مقدمة فطرية

الدِّين هو أمر فطري غرسه الله في طينة البشر من قبل أن يخلقهم، ولذا تجد هذه النزعة الروحية والميل الديني مغروساً في طبيعة البشر وطينتهم التي خلقهم الله عليهما منذ البداية، قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ). (الروم: 30)

فهذه الآية الكريمة تؤكد أن الدِّين هو دين الفطرة، وأنه دين قيِّم، أي أنه مستقيم ومعتدل لا عوج فيه، ولكنه يحتاج إلى مَنْ يُقيمه في حياة البشر، لأن القيام فعل يحتاج إلى فاعل، وهو يحتاج إلى أدوات ووسائل، ويمكن لنا أن نشبِّه الدِّين بفسطاط الله في هذا الدنيا، فهو بحاجة إلى أعمدة ليقوم عليها، وإلى راعي يحميه ويدافع عنه، وإلا فإنه لن يقوم ويستقيم.

دين العرب في الجاهلية

ويمكن أن نعرِّف الدِّين بما عرَّفه سماحة المرجع الكبير السيد صادق الشيرازي (دام ظله) حيث قال: (الدِّين؛ طريقة السلوك في الحياة)، فاعتبر الجانب العملي الواقعي في طريقة وأسلوب الممارسات الدينية، والروحية، والعقائدية في المجتمع، وهو ما يُطلق عليه ونُسمِّيه ديناً، ولذلك سننظر بنفس الطريقة والأسلوب للعرب في الجاهلية الأولى، قبل أن يبزغ فيهم نور الإسلام، ويُضيء حياتهم ضياء فجر القرآني البهيج حيث قشع عنهم ظلماتهم المتراكمة منذ قرون، وأخرجهم الله به من الظلمات إلى النور.

ومن أجمل مَنْ وصف العرب في تلك الفترة هو أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (ع) في خطبة له يقول فيها: (إِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّداً (ص) نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ، وَأَمِيناً عَلَى اَلتَّنْزِيلِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ اَلْعَرَبِ عَلَى شَرِّ دِينٍ، وَفِي شَرِّ دَارٍ مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَةٍ خُشْنٍ، وَحَيَّاتٍ صُمٍّ، تَشْرَبُونَ اَلْكَدِرَ، وَتَأْكُلُونَ اَلْجَشِبَ، وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ، وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ، اَلْأَصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ، وَاَلآْثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ). (نهج البلاغة: خ26)

وكل مَنْ يطَّلع على التاريخ العربي في تلك الفترة يعرف أنهم كانوا يعيشون حياة في غاية الصعوبة، والقساوة في الصحراء، وقساوة الحياة فيها، والإجتماع الذي بنوه على الغزو والقتل والدماء، فكانوا لا يطمئنون في ليلهم أو نهارهم خوفاً على أنفسهم وأهليهم وأموالهم التي ما كانت تتجاوز بعض الشياه، أو النوق والجِمال، فكانوا في حالة يُرثى لها حقاً من شدَّة الفتن فيهم فكانوا كما وصفهم أمير المؤمنين (ع) بقوله: (أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ اَلرُّسُلِ، وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ اَلْأُمَمِ، وَاِعْتِزَامٍ مِنَ اَلْفِتَنِ، وَاِنْتِشَارٍ مِنَ اَلْأُمُورِ، وَتَلَظٍّ مِنَ اَلْحُرُوبِ وَاَلدُّنْيَا كَاسِفَةُ اَلنُّورِ ظَاهِرَةُ اَلْغُرُورِ، عَلَى حِينِ اِصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا، وَإِيَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا، وَاِغْوِرَارٍ مِنْ مَائِهَا قَدْ دَرَسَتْ مَنَارُ اَلْهُدَى، وَظَهَرَتْ أَعْلاَمُ اَلرَّدَى، فَهِيَ مُتَجَهِّمَةٌ لِأَهْلِهَا، عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا، ثَمَرُهَا اَلْفِتْنَةُ، وَطَعَامُهَا اَلْجِيفَةُ، وَشِعَارُهَا اَلْخَوْفُ، وَدِثَارُهَا اَلسَّيْفُ). (نهج البلاغة: خ185)

وكذلك ما وصفتهم به سيدة نساء العالمين في خطبتها الفدكية المشهورة في المسجد النبوي الشريف وبحضور عام من المسلمين حيث قالت (ع): (وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ، مُذْقَةَ الشّارِبِ، وَنُهْزَةَ الطّامِعِ، وَقُبْسَةَ الْعَجْلانِ، وَمَوْطِئَ الأقْدامِ، تَشْرَبُونَ الطّرْقَ، وَتَقْتاتُونَ الْوَرَقَ، أذِلَّةً خاسِئِينَ، تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِكُمْ)، فالدِّين في العرب كان منحصراً بتلك الممارسات الخاصة بالأصنام، والأوثان، وزيارة البيت الحرام في مكة المكرمة، والطواف به حفايا عرايا نساء ورجالاً، وما كانت صلاتهم إلا صفقاً وصفيراً كما في الآية الكريمة، فلا يعرفون عن الله وعبادته إلا ما كانوا يفعلونه لأصنامهم.

فكانت حياتهم جحيماً بالنسبة إلى الاجتماع القبلي والعشائري وعاداتهم وأعرافهم التي يسنُّها لهم شيوخهم وطغاتهم، فالدِّين كان منحصراً في الأصنام، والعمل مقرونا بالآثام كالقتل والسرقة والنَّهب والغارات وشرب الخمر والزنا والرِّبا وكل أنواع الفواحش كانت فيهم حتى تخجل من الكتابة عنهم، فأبسط شيء كانوا يفعلونه ويفتخرون به أنهم كانوا يئدون بناتهم وهن حيَّات، ويقتلون أنفسهم إذا أملقوا وافتقروا بالعَفَاد (أو العَفَار)، حيث يخرجون جميعاً إلى الصحراء وكل منهم يحفر حفرة ويجلس فيها حتى يأتيه أجله فتدفنه الرياح بالرمال، حتى أنقذهم من هذه العادات العجيبة عمرو العلى (هاشم الخير) وأسس لهم رحلتي الشتاء والصيف فاغتنت قريش وصارت قبلة للعرب والعجم وكل مَنْ يأتي الجزيرة العربية.

محمد (ص) أقام الدِّين

على تلك الحالة وفي تلك الظروف القاسية جداً بعث الله محمداً (ص) في مكة المكرمة وهو أشرفها وأعظمها وأحلمها وأكرمها وكانوا يسمونه الصَّادق الأمين، وأنزل عليه القرآن الكريم ليخرجهم من ظلمات الجهل والجاهلية، إلى أنوار العلم والفهم ويدفعهم إلى طريق الشهرة والحضارة العالمية، فكان أعظم ما فعله أنه بنا لهم الدِّين وأقام فسطاط الله فيهم ودعاهم ليدخلوا في دين الله فأبوا وحاربوه طيلة عقدين من الزمن وما دخلوا إلا مكرهين مغصوبين بعد نيفاً وثمانين غزوة وسرية خاضها في كل الأنحاء، حتى ارتفعت أعمدة الدِّين على أصوله الخمسة؛ (التوحيد، والعدل، والنبوية، والولاية، والمعاد)، وانبسطت على فروعه الكثيرة من العبادات والمعاملات والأخلاق، فرفعهم من حضيض الكفر، والشرك، إلى ذروة الإيمان والتوحيد، وصارت لهم دولة حضارية قارعت كل الحضارات التي كانت في حينها ودحرتها كلها ببركة ذلك الفسطاط الإلهي الذي رفعه الرسول الأعظم (ص)، وتوسع ذلك الفسطاط حتى صار من سور الصين شرقاً، إلى جبال البرنيه في أواسط أوربا غرباً، في دولة واحدة وراية التوحيد ترفرف في سمائها، وآلاف المآذن تصدح فيها (40) ألف مسجد يرفعون الأذان ويصلون إلى قبلة واحدة.

ولكن المشكلة التي سقط فيها المسلمون والعرب من بعدهم أنهم يهلكون بالعصبية كما أخبرهم الرسول الأكرم (ص)، فتعصَّبوا لقريش بالباطل، وقريش أكلها الحسد من الداخل فتعاهدوا وتعاقدوا وكتبوا صحائف بينهم كصحيفة المقاطعة لبني عبد المطلب وحصارهم في الشعب لمدة ثلاث سنوات عجاف، وكانت لإقصائهم عن الخلافة والحكم ودفنوها في الكعبة المشرفة أيضاً (لئن مات أو قتل محمد لنزوين الملك عن أهل بيته)، وبالفعل فعلوا جهدهم وجهادهم لإقصاء أهل البيت الأطهار (ع) لا سيما رأسهم وكبيرهم الإمام علي (ع) الذي بنا لهم الإسلام بسيفه وقتاله ولَّيهم الذي بايعوه في يوم غدير خم على السمع والطاعة، ولكن انقلبوا على أعقابهم متمسكين ومتعصبين لقريش الباطلة، وكأن الإمام علي (ع) وأهل البيت لم يكونوا من قريش، فاحتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة كما قال لهم أمير المؤمنين الإمام علي (ع) الذي كان أولى الناس بالناس كما اعترفوا هم أنفسهم، وكما في خطبة الغدير حيث قال لهم رسول الله (ص): (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلا، فقال لهم: مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ؛ اَللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ وَمَنْ عَادَاهُ، وَاُخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ، وَاُنْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَأَدِرْ الحّقَّ مَعَهُ حَيثُ دَارَ)، فتركوا ولايته، ونصرته، وخذلوه، وهجروا الحق وراحوا يدورون حول القوة والعصبية فتداولوها في بيوتهم إلى أن وصلت إلى الشجرة الملعونة في القرآن بني أمية، وهم أبغض الأحياء إلى الله ورسوله، والأفجران الذين أحلُّوا قريش دار البوار بشهادة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب فقد روى الطبري، وفتح الباري عن ابن عباس أنه سأل عمر عن هذه الآية: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) (إبراهيم: 28) فقال: مَنْ هم؟ قال: هم الأفجران من بني مخزوم وبني أمية، أخوالي وأعمامك! فأما أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر، وأما أعمامك فأملى الله لهم إلى حين)!

وبرواية من طريق الإمام علي (ع) عن تفسيرها، قال: (هم الأفجران بنو أمية وبنو المغيرة، فأما بنو المغيرة فقطع الله دابرهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين). (فتح الباري: 8 ص 287، وعبد الرزاق، والنسائي، وصححه الحاكم)

فالدِّين الذي رفعه وأقامه رسول الله (ص) طيلة عمر الرِّسالة وهو حوالي ربع قرن صار رأسه عدوَّه اللدود من بني أمية، وهذا من أعجب العجب في تاريخ الدولة الإسلامية علماً أن الخلافة والحكم حرام عليهم بنصٍّ من رسول الله (ص) يرويه سبطه الإمام الحسين (ع) لمروان بن الحكم في اليوم الأول لرفضه البيعة ليزيد: (عَلَى اَلْإِسْلاَمِ اَلسَّلاَمُ إِذْ قَدْ بُلِيَتِ اَلْأُمَّةُ بِرَاعٍ مِثْلِ يَزِيدَ وَلَقَدْ سَمِعْتُ جَدِّي رَسُولَ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) يَقُولُ: اَلْخِلاَفَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى آلِ أَبِي سُفْيَانَ). (اللهوف علی قتلی الطفوف: ج۱ ص۲۱)

وفي رواية أخرى (عَلَى الإِسلَامِ العَفَى)، أي أن الإسلام تهدَّمت خيمته وسقط فسطاطه، وماتت أمته إذ وصل الحكم لشخص مستهتر ومتحلل من كل شيء كيزيد الشَّر، فأكبر نكبة نُكب بها الإسلام وصول معاوية بن أبي سفيان إلى السلطة ليورِّثها لولده الفاسق الفاجر السكِّير الخمِّير الذي كان يلعب بالقرود والفهود ولا يترك محرماً إلا ويرتكبه، والناس على دين ملوكهم – كما في المثل – فالأمة الإسلامية كانت في خطر حقيقي في ذلك الظرف الدَّقيق والحساس جداً من قبل القيادة السياسية والسلطة القرشية التي كانت تعمل لإعادة الأمة إلى الأعراف والعادات والدِّين في الجاهلية التي أنقذهم الله منها.

فتنة بني أمية الكبرى

فالحق يقال: أن أكبر فتنة أُصيب بها العرب والمسلمون كانت فتنة بني أمية الظالمة المظلمة، والتي كانت الصَّيلم لهم، أي التي تعمل على استئصالهم من جذورهم وقد نبَّههم أمير المؤمنين الإمام علي (ع) قبل ذلك بسنوات حيث قال: (إِنّ الْفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهِتْ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ نَبَّهَتْ، يُنْكَرْنَ مُقْبِلاَت، وَيُعْرَفْنَ مُدْبِرَات، يَحُمْنَ حَوْمَ الرِّيَاحِ، يُصِبْنَ بَلَداً وَيُخْطِئْنَ بَلَداً.. أَلاَ وَإِنَّ أَخْوَفَ الْفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فَتْنَةُ بَنِي اُمَيَّةَ، فإِنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ مُظْلِمَةٌ: عَمَّتْ خُطَّتُهَا، وَخَصَّتْ بَلِيَّتُهَا، وَأَصَابَ الْبَلاَءُ مَنْ أَبْصَرَ فِيهَا، وَأَخْطَأَ الْبَلاَءُ مَنْ عَمِيَ عَنْهَا.

ثم قال مقسماً: (وَايْمُ اللهِ لَتَجِدُنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَكُمْ أَرْبَابَ سُوْء بَعْدِي، كَالنَّابِ الضَّرُوسِ؛ تَعْذِمُ بِفِيهَا، وَتَخْبِطُ بِيَدِهَا، وتَزْبِنُ بِرِجْلِهَا، وَتَمْنَعُ دَرَّهَا، لاَ يَزَالُونَ بِكُمْ حَتَّى لاَ يَتْرُكُوا مَنْكُمْ إِلاَّ نَافِعاً لَهُمْ، أَوْ غَيْرَ ضَائِر بِهِمْ، وَلاَ يَزَالُ بَلاَؤُهُمْ حَتَّى لاَ يَكُونَ انْتِصَارُ أَحَدِكُمْ مِنْهُمْ إِلاَّ مثل انْتِصَارِ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ، وَالصَّاحِبِ مِنْ مُسْتَصْحِبِهِ، تَرِدُ عَلَيْكُمْ فِتْنَتُهُمْ شَوْهَاءَ مَخْشَيَّةً، وَقِطَعاً جَاهِلِيَّةً، لَيْسَ فِيهَا مَنَارُ هُدىً، وَلاَ عَلَمٌ يُرَى). (نهج البلاغة: خ 92)

يقول الماوردي في الأحكام السلطانية: "أما ما حدث بعد ذلك على أيدي بني أمية، فليس من الإسلام في شيء، بل لا قيمة له في ميزان الإسلام، ويقول سيد قطب: "فلمَّا جاء بنو أميَّة وصارت الخلافة الإسلامية ملكاً عضوضاً فيهم بالوراثة، لم يكن ذلك من روح الإسلام، إنَّمَا كان من حُمق الجاهلية الذي أطفأ إشراقة الروح الإسلامي". (الأحكام السلطانية: ج1 ص21)

ويقول سيد قطب: (إن معاوية وزميله عمرو (بن العاص)، لم يغلبا علياً لأنهما أعرف منه بدخائل النفوس، وأخبر منه بالتَّصرف النافع في الظرف المناسب، ولكن لأنهما طليقان في استخدام كل سلاح، وهو مقيد بأخلاقه في اختيار وسائل الصِّراع، وحين يركن معاوية وزميله إلى الكذب، والغش، والخديعة، والنفاق، والرشوة، وشراء الذِّمم، لا يملك علي (ع) أن يتدلَّى إلى هذا الدَّرك الأسفل، فلا عجب ينجحان ويفشل، وإنه لفشل أشرف من كل نجاح). (كتب وشخصيات: ص242)، ففتنة بني أمية كانت جاهلية بكل ما في الكلمة من معنى وفي واقعها من مبنى من الظلم والقسوة والجهل والجاهلية.

الإمام الحسين (ع) أقام الدِّين بنهضته

والإمام الحسين (ع) إمام قام أو قعد، وسيد شباب أهل الجنة، وسبط رسول الله (ص) وابن باني الإسلام بسيفه، وبضعة من سيدة نساء العالمين، ويرى أن كل هذا الدِّين العظيم الذي أقامه جده بسيف والده ومال جدَّته يهدمه صبيان النار من بني أمية ويأتون إليه زاحفين طالبين منه البيعة والإقرار لهم بالطاعة، وإعطاءهم الشَّرعية بالحكم بأعراف الجاهلية.

ويأتيك متفلسف ليقول لك: لماذا لم يُبايع كما نصحه (الوزغ ابن الوزغ الملعون ابن الملعون) مروان بن الحكم في أول يوم لرفضه البيعة أو يضرب عنقه، لأن ذلك خير له حين قَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اَللَّهِ إِنِّي لَكَ نَاصِحٌ فَأَطِعْنِي تُرْشَدْ، فَقَالَ اَلْحُسَيْنُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): وَمَا ذَاكَ قُلْ حَتَّى أَسْمَعَ؟ فَقَالَ مَرْوَانُ: إِنِّي آمُرُكَ بِبَيْعَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَكَ فِي دِينِكَ وَدُنْيَاكَ). (اللهوف علی قتلی الطفوف: ج۱ ص۲۱)

فهذا من عجائب الدَّهر أن يأتي الوزغ الملعون، لينصح الطُّهر المَصون، بأن يُبايع يزيد الشَّر وأن ذلك خير له في دينه ودنياه؟، وما أدراه ذاك الوزغ بالخير وكل الخير عند الحسين وفي باب الحسين (ع) لأنه من أهل البيت الذين (إِنْ ذُكِرَ الْخَيْرُ كُنْتُمْ أَوَّلَهُ وَأَصْلَهُ وَفَرْعَهُ وَمَعْدِنَهُ وَمَأْوَاهُ وَمُنْتَهَاهُ)، وهو الذي قال للوليد في تلك الليلة: (أَيُّهَا اَلْأَمِيرُ إِنَّا أَهْلُ بَيْتِ اَلنُّبُوَّةِ وَمَعْدِنُ اَلرِّسَالَةِ وَمُخْتَلَفُ اَلْمَلاَئِكَةِ وَبِنَا فَتَحَ اَللَّهُ وَبِنَا خَتَمَ اَللَّهُ وَيَزِيدُ رَجُلٌ فَاسِقٌ شَارِبُ اَلْخَمْرِ قَاتِلُ اَلنَّفْسِ اَلْمُحَرَّمَةِ مُعْلِنٌ بِالْفِسْقِ وَمِثْلِي لاَ يُبَايِعُ بِمِثْلِهِ). (اللهوف: ج۱ ص۲۱)

فالمقارنة كانت في الأصل بين مَنْ يُريد إقامة الدِّين، وبين مَنْ يريد هدم الدِّين ويعيش في الجاهلية مع الجاهلين، والعجيب أن الإمام الحسين (ع) يُبيِّن أصل هذا الأمر بقوله: (إِنَّا وَبَنُو أُمَيَّةَ تَعَادَيْنَا فِي اَللَّهِ، فَنَحْنُ وَهُمْ كَذَلِكَ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ، فَجَاءَ جَبْرَئِيلُ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) بِرَايَةِ اَلْحَقِّ فَرَكَزَهَا بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَجَاءَ إِبْلِيسُ بِرَايَةِ اَلْبَاطِلِ فَرَكَزَهَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ). (بحار الأنوار: ج۳۱ ص۳۰۸)

كما أن حفيده العظيم الإمام الصادق (ع) يُبيِّن حقيقة هذا العداء بما لا مزيد حيث يقول: (إِنَّا وَآلُ أَبِي سُفْيَانَ أَهْلُ بَيْتَيْنِ تَعَادَيْنَا فِي اَللَّهِ قُلْنَا: صَدَقَ اَللَّهُ، وَقَالُوا: كَذَبَ اَللَّهُ، قَاتَلَ أَبُو سُفْيَانَ رَسُولَ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وَقَاتَلَ مُعَاوِيَةُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، وَقَاتَلَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ اَلْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، وَاَلسُّفْيَانِيُّ يُقَاتِلُ اَلْقَائِمَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ). (بحار الأنوار: ج۳۳ ص145)

فالأمر كله لله، وفي الله، وفي دين الله، حيث يُريد أهل البيت الأطهار (ع) إقامة الدِّين، ويريد بني أمية وشياطينهم هدم الدِّين، وردمه، ودفنه، كما صرَّح معاوية يوماً للمغيرة بن شعبة، حين قال له: (لَا وَاللهِ إِلَا دَفَنَاً دَفنَاً)، فهم يريدون الجاهلية بكل مآسيها وويلاتها، وأهل البيت (ع) يريدون الإسلام بكل هدايته، ونوره، وبهائه، وعظمته، وحضارته.

فإذا فقهنا، وفهمنا هذه المعادلة الأساسية في مسألة النهضة الحسينية المباركة يمكن لنا أن نفهم أول قيمة من قيم النهضة العملاقة لأبي الأحرار الإمام الحسين (ع)، ونبني أول مدماك في بناء الحضارة الحسينية الراقية ألا وهو الدِّين العظيم، بكل ما فيه من عبادات، ومعاملات، وفضائل وأخلاقيات، وإذا لم نفهم أو ندرك هذه القيمة فإننا لن نتصور النهضة الحسينية كما يجب أو ينبغي لأنها نهضة كبرى من أجل قيام الدِّين وتوحيد رب العالمين.

يقول الإمام الشيرازي مبيِّنا هذا الجانب: "إن الإمام الحسين (سلام الله عليه) أقام دين جدّه (صلّى الله عليه وآله)، ولولاه لما قامت للدِّين الإسلامي قائمة"، ثم يقول سماحته: "إن الحسين (سلام الله عليه) أقام الدِّين وحفِظ الشريعة، فلولا الحسين لما كانت الصلاة اليوم، ولا الصيام، ولا حجَّ البيت أحدٌ؛ لأنّ بني أمية كانوا على وشك القضاء على الدِّين، ولكن الحسين (سلام الله عليه) حفظه وأقامه بدمه ودماء أهل بيته".

ثم يستطرد سماحته: "ولولا الإمام الحسين (سلام الله عليه) لمحا هذا الذِّكرَ (محمد رسول الله)، معاوية ويزيد وآل مروان بعدهما، ولعادت الجاهلية، فكذا كان تخطيط معاوية، ولكن الله تعالى شاء أن يرى الإمام الحسين قتيلاً! لأن إرادته تعالى تعلّقت بإنقاذ الدِّين بأساليب طبيعية غير غيبية.. وهكذا كان إنقاذ دين الله متوقّفاً على دم الحسين (سلام الله عليه)، ولولا شهادة الحسين وأهل بيته لما بقي للإسلام من أثر، وهذا الشيخ محمد عبدة من كبار علماء الأزهر، يقول: "لولا الإمام الحسين (سلام الله عليه) لما بقي للإسلام أثر".

وينقل الشيخ محمد شريعت (رحمه الله): أنّه كانت تربطه صداقة بقسّ مسيحي فقال له يوماً: "أنتم الشيعة عندكم الحسين (سلام الله عليه) ولكنّكم لا تستفيدون منه كما ينبغي، ولو كان عندنا الحسين فقط لركزنا في كلّ شبر من الأرض عَلَماً باسم الحسين نجمع الناس حوله ونبلّغهم ديننا ولما تركنا إنساناً على وجه الأرض إلاّ دعوناه إليه".

وكثيرة هي الشهادات في هذا المجال ولا مكان لها في هذا المختصر، ولكن ما نريد أن نؤكده بأن مفتاح القيم للنهضة الحسينية هو هذه القيمة الكبرى في الحياة الإنسانية ألا وهو قيام الدِّين الذي كان وصية الله لكل الأنبياء حيث قال لهم: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ). (الشورى: 13)

والإمام الحسين (ع) باعتباره وصي لآخر الأنبياء، وإمام على كل حال نهض من أجل هذه الوصية الربانية للأنبياء جميعاً (أقيموا الدِّين)، لأنه لا دين بعد الإسلام، وراعي وحاكم الإسلام الأموي يريد أن يدفن الدِّين ويهدم فسطاط الله في خلقه، فما كان من الإمام الهُمام الحسين بن علي (ع) إلا أن يقوم قومته العملاقة، وينهض بنهضته المباركة ليقيم دين الله في خلقه فادياً ذلك بنفسه، وساقياً شجرته بدمه الطاهر الزكي ليبقى راية هُدى عبر الأجيال وفي كل زمان ومكان، كما في حديث أم أيمن: (لَقَدْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَاقَ أُنَاسٍ مِنْ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ لاَ تَعْرِفُهُمْ فَرَاعِنَةُ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ، وَهُمْ مَعْرُوفُونَ فِي أَهْلِ اَلسَّمَاوَاتِ أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ هَذِهِ اَلْأَعْضَاءَ اَلْمُتَفَرِّقَةَ فَيُوَارُونَهَا، وَهَذِهِ اَلْجُسُومَ اَلْمُضَرَّجَةَ وَيَنْصِبُونَ لِهَذَا اَلطَّفِّ عَلَماً لِقَبْرِ أَبِيكَ سَيِّدِ اَلشُّهَدَاءِ لاَ يَدْرُسُ أَثَرُهُ وَلاَ يَعْفُو رَسْمُهُ عَلَى كُرُورِ اَللَّيَالِي وَاَلْأَيَّامِ وَلَيَجْتَهِدَنَّ أَئِمَّةُ اَلْكُفْرِ وَأَشْيَاعُ اَلضَّلاَلَةِ فِي مَحْوِهِ وَتَطْمِيسِهِ فَلاَ يَزْدَادُ أَثَرُهُ إِلاَّ ظُهُوراً وَأَمْرُهُ إِلاَّ عُلُوّاً). (كامل الزيارات: ج۱ ص260)

وهذا ما نرى تأويله وتفسيره بأم العين فالإمام الحسين (ع) ونهضته صارت ملأ العين والسمع والبصر في هذا العصر الرقمي، وسيأتي اليوم الذي يقف العالم ويُنادي بصوت واحد؛ (لبيك يا حسين)، لأن الحسين (ع) ثأر الله، الذي أقام الدِّين بنهضته المباركة.

اضف تعليق