"يزيد شارب الخمر قاتل النفس المحترمة، ومثلي لا يبايع مثله".

الامام الحسين، عليه السلام

مسيرة الامام الحسين نحو كربلاء خلال شهر ذي الحجة سنة 60 للهجرة، كانت تضم ابناء رسول الله، وايضاً؛ شيوخ، وشباب، ونساء، وأطفال، بل وايضاً المسيحي، والعبد، ثم التحق بهم من هو على غير مذهب أهل البيت، و"عثماني الهوى" كما وصفه المؤرخون، وفي اللحظات الحاسمة، التحق من كان قائداً في جيش العدو.

واليوم نشهد مسيرة أخرى نحو كربلاء، لكنها تضم زائري مرقد الامام الحسين وأبنائه وأصحابه، وهي تضم جماهير تمثل قوميات ومذاهب وجنسيات وشرائح اجتماعية متعددة يأتون من شتى بقاع العالم كل عام لإحياء اليوم الأربعين لاستشهاد الامام الحسين في صحراء كربلاء.

فهل هي صدفة بأن تكون كربلاء ملتقى القافلتين؟

لو تأملنا في الجملة الاخيرة من ردّ الإمام الحسين على الوالي الأموي على المدينة؛ سعيد بن العاص بطلبه البيعة ليزيد؛ "ومثلي لا يبايع مثله"، يتبلور لدينا محور القضية، كما نعرف بأن القضية ليست شخصية، وليست المشكلة في كراهية الإمام الحسين، وهو ابن أمير المؤمنين، وسبط رسول الله، لشخص مثل يزيد، وهو جدير بالكراهية حقاً، إنما القضية في منهج الامام الحسين، ومدرسة أهل البيت الذي يقابله المنهج الأموي القائم على ترسبات جاهلية ما قبل الإسلام، وهي مواجهة مستمرة من أول يوم دعا فيها رسول الله الى الإسلام وقيم السماء، والى يومنا الحاضر، وحتى يوم القيامة.

على هذا اجتمع ذلك الجمهور الصغير حول الامام الحسين، ورفضوا التخلّي عنه حتى الرمق الأخير في ميدان القتال، وحتى آخر شعلة نار وصلت الى خيام النساء، وما جرى عليهنّ من محن السبي في مثل هذه الايام، حتى الطفل الصغير لم يتغير موقفه مما يجري من ذلك المشهد الرهيب الذي يصعب على معظمنا اليوم من ان نشاهده تمثيلاً على شاشة التلفاز او السينما، فكيف اذا كان مشهداً حيّاً على الأرض يرى الاطفال وخلفهم النساء تساقط الأيدي والرؤوس، وارتطام السيوف والرماح، والامام الحسين يصفف جثامين الشهداء الواحد بعد الآخر في جانب من معسكره؟ ولعل هذا يفسّر المواقف البطولية لذلك الفتى الذي استشهد أبوه في الحملة الأولى، صاحب الأبيات: "أميري حسينٌ ونعم الأمير"، وموقف الاطفال من ابناء الامام الحسن المجتبى في الدفاع عن عمّهم وسط الميدان، وكذلك المواقف البطولية الخالدة للنسوة في تلك الساعات الحاسمة والتاريخية.

الجميع دون استثناء اتخذ موقفاً واحداً، وصار كالبنيان المرصوص أمام جبهة الباطل لأنهم أرادوا أن يكونوا مِثل الإمام الحسين، مع الفارق قطعاً، إنما هي المواساة بأعظم وأكمل صورها.

وقد تساءلت الاجيال عبر التاريخ عن سبب عدم انسحاب هؤلاء من ميدان القتال عندما أبرأ الإمام ذمتهم، وجعلهم في حلٍّ من بيعته، وقد حصل هذا عشية يوم عاشوراء بأن "هذا الليل اتخذوه جملا فان القوم لا يطلبون غيري"، أي بإمكانكم الانسحاب تحت جنح الظلام لئلا يراكم احداً وتتفرقوا في الارض ولا بأس عليكم، وقبل هذه المحاورة كان عدد كبير من المرافقين للإمام الحسين من المدينة قد انسحب من القافلة، ويقال بأن قافلة الامام حين انطلاقها كانت تضم حوالي ألف شخص، ولم يبق من هذا الجمع الغفير إلا من ذكره التاريخ ممن نجحوا في اختبار الإيمان بالقيم والمبادئ، ثم التمسك بها بشكل جماعي كما أمرهم الله –تعالى- في الآية الكريمة: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا}، والامام الحسين، آية من آيات الله في الحياة، ومنهجه يمثل حبل الله المتين، وصراطه المستقيم.

هذا الاعتصام الجماعي أوقد للأجيال وللأمة عبر التاريخ شموع الحرية والكرامة والسعادة بصورها الحقيقية، فلا عجب من أن تضيئ هذه الشموع لنفوس الزائرين يوم الاربعين سيراً على الاقدام، ليس اليوم، بل قبل مئات السنين، عندما زار المقربون من الامام الحسين، مرقد الشريف بعد استشهاده بفترة وجيزة، سيراً على الاقدام من المدينة المنورة الى كربلاء، وأبرزهم؛ الصحابي الجليل؛ جابر بن عبد الله الانصاري، ثم تحولت مع مرور الزمن الى سنّة حسنة تعطي حقّ الحديث الشريف المروي عن الامام العسكري، بشأن زيارة الاربعين بأنها إحدى علامات المؤمن.

الزائرون اليوم يتخذون موقفاً مشابهاً لإخوانهم في الإيمان قبل حوالي اربعة عشر قرناً، بأننا نجتمع لنيل الحرية والسعادة والكرامة والمساواة والعدل من منهج الامام الحسين، ومن بطولاته وتضحياته، فالإنسان هو نفسه يبقى كما هو من أول الخليقة وحتى قيام الساعة، بنفس الخصال والطباع والغرائز والنوازع، كما أن قيم الحق والسُنن (القوانين) الإلهية تبقى حيّة لا تموت ولا تتغير، مثل؛ العدل، والحرية، والفضيلة، والأمانة، والصدق، وفي مقابلها؛ الغدر، والكذب، والبغي، والظلم، وأن انتهاج هذه الاساليب تؤدي بصاحبها –أو اصحابها- الى الدمار والشقاء، وليس السعادة والانتصار والتفوق، لأن {العاقبة للمتقين}، وليس لغيرهم.

ولعل هذا يفسّر تخلّي الملايين عن أعمالهم، وأموالهم، ومشاكلهم المعقّدة في العصر الحاضر، ثم تجشمهم عناء المسير للوصول الى كربلاء ومرقد الامام الحسين، من اجل ملامسة تلك القيم السامية، ثم التزوّد بها لتكون مفاتيح حلول لازمات نفسية واجتماعية وفكرية تشتدّ هذه الايام بشكل غريب، فقد تيقنوا بأن كل البدائل أثبتت فشلها في ايجاد حلول حقيقية ناجعة سوى الحل الكامن في كربلاء الحسين.

إن مشكلة الحرية –مثلاً- يعاني منها العربي وغير العربي، وغير المسلم، والفقير والغني، والعالم والجاهل، فما هو تعريفها بالأساس في هذا الزمن؟ وما هي مصاديقها؟ وكيف يكون الانسان حراً في حياته؟ بل كيف يكون المجتمع والأمة حرة وليست تابعة للغير؟

نعم؛ الاربعين الحسيني يجمعنا على ما نشره الامام السجاد والعقيلة زينب من أهداف النهضة الحسينية، كما تجمعنا عاشوراء على التضحية، والتحدي، والصمود، والإباء، وهي نعمة عظيمة لأبناء الأمة بأن يستثمروا هذا الاجتماع والاعتصام المليوني الهائل لتشكيل قوة مستدامة على طول ايام السنة لمعالجة ما نعانيه من أزمات في الميادين كافة.

اضف تعليق