فيما زائري الامام الحسين، عليه السلام، ينطلقون هذه الايام في مسيرة المشي نحو كربلاء المقدسة لأداء زيارة الاربعين، نتوجه للإمعان في الحديث النبوي الشهير: "إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة"، الإطلاق في كون الإمام مصباح هدى وسفينة نجاة، يثير تساؤلاً عن المقصود بالهدى والنجاة...؟ هل نحن اتباع أهل البيت (الشيعة)، أم المسلمون أجمعهم؟.

عندما تتجسد طموحات الانسانية جمعاء في النهضة الحسينية، وعندما يجد كل مظلوم وطالب حق في العالم، نفسه الى جانب الحسين، عليه السلام، أمام الظلم والطغيان، فانه بالقطع؛ تكون ابواب النجاة مفتوحة للجميع، كما هي فرص الهداية والرشاد. وبما أن العالم اليوم يشكو أزمة الأمن والسلم في جميع نواحي الحياة، بسبب نزعة الصراع والاحتراب التي تقود عقول قادة الدول الكبرى. فلا غرو من القول: بأن سكان العالم اليوم بإمكانهم جميعاً الدخول في هذه السفينة للنجاة مما هم عليه، والاستفادة من هذه الفرصة. وهذا تحديداً يفسّر لنا سبب الاحترام والإكبار الذي تحظى به مراسيم إحياء النهضة الحسينية في كل مكان بالعالم. فالناس في الهند – مثلاً- او في الصين أو في اميركا اللاتينية او جميع ارجاء المعمورة، يرون في هذه المراسيم نبذاً شديداً للعدوانية والقسوة والظلم، وإحياءً لقيم السلام والمحبة.

هذا الابداع في فكر النهضة الحسينية، هو الذي مكّن سكان العالم من التمييز بين الاسلام الحقيقي الذي ضحى من أجله الامام الحسين في كربلاء، وبين الاسلام المزيف الذي تسعى جماعات مشبوهة نشره وترويجه بالدم والدمار. كما انه يتفهّم مغزى الشعائر الحسينية، وأنها أعمال وفعاليات لها توجه تربوي الى داخل الانسان، ولا تتجه بالسلب ضد الآخر. ومن هذه الشعائر، السير على الاقدام لمسافات طويلة نحو مرقد الامام الحسين، عليه السلام. وهي الفعالية المميزة من حيث المشاركة الجماهيرية المليونية، حيث تشهد الطرق الرئيسية المؤدية الى كربلاء المقدسة، كل عام توافد اعداد غفيرة، وهي بازدياد عاماً بعد آخر.

واذا كان مفهوم السلم والامن يندرج في مضامين الشعائر الحسينية، فانه يتجسد اكثر في هذا الزحف المليوني أيام زيارة الاربعين، حيث يكون المشهد أشبه الى حد كبير – بل وأكثر- باجتماع الحجيج حول بيت الله الحرام، وهم من مختلف القوميات والاعراق والالوان، جبناً الى جنب لأداء فريضة إلهية واحدة في أمان تام وفّره لهم ربهم، فحتى الحشرات آمنة في أيام مناسك الحج، فضلاً عن الانسان. أما في هذه الشعيرة الحسينية – كما في الشعائر الاخرى- فان الامام الحسين، عليه السلام، كتب رسالة الأمن والسلام بدمه ودموعه للعالم، فهو بكى على أعدائه لأنهم سيدخلون النار بسببه، لذا أكثر من النصح والإبلاغ علّهم يتذكرون، كما وقف أمام النبال ولم يبدأ اعدائه بقتال، ففضّل ان تصيبه، واصحابه واهل بيته، النبال كالمطر، ويصاب بجراح، ولا يكون هو البادئ بالقتال والحرب.

هذه الرسالة حملها المشاة، ليس اليوم، إنما منذ سنوات بعيدة، حيث بدأت الفكرة، وحافظت عليها الاجيال، رغم وجود التنوع والاختلاف المستمر بين بني البشر. وهذا ما نلاحظه اليوم ايضاً، بل هو ازدياد، مع ازدياد النمو السكاني، وتوسع الطرق، والتطور الحاصل في مستوى الفكر والثقافة.

ولمن يتابع تاريخ هذه الشعيرة العظيمة، يجد أنها شهدت الذروة في مجدها يوم تمثلت السلام والنجاة أمام الاضطهاد والظلم، فكانت قبساً من ذلك المصباح الهادي (الحسيني) فمزقت حجب الظلام في العراق، وكانت سبباً في الإطاحة بنظام حكم طالما حسب نفسه المتكامل والدائم، فيما بقيت هي الى اليوم.

وهذا درسٌ بليغ لنا، بأن نعرف أن المشي سيراً على الاقدام، يحمل معه كل من يقتبس من ذلك المصباح ويحجز له مقعداً في سفينة النجاة، أما من يحتفظ لنفسه بنوايا ومقاصد خاصة، ويحاول الاستفادة من التنوع الموجود في هذه المسيرة لتحقيق ما يريد بعيداً عن رسالة الامام الحسين، عليه السلام، فانه يسقط كما يسقط ورق الخريف بفعل زخّات المطر.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0