في أوضاع مأزومة بشكل معقد، كالتي تعيشها شعوب المنطقة، يتصور البعض أن السؤال اكبر من القدرات الموجودة، فهل بالامكان القضاء على الفساد في العراق؟ او معالجة احتكار السلطة والتمييز في البحرين؟ أو إنهاء العنف الدموي في سوريا؟ وهكذا سائر الحالات المأزومة والمريرة التي تكابدها شعوب المنطقة.

البحرين؛ هذه الدولة الجزيرة الصغيرة الوادعة في الخليج، تشكو مراوحة مرهقة وقاتلة دون المضي نحو حل مرضٍ يلبي طموحات الشعب البحريني والاهداف التي يتطلع اليها منذ حوالي خمس سنوات من الاحتجاجات الجماهيرية لتغيير الاوضاع السياسية نحو الافضل، فحتى سوريا؛ بدأت الجماعات المسلحة تقترب تدريجياً نحو النظام الحاكم وتبحث معه سبل الخروج من مستنقع الحرب مع حفظ ماء الوجه، وباتت الحافلات تترى على مناطق المعارضة لإخلاء المسلحين مع عوائلهم واسلحتهم الخفيفة ونقلهم الى مناطق اخرى، أما في البحرين فان الملاحظ أن المبادرة – في الوقت الحاضر- بيد السلطة، فهي التي تطارد، وهي التي تعتقل، وهي التي تفرج، وهي التي تطوق بيوت الرموز القيادية وتستفزّ الشارع وقتما شاءت او ربما تنسحب بعد فترة، وليس أمامنا سوى متابعة الاخبار، وكان آخرها تأجيل محاكمة الشيخ عيسى قاسم، بعد ان كانت الأيدي على القلوب، فيما لو كان يصدر بحقه حكماً بالسجن، ولا من قوة على الارض تنتزع هذه المبادرة وتأخذ بالاحداث الى طموحات الشعب البحريني.

انه ليس بالأمر السهل قطعاً؛ بيد أن المطابقة بين حساب الحقل وبين حساب البيدر، وما لدينا من القدرات والامكانات وفرص التطبيق العملي مع احتساب النتائج، بالامكان التأثير ليس فقط على قرار حكومة صغيرة في بلد مثل البحرين، بل والتأثير على القرار الدولي المساند لهذه الحكومة.

من جملة القدرات المؤثرة في الساحة؛ الارادة الجماهيرية الموحدة للتغيير، فما يجري في بلادنا الآن ومنذ عقود من الزمن، لم يكن مشكلة شخصية بين عالم دين او مثقف او خطيب او سياسي معارض، حتى يتم اعتقال هذا واعدام ذاك، او ترحيلهم بالقوة خارج البلاد وسحب الجنسية منهم، ليعود أزلام النظام الى الشارع العام والوسط الاجتماعي ويجدون كأن شيئاً لم يحصل، إنما القضية تتعلق بنمط خاطئ من نظام الحكم يهدد مصلحة المجتمع برمته، في معيشته وعلاقاته الاجتماعية وكرامته وحقوقه.

هذا تحديداً يجب ان يتحول الى ثقافة عامة لدى الغالبية العظمى من المجتمع، لتكون المادة الاساس لصنع إرادة التغيير وخلق الدوافع الذاتية للمضي قدماً نحو تحقيق الهدف المرسوم ثم التضحية من اجله، وهذا ينسحب على سائر البلاد المأزومة التي عاشت الديكتاتورية والقمع وانتهاك حقوق الانسان، وعندما فتحت الابواب أمام رياح التغيير من الخارج، وسقط من سقط، وبقي من بقي، وجدت الشعوب أن التغيير المستورد – إن صح التعبير- لم يتطابق بالكامل مع تطلعاتها واهدافها من مقارعة الانظمة السابقة، فقد زالت الديكتاتورية ونمى الفساد، وانفتحت ابواب الحرية على مصراعيها بالمقابل انفتحت ابواب الفوضى في كل مكان، وهكذا...

بينما خيار الداخل من شأنه ان يرسم خارطة التغيير بيد أبنائه، لنأخذ التجربة الايرانية مثالاً قريباً؛ ففي أول كلمة له بعد عودته الى ايران من المنفى، خاطب الامام الخميني جماهيريه "بأن النظام البائد كان يريدكم عبيداً لا أسياد"، وقد ألهب هذا الشعور نفوس الناس في كل ارجاء ايران، فخرجت جميع شرائح المجتمع مطالبة باسقاط نظام الشاه، من طلبة جامعة وموظفين وعمال ومزارعين وغيرهم.

ان الخطأ الكبير الذي انزلقت اليه الشعوب العربية هو اطمئنانها بما أطلق عليه اعلامياً بـ "الربيع العربي" وأن نسمات هذا الربيع من شأنها ان تغير وجه الديكتاتورية الكالح وتعيد لها كرامتها وحقوقها، لاسيما مع وجود حقيقة التبعية السياسية للانظمة العربية بالعواصم الغربية، واعتقاد شريحة واسعة بأن هذه الانظمة لن يهزّها شيء مثل مكالمة هاتفية من الادارة الاميركية او من الحكومة البريطانية.

حتى المنظمات الدولية المعنية بحقوق الانسان، لن تكون الوسيلة الكفوءة لمواكبة مسيرة الثورة الجماهيرية في هذا البلد او ذاك، وتفهّم مشاعرها وما تعانيه من ضغوط واستفزازات بغيضة، ولعل مثال ذلك؛ الاستفزازات الوقحة للنظام الخليفي في البحرين للنساء المتهمات بأنشطة معارضة له، واعتقال البعض وتهديد أخريات بالاغتصاب وغير ذلك.

لذا؛ كلما اتسعت القاعدة الجماهيرية الملتهبة بالمعارضة والرفض تحت اقدام السلطة، كانت القوة أكثر في صنع الحدث الأكبر وتهديد أهل السلطة ومن يقف خلفهم بضربات موجعة كأن تكون في اعتصامات واسعة او اضرابات او غير ذلك مما يشعر السلطة بأنها تفقد للجدار الذي تستند اليه في الداخل.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1