اذا كان كلُّ شيء في الكون، خاصّةً أحداث التّاريخ وتجارب الامم، تذكرةً لنا، كما وصف ذلك القرآن الكريم، فلماذا، إذن، ننسى؟ لماذا لا نتعلّم؟ لماذا يتكرّر عندنا الحدث بشكلٍ مستمرّ؟ لماذا لا نوظّف التجربة لترشيد الثّمن المدفوع لأيّ مرحلةٍ من مراحل حياتنا، سواء أكان زمناً او جهوداً وتضحية؟.

لماذا تتكرّر معنا مشاهد العنف والارهاب عاماً بعد آخر على الرّغم من انّنا تيقّنّا بانفسنا من انّ ثمنهُ غالٍ جداً وكبير وإنّ حصادهُ تذروه الرِّيَاح لتفاهتهِ؟.

لماذا تتلطّخ أيدينا بالفساد المالي والاداري بمجرّد ان تعتلي منصباً او نجلس خلف طاولةٍ؟.

لقد شاءت رحمة الله تعالى ان يَقُصّ علينا {أَحْسَنَ الْقَصَصِ} ليس من أجل التّسلية ولا من أجل ان نضعها على الرّف، أبداً، وإنّما من اجل ان نصحو من الغفلة فنتعلّم، فالقصّة وحيٌّ من نوعٍ آخر، فلماذا لا نتعلّم من القصّة القرآنية؟ أولم يقُل امير المؤمنين (ع) {الّسعيدُ منِ اتّعظ بتجاربِ غيرِهِ}؟ أوَليست الدنيا مواعظ كما أشار الى ذلك امير المؤمنين (ع) بقوله {إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ صِدْق لِمَنْ صَدَقَهَا، وَدَارُ عَافِيَة لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا، وَدَارُ غِنىً لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا، وَدَارُ مَوْعِظَة لِمَنْ اتَّعَظَ بِهَا}؟.

برأيي، فإنّ من الأسباب الاخرى التي تدفع بالمرءِ الى ان يتجاهل او يتناسى، ما يلي؛

أولاً؛ الحبُّ الأعمى والبُغض الأعمى، فبينما يدفع الأوّل بالمرء الى ان يبرّر كلّ شيء خطأ سواء على الصعيد الشخصي او على صعيد المجتمع او على صعيد الدولة والنظام والمؤسسة الحاكمة، يدفعهُ الثّاني الى ان يتجاهل أيّ شَيْءٍ صحيح ومُفيد لدرجةٍ انّه يخسر تجربة وخبرة، وهو الامر الذي يتعامل به البعض مع كربلاء وعاشوراء وسيد شباب أهل الجنة الامام الحسين بن علي عليهما السلام، فهؤلاء يتناسَونَ ويتجاهلون فضلها بسببِ بغضهم الأعمى، والله تعالى امرنا ان لا ننسى ذلك بقوله {وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.

لقد وصف القرآن الكريم الحالة الاولى (الحبّ الأعمى) والذي يُنتج ثقافة صناعة الطاغوت وعبادتهِ وكذلك عبادة العجل بقوله {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.

انّهُ توصيفٌ راقٍ بمعاني جوهريّةٍ عميقةٍ، وكأنّ (عَبَدَة العِجل) لم يكتفوا بالظّاهر فقط وانّما أثّرت عبادتهم للعجل في كيانهِم ومشاعرهِم وطريقة تفكيرهِم وأحاسيسهِم وممارستهِم اليومية ورؤيتهِم للأمور وللآخرين، لدرجةٍ ان عبادتهُ لهم وصلت حدّ الكفر بالله تعالى والتّناقض مع ما يقولون ويدّعون، فهم يقولون سمعنا ولكن في نفس الوقت يكفرون بما جاءهم من العلمِ والوحي، وكل ذلك بسبب ان نفوسهم تشرّبت عبادة العجل، كما تشرب قطعة الإسفنج الماء!.

ثانياً؛ تغليب قيم الجاهليّة على القيم الدينية، وكأنّ المجتمع انقلب على عقبَيهِ، اذا بقيمِ العشيرةِ، وعلى رأسِها روح الانتقام، تتغلّب على أيّة قيمةٍ أُخرى علّمها رسول الله (ص) لذاك المجتمع البدوي الجاهلي!.

وإذا تتبّعنا كلّ الحوارات التي جرت بين مختلف الشخصيات في تلك المرحلة فلم نجد أحداً منهم يحاجِج بقيم الرّسالة أبداً، طبعاً باستثناء أهل البيت عليهم السلام الذين صقلت شخصيّتهم الرسالة بالكامل، ولهذا السّبب فعندما تساءل الامام الحسين (ع) عن سبب قتالهم له في يوم عاشوراء على الرّغم من كلّ ما يعرفون جيداً من حقيقة مكانتهِ وعلاقته برسول الله (ص) وكذلك مكانتهِ بالإسلام، وما كانَت تُمثّلهُ شخصيّة يزيد اذا عُرضت على قيم السَّمَاء، كان جوابهم [بُغضاً لأبيك]! وكأنّهم جاؤوا لينتقِموا من إِسلامهم، ولم يخطُر ببالهم طرفةَ عينٍ أبداً ان يبحثوا عن الحقّ او حتى عن مصالح الأمة او دينهم!.

ثالثاً؛ الغيرة والحسد، فالبعض يتناسى الأمور والفضل الذي يتعلّق بالآخرين اذا كان يحسدهُم على ما آتاهم الله من فضلهِ او تشرَّبت نَفْسَهُ الغيرة منهم، كما يصفُ تعالى ذلك بقوله {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا}.

فعندما سَمِعَ أمير المؤمنين عليه السلام بخبر اعتزال الثّلاثة (عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقّاص ومُحمّد بن سلمة) قال قولتهُ المشهورة بعد ان نقلَ له عمّار بن ياسر حُججهم التّافهة {دَعْ هؤلاء الرّهط، فامّا ابْنُ عمر فضعيف، وامّا سعد فحسود، وذنبي الى محمّد بن سلمة أنّي قتلتُ أخاهُ يَوْمَ خَيْبَر}.

وبهذا النّص حدّد الامام عليه السلام أهم ثلاثة أسباب وراء تناسي الناس للتهرّب من المسؤوليّة، الا وهي؛ الضّعف الذي سببهُ، في اغلب الأحيان، الخوف والجبن وعدم اليقين، والحسد الذي سببهُ عدم استيعاب حكمة الله تعالى في الخلق والحياة، والثالث هو روح الانتقام والتشفّي التي تتراكم عند الانسان فلا تدعهُ ينسى ما ينبغي تجاوزهُ، وفي نفس الوقت يتناسى ما لا ينبغي لهُ ان يتناساه، فتنقلب عنده الأمور والقيم والمواقف رأساً على عقِب!.

لذلك يُمكن القول، وبضرسٍ قاطع، انّ عاشوراء لم تكن اكثر من تذكرة، كونها نهضة اصلاحيّة الغاية منها تذكير الأمّة بما يجب عليها فعلهُ من أجل تكريس العدالة الاجتماعيّة والتي لا يُمكن ان نتصوّرها أبداً اذا نزا على السّلطة حاكمٌ ظالمٌ وفاسد، اذ تتجلّى مسؤولية الأمة في هذه الحالة بالتصدي لهُ وإِزاحتهُ، وإلا فستكون النتيجة كما قال سيد الشهداء (ع) عندما خاطب القوم بقوله؛

إن رسول الله (ص) قال: من رأى منكم سُلطاناً جائِراً مستحِلاً لحرمِ الله، ناكثاً لعهدِ الله، مُخالفاً لسنّة رَسُولِ الله (ص) يعملُ في عبادِ الله بالإثمِ والعُدوان، فلم يغيّر عَلَيْهِ بفعلٍ ولا قولٍ كان حقّاً على الله أن يُدخلهُ مدخلهُ.

وهو الامرُ الذي نراهُ اليوم بأُمِّ أعينِنا ونلمسهُ لمسَ اليدِ في طول بلادِ المسلمين وعَرضها، لتأتي عاشوراء تذكرةً لنا لما يجب علينا فعلهُ من أجلِ تحقيق التغيير المرجو، اذ لا يُمكن ان نتصوّرهُ الا بقيمِ عاشوراء الانسانيّة العظيمة.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3