"بَذَلَ مُهجَتَهُ فيكَ لِيَستَنقِذَ عِبادَكَ مِنَ الجَهالَةِ وَحَيرَةِ الضَّلالَةِ"

من زيارة الإمام الحسين يوم الأربعين

سنين طوال، والنبي الأكرم، محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، يتجول في طرقات مكّة بين أهلها، يرى مختلف مظاهر الفساد والجهل والضلال، وهو صبي صغير، وحتى مرحلة الشباب، والى سن الاربعين حيث بُعث نبياً من الله –تعالى-، فكان يرى الخيام الخاصة بالدعارة، ومحال بيع الخمور مع جمهور السكارى، كما يرى التعامل الربوي الفاحش في الاسواق، واستعباد الانسان بأبشع صوره، ثم ظاهرة "وأد البنات"، وغيرها من المساوئ الاخلاقية والاجتماعية الكثيرة، ولكن! ما كان رد فعل النبي وهو شاب صغير، ثم وهو نبي سوى الابتسام في وجوه الناس وإظهار الود والحب لهم، ثم كانت القمة في الاستيعاب والتفهّم عندما تعرّض للهجوم بالحجارة خلال وجوده في مدينة الطائف التي لجأ اليها للتخلّص من محاربة المشركين في مكة، فبعد جولة من المطاردة من قبل صبيان المدينة المدفوعين من مشركي مكة، جلس النبي بعيداً عن الناس وهو يتحسس جراحه ويلتقط أنفاسه، ثم رفع رأسه الى السماء ودعا الله بأن "اللهم أغفر لقومي فانهم لا يعلمون"، يعني ليس فقط سامح من أدمى رأسه وبدنه بالحجارة، وليس فقط دعا لهم بالمغفرة عند الله، بل وذهب الى أبعد من هذا بأن وفّر لهم عذراً (الجهل) لتأكيد الطلب بالمغفرة من الله –تعالى-.

مرور أربعين يوماً على استشهاد الامام الحسين في صحراء كربلاء، بصرف النظر عن الدلالة المعنوية للرقم الواردة في القرآن الكريم، فانه ذكرى تتجدد طوال القرون الماضية، ويمتد الى يوم القيامة ليجدد التذكير باستمرارية مسيرة الرسالة المحمدية الى البشرية جمعاء التي تحمل البُشرى والخير للانسان، وأن نهضة الامام الحسين الإصلاحية امتداد لنهضة النبي الإصلاحية.

فالانسان أمام الاسلام صفحة بيضاء، فهو يولد جاهلاً غير عالم، عليه أن يتعلّم ليعيش حياة سعيدة، وفي مسيرة حياته ربما يتعرض للخطأ في المسير الى مكان معين، أو في مسيرته نحو طلب العلم والمعرفة، فالقضية أشبه ما تكون بأي عارض صحي؛ بدني او نفسي، فلا أحد يحب لنفسه المرض، كما لا أحد يحب لنفسه أن يكون جاهلاً بمسائل الحياة، او أن يكون أميّاً، ولا أحد يرضى لنفسه ان يكون في غير الطريق الصحيح، بل الجميع ينشد الصواب والخاتمة السعيدة، إنما ثمة مسببات وعوامل تطرأ في حياة الانسان تدفعه للسقوط في شباك الجهل، او تدفعه الى طريق التيه والضلال، ولذا نقرأ في زيارة الأربعين بقلم الإمام الصادق، عليه السلام، يعرف بها فلسفة النهضة الحسينية وأن الامام الحسين إنما ضحى بنفسه وأهل بيته لأجل هدف سامٍ له جنبة انسانية، كما له جنبة حضارية، يستنقذ العباد "من الجهالة وحيرة الضلالة".

ولنا وقفة تأمل أمام مفردة "يستنقذ"، وأمام مفردة الجهالة والضلالة.

أولاً: استخدم الامام الصادق، عليه السلام، هذه المفردة دون مفردة "ينقذ"، وهو فعل يؤدى في أوقات كثيرة وعلى يد أشخاص عدّة، كما يفترض من كل من يُحسن السباحة القفز الى الماء لانقاذ غريق، أو أن يسارع كُل انسان سوي و ذو قلب حيّ –وهم كُثر- أن يسارع لإبعاد بصير عن حفرة في طريقه، وغيرها من الحالات المشابهة.

بيد أن القضية هنا استثنائية، تبعاً لعمق المشكلة والأزمة في الامة، فكان مهمة الإمام الحسين المبالغة في الفعل "يستنقذ"، وبكل ما أوتي من قوة بعد أن وجد أن الامة صارت أمام مفترق طريقين لا ثالث لهما؛ إما ان تستمر باتباع النظام السياسي الذي سيحوّل الدين الى طقوس عبادية دون محتوى اجتماعي ونفسي، ومظاهر قشرية تخفي الكذب والفسق والفجور والغدر والخيانة وكل ما يتصل بالرذيلة والباطل، وإما أن تتحسس حرارة الدماء والمصائب بكل حواسها ومشاعرها في ساحة المعركة، ثم في مرحلة السبي وما جرى في الكوفة والشام، ليتشكل طوق النجاة والانقاذ مما أعد لها الأمويون، وعلى رأسهم؛ معاوية طيلة عشرين سنة من التجهيل والتضليل.

ثانياً: عندما يتحول الضلال الى ضلالة، والجهل الى جهالة، فهذا يعني أننا لسنا امام حالة طارئة خارجة عن إرادة الانسان –كما اسلفنا- وإنما الامر صار حالة فردية واجتماعية، وفي اللغة؛ التاء بعد الاسم يخرجه من كونه أمر ثابت، او حالة متحركة ومستمرة، كما أن الهُدى عنوان ثابت، ما أن تلتحق به التاء يتحول الى حالة هداية للانسان والمجتمع والامة على طول الخط.

هنا يقفز السؤال:

كيف يتحول العنوان الثابت الى حالة متحركة وصفة ملاصقة لصاحبها؟

كتب عن هذا الموضوع الواسع، الكثير من الكتاب والمفكرين، ولن نزيد عليهم إلا بما يفيدنا لاستلهام الدروس والعبر من الزيارة الاربعينية في ضوء ما جاء في الزيارة الشريفة، القصيرة بكلماتها والغنية بمفاهيمها الانسانية والحضارية.

عاملان لهما الدور الأساس في خلق حالة الجهالة والضلالة في الامة، منذ واقعة كربلاء، بل وما قبلها مما جرى على أهل بيت رسول الله، والى يومنا هذا، والى يوم القيامة؛

العامل الأول: ذاتي

بإمكان الانسان تفعيل إرادته وحريته في التفكير والتعبير مع مساحة واسعة من الإطلاع الى العلوم والمعارف في زمن نعيش فيه سرعة وصول المعلومة بفضل الانترنت، الى جانب المكتبة الفكرية والثقافية الزاخرة.

ولا عذر لأحد عندما يقبل بوزير او مدير أو حتى صديق يرتكب السرقة، او الغش، او التدليس، و أي نوع من المنكرات مهما كانت المبررات، فقد حاول قبلهم أن يسوقوا أمثال معاوية او يزيد او غيره من الحكام الأمويين ثم العباسيين بأنهم "لابأس بهم، و من الجيد النظر في الايجابيات"! فكانت النتيجة كما نراه اليوم، فهل علينا تكرار أخطاء الماضي؟!

العامل الثاني: خارجي

ولكن! ليس قهري بالضرورة، فقد وقفت القلّة القليلة المؤمنة أمام صنّاع التجهيل والتضليل منذ عهد أمير المؤمنين، والأئمة من بعده، عليهم السلام، وهم يفضحون زيف المتسترين بالدين طوال الاربعة عشر قرناً الماضية، والقافلة ماضية بلا توقف في طريق التضحية بالنفس والمال والأهل.

هذا العامل الخارجي الذي وجدناه في صورة "الخليفة المزيف"، ثم الحاكم او الملك، او الزعيم المُلهم والقائد الضرورة، لن يقف مكتوف الأيدي لتتحول القلّة القليلة الى تيار واعي وناهض يتحمل مسؤولية إجتثاثه من جذوره. بل يبذل كل قواه ومكائده لمحاصرة هذه القلّة وإبعادها عن جماهير الأمة، ومن ثم قمعها بكل ما أوتي من قسوة ودموية، كما فعل صدام.

إن الجهل والضلال اذا تحول الى حالة اجتماعية، بل وثقافية –كما نلاحظه اليوم- فان الجميع غير معذورين عن التصدّي لتغيير هذه الحالة التي نرى كيف أنها باتت لا تهدد فقط العقيدة، وإنما تهدد سلامة الانسان نفسه، فيتحول الى حالة جديدة من الكآبة، واليأس، والتشكيك بكل شيء، حتى راح البعض يرى أن موته انتحاراً يوفر له الراحة أكثر يحصل عليه وهو على قيد الحياة، وهذا ما لا يريده لنا الإمام الحسين.

اضف تعليق


التعليقات

عزالدين و بشير بن حامد بن علي بن ناصر آل نقيل
دبي
كيف يتحقق العدل والإحسان2022-09-15