سعى سيد الشهداء الإمام الحسين صلوات الله عليه لإيقاف أعدائه عن القيام بفعلتهم الشنعاء التي وقعت في العاشر من محرم الحرام عام 61هـ، وبذل جهداً كبيراً من أجل ذلك، من خلال الحوار المباشر، وعقد الاجتماعات واللقاءات "سراً وعلانية"، وأيضاً عبر الخطب العامة، والجدال بالتي هي أحسن، حتى لا يبقى عذر لأحد منهم.

ولقد حاول (عليه السلام) رفع الغشاوة عن بصائر الناس، واطلاعهم على الحقيقة كاملة، كما حاول أن يضع الحقائق أمامه.

لماذا؟ لأنه (عليه السلام) يحب الإنسان الذي كرمه الخالق (عز وجل)، فكان يكره أن يكون سبباً لشقاء الإنسان مهما كانت هويته وديانته وانتماؤه وعنصره وجنسه، لأن القضية لم تكن قضية سلطة يتقاتل عليها فريقان، أبداً، كما أنها لم تكن قضية قومية أو مذهبية أو عنصرية، وإنما كانت قضية بشرية تجلى فيها معسكران، أحدهما يمثل الحق، فيما يمثل الآخر الباطل، أحدهما يمثل الإنسان وقوى الخير التي أودعها الله فيه، والثاني يمثل كل قوى الشر التي في داخل الإنسان، كما في الآية المباركة (ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها).

ولذلك لم يغلق الحسين (عليه السلام) بابه بوجه أحد من الناس أبداً، بغض النظر عن دينه أو قوميته أو جنسه، فكان باب الله (عز وجل) وسفينة النجاة لمن شاء وأحب أن يركبها ليحيا حياة طيبة في الدنيا وينجو بها يوم الفزع الأكبر.

لقد بكى الإمام الحسين (عليه السلام) قاتليه، قبل أن يتورطوا بدمه الزكي، وهو يرى أن لا جدوى في كل محاولاته الإنسانية والدينية التي بذلها من أجل إنقاذهم من النار، وهم الذين مثلوا مصداق قول الله (عز وجل): (أفأنت تنقذ من في النار).

بدموعه تلك يتجلى – بوضوح - البعد الإنساني في ثورة الحسين المباركة وحركته الخالدة، وفي أبهى صور الطبيعة الإنسانية، ولأن كربلاء ثورة من أجل قيم السماء، فإن الإمام لم يستعجل القتال، فلم يكن هدفه القتال لذاته، وإنما من أجل الإنسان، فإذا كان المنطق والحوار والخطاب، طريق إلى حماية الإنسان من نفسه الإمارة بالسوء، فلماذا اللجوء إذن إلى السيف؟.

لقد حاول الإمام الحسين (عليه السلام) استفراغ كل طاقته في الحوار قبل أن يرد على رسل القوم (النبال) التي صوبوها باتجاه معسكره ليستعجلوه القتال.

فقد فعل إزاء قاتليه، ما فعله أبوه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، الذي ظل يحاور (الخوارج) حتى عدل عن مقاتلته الآلاف منهم، حيث بالكلمة حقن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) دماء مغفلين، وبالكلمة أراد الحسين (عليه السلام) استنقاذ أعدائه.

إن المصلح يوفر على الناس دماءهم، ولذلك فإن المصلح لا يوفر جهداً لحفظ دم الإنسان وصونه من الهدر، مادام هناك متسع من الوقت والجهد والوسائل، على العكس من الطغاة والمجرمين الذين يسارعون إلى هدر الدم الحرام وإزهاق الروح المحترمة، وهنا يكمن الفارق الكبير بين المصلح والمجرم، فالأول هدفه حياة الإنسان، أما الثاني فهدفه مصلحته وشهواته حتى وإن تطلبت قتل الناس.

فالمصلح يموت ليحيا الناس، والطاغية ليحيا هو يقتل الناس، وشتان بين الإثنين. المصلح يبدأ بالكلمة وربما ينتهي اضطراراً إلى السيف، أما الظالم فيبدأ بالسيف وينتهي إليه، ويبدأ بالدم وينتهي إليه.

وقد يسأل سائل: ألم يكن الإمام سيد الشهداء (عليه السلام)على علم بعنادهم وغيهم وضلالتهم، فلماذا، إذن، حاول وعظهم ونصيحتهم؟.

ويأتي الجواب من القرآن الكريم، فقد أجاب المؤمنون الذين استنكر عليهم بعض قومهم وعظهم للكافرين، حيث قالوا لهم: (لم تعظون قوماً الله مهلكهم). أجابوهم بقولهم: (معذرة إلى ربكم). هذا من جانب، ومن جانب آخر، فهي رسالة إلى الأجيال والتاريخ، ودرس للجميع، ليمارسوا الوعظ والإرشاد حتى مع أعدى أعدائهم وأشدهم ضراوة، فما بالك بالذين يعادون عن جهل؟!

إن الوعظ والإرشاد لابد منهما قبل أن يقع السيف بين الطرفين، من أجل إلقاء الحجة، واستنقاذ ما يمكن إنقاذه من الجهل والتورط بالدم الحرام، أما إذا وقع السيف فيكون كل طرف أمة.

ومن المهم التأكيد هنا أن نصح الآخر (المؤالف) وهداية الآخر (المخالف) تبدأ من النفس أولاً، وترسيخ أسس متينة تقوم على علم وافر وخلق كريم، ثم الانطلاق الى المؤسسة والمجتمع والدولة.

بقول مولانا الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "معاشر الشيعة كونوا لنا زيناً، ولا تكونوا علينا شيناً، قولوا للناس حسناً، احفظوا ألسنتكم، وكفوها عن الفضول وقبيح القول".

وعن الإمام الهادي عليه السلام لشيعته: "اتقوا الله وكونوا زيناً ولا تكونوا شيناً، جروا إلينا كل مودة، وادفعوا عنا كل قبيح".

وقال الإمام الصادق عليه السلام لأحد شيعته: "إن الحسن من كل أحد حسن وإنه منك أحسن لمكانك منا، وإن القبيح من كل أحد قبيح وإنه منك أقبح، لمكانك منا".

إن موسم (محرم الحرام وصفر الخير)، وخصوصاً زيارة الأربعين المليونية، والفريدة والاستثنائية "شكلاً ومضموناً" على مستوى العالم، فرصة مهمة لهداية الإنسان والمجتمع، ولتقويم السلوكيات والمناهج، ولتحفيز الجهود في إطار الارتقاء بمراتب التقوى والورع والالتزام بالعبادات والتمسك أكثر بالمستحبات والابتعاد أكثر عن المكروهات، وتفعيل الطاقات نحو فعل الخيرات ورعاية الأيتام والأرامل ومساعدة الفقراء والمرضى والمحتاجين، والحرص الأكبر على تقديم الصورة الناصعة عن التشيع والانتماء لمذهب أهل البيت صلوات الله عليهم.

يقول الإمام المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته): "ينبغي الاهتمام البالغ في أيام محرم الحرام، وخاصّة عشرة عاشوراء، وزيارة الأربعين، بتطبيق الأحكام الشرعية، والقوانين الإسلامية الثابتة عن طريق القرآن والسنة المطهرة، وهداية الناس جميعاً خاصة غير المسلمين إلى الإسلام. وإن الإنسان مهما قام بالأعمال الكبيرة نحو خالقه، فهو قليل بالنسبة إلى المطلوب منه، لأن المطلوب منه هداية البشرية جمعاء، وعمارة الأرض بكاملها".

ويقول المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله): "ينبغي الاستفادة من موسم عاشوراء وزيارة الأربعين بكل الوسائل المتاحة لهداية الناس في جميع أنحاء العالم، عبر المسيرات، والإصدارات الثقافية، والقنوات الفضائية، وأيضاً من خلال عقد المجالس الحسينية على امتداد السنة لهذه الغاية. وإن كل فرد من أفراد المجتمع الإسلامي ينبغي أن يكون مبلغاً للإسلام وتعاليمه بقوله وعمله، وراعياً لكل فرد من أفراد مجتمعه وأمته، فيدعو للإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل من أجل ذلك بالتي هي أحسن. المرجع الشيرازي دام ظله".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0