عبد الله الرضيع بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع)، أصغر جندي في معركة الطف وأعظم وأكبر شاهد وشهيد على كفر واجرام بني أمية، استشهد عبد الله الرضيع وكما نقلت بعض المصادر، وهو ابن ستة أشهر عطشاناً بسهم مسموم ذي ثلاث شعب صوبه اللعين حرملة بن كاهل الأسدي الكوفي وذبحه من الوريد الى الوريد، وهو بين يدي أبيه، ودفنه الإمام زين العابدين بجنب أبيه الإمام الحسين (عليهما السلام).

عبد الله الرضيع كان رسالة من رسائل الإمام الحسين (ع) الخالدة، تثبت عظم ومصداقية هذه الثورة المقدسة، التي جاءت من اجل الدفاع عن عزة وكرامة وحرية الانسان والنضال ضد الطغيان والكفر والالحاد، بقيادة يزيد بن معاوية لعنة الله عليه ومن معه من طلاب السلطة والحكم، أمثال عبيد الله بن زياد وعمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن، وحرملة بن كاهل الأسدي ذلك الوحش البشري المتعطش للدماء وقاتل الطفل الرضيع الذي هب لنصرة الامام المظلوم بعد ان سمعه يقول أما من ناصرٍ ينصرنا؟

وتفاصيل استشهاد الرضيع في العاشر من المحرّم 61ﻫ بواقعة الطف، كما نقلتها بعض الروايات تشير الى انه وبعد ان عاد الإمام الحسين(ع) إلى المخيم ليودّع عياله، وإذا بزينب الكبرى (عليها السلام) استقبلته بعبد الله الرضيع قائلةً: أخي، يا أبا عبد الله، هذا الطفل قد جفّ حليب أُمّه، فاذهب به إلى القوم، علّهم يسقونه قليلاً من الماء، فأخذه منها وجعل يُقبّله وهو يقول: وَيْلٌ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِذَا كَانَ جَدُّكَ مُحَمَّدٌ المُصْطَفَى خَصْمَهُمْ.

ثمّ خرج راجلاً يحمل الطفل الرضيع، وكان يُظلّله من حرارة الشمس، فقال (ع): أيّها الناس، إن كانَ ذنبٌ للكبارِ فما ذنبُ الصغار؟ اختلف القوم فيما بينهم، فمنهم مَن قال: لا تسقوه، ومنهم مَن قال: أُسقوه، ومنهم مَن قال: لا تُبقوا لأهل هذا البيت باقية، عندها التفت عمر بن سعد إلى حرملة بن كاهل الأسدي وقال له: يا حرملة، اقطع نزاع القوم.

يقول حرملة: فهمت كلام الأمير، فسدّدت السهم في كبد القوس، وصرت انتظر أين أرميه، فبينما أنا كذلك إذ لاحت منّي التفاتة إلى رقبة الطفل، وهي تلمع على عضد أبيه الحسين (ع) كأنّها إبريق فضّة، عندها رميته بالسهم، فلمّا وصل إليه السهم ذبحه من الوريد إلى الوريد، وكان الرضيع مغمىً عليه من شدّة الظمأ، فلمّا أحسّ بحرارة السهم رفع يديه من تحت قماطه واعتنق أباه الحسين(ع)، وصار يرفرف بين يديه كالطير المذبوح.

عندئذٍ وضع الحسين(ع) يده تحت نحر الرضيع حتّى امتلأت دماً، ورمى بها نحو السماء قائلاً: اللّهم لا يكن عليكَ أهونَ من فصيلِ ناقةِ صالح. ثمّ قال: هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ الله. قال الإمام الباقر (ع): فَلَمْ يَسْقُطْ مِنْ ذَلِكَ الدَّمِ قَطْرَةٌ إِلَى الْأَرْضِ. وسمع (ع) قائلاً يقول: دعه يا حسين، فإنّ لهُ مُرضِعاً في الجنّة. ثمّ عاد به الحسين(ع) إلى المخيم، فاستقبلته سكينة وقالت: أبة يا حسين، لعلّك سقيت عبد الله ماءً وأتيتنا بالبقية؟ أجابها(ع): بُنيَّ سكينة، هذا أخوكِ مذبوحٌ من الوريدِ إلى الوريد.

ولقد ذكرت أغلب الروايات أن الإمام الحسين (ع) قام بدفن رضيعه الشهيد خلف الخيام، حيث حفر له بسيفه قبراً ووسّده فيه. "وذكرت بعض الأخبار أن الحسين (ع) أوصى ولده علي بن الحسين (ع) بدفن ولده الرضيع إلى جنبه قائلاً له: بني علي إذا أتيت لمواراة الأجساد وسد رضيعي إلى جنبي، فدفنه زين العابدين (ع) مع أبيه الحسين (ع).

الطفل الرضيع كان اخر انصار الامام الحسين (ع) في معركة الطف الخالدة، وكان اهم شاهد على كفر واجرام الجيش الاموي، الذي انتهك كل الحرمات والقوانين الإلهية بقتلهم الامام الحسين(ع) سبط رسول الله (ص) وريحانته وسيد شباب اهل الجنة وباقي اهل بيته الكرام. ومع هذه السطور نقول كما ورد في زيارة الناحية المقدّسة للإمام المهدي (ع): «اَلسَّلاَمُ عَلَى عَبْدِ اَللهِ بْنِ اَلحُسَيْنِ، اَلطِّفْلِ اَلرَّضِيعِ، وَاَلمَرْمِيِّ اَلصَّرِيعِ، اَلمُتَشَحِّطِ دَماً، اَلمُصَعَّدِ دَمُهُ فِي اَلسَّمَاءِ، اَلمَذْبُوحِ بِالسَّهْمِ فِي حَجْرِ أَبِيهِ، لَعَنَ اَللهُ رَامِيَهُ حَرْمَلَةَ بْنَ كَاهِلٍ اَلْأَسَدِيَّ وَذَوِيهِ»

ويقول الشيخ محمّد رضا الخزاعي (قدّس سرّه) في ابيات خاصة:

ولو تراهُ حاملاً طفلَهُ *** رأيتَ بدراً يحملُ الفرقدا

مُخضَّباً من فيضِ أوداجِهِ *** ألبسَهُ سهمُ الردى مجسدا

تحسبُ أنَّ السهمَ في نحرِهِ *** طوقٌ يُحلِّي جيدَه عسجدا

ومُذْ رنت ليلى إليه غدتْ *** تدعو بصوتٍ يصدعُ الجلمدا

تقولُ عبدُ الله ما ذنبُهُ *** مُنفطماً آبَ بسهمِ الردى

قد كنتُ أرجو فيه لي سلوةً *** فخيَّبوا ما كنتُ أرجو العدى

لَمْ يمنحُوه الوِرْدَ إذْ صيَّروا *** فيضَ وريدَيْهِ لَهُ موردا

أفديهِ مِنْ مُرتضعٍ ظامياً *** بمُهجتي لو أنّهُ يُفتدى

اضف تعليق