قهراً بدموع الألم من سوء الكلام .

نسيان أوجاع الماضي على أنفس الأقرباء وإلقاء اللّوم عليهم.

إدخال الضمير في ماء اللامبالاة. والبقاء على جنابة الكسل واللامبالاة الى صباح التغيير والإصلاح لنبدأ مرة أخرى قراءة كتاب الإنسانية وإتقان قواعده وحفظ سطوره المنجية مع قراءة القرآن.

شهر الرحمة والغفران، يستقبل ضيوف الرحمن في كل لحظة وثانية ربما نكون نحن الفئة المختارة في قائمة الموت أو العاتقين من النار يا ترى هل نكتب من ضمن قائمة الصائمين أم الذنوب تبعدنا عن ذلك؟ أعُوذُ بِجَلالِ وَجْهِكَ الْكَريمِ أنْ يَنْقِضيَ عَنّي شَهْرُ رَمَضانَ وَلَكَ قِبَلي ذَنْبٌ اَوْ تَبِعَةٌ تُعَذِّبني عليه.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0