يعرف الصبر عموماً على انه المنع او الحبس الذي تمارسه النفس عن القيام بشيء ما، اما الصبر لغةً فهو التجلُّد وحسن الاحتمال والصَّبْرُ عن المحبوب حَبْسُ النفس عنه. والصبر على المكروه احتماله دون جزع وشهر الصبر شهر الصوم، لما فيه من حَبْس النفس عن الشهوات (المعجم الوسيط).

علم النفس من جهته ينظر الى الصبر الى انه القدرة على اتخاذا القرارات السليمة في وقت المشكلة بوثوق وذكاء ودراية للظفر بمكافأة صغيرة في الأجل القصير، أو مكافأة أكثر قيمة على المدى الطويل، وحين يطرح الاختيار على الإنسان فأنه في اغلب حالاته يفضل ما هو قريب على ما هو بعيد على الرغم من كون الفوائد ذات المدى البعيد أكثر واعلى قيمة غير الانسان عجولاً في امره وهذا ما يوقعه في الكثير من المشكلات لعدم ادراكه النتائج.

الصبر سلاح لو امتلكه الانسان فقد امتلك القوة والقدرة على مواجهة المواقف الطارئة وغير المحسوبة في الحياة، لكن من المؤسف ان عالمنا الان الذي يدعى بعصر السرعة اصبح يفتقد الى الصبر وربما نسيه فلم تبقى لهذه القيمة الانسانية العظيمة وجود فأصبح الصبر بضعة دقائق أو حتى بضعة ثواني يبدو أمراً صعباً للغاية على الكثيرين، ورغم ادعاءات الكثيرين بضرورة مواكبة موجة السرعة ومسايرتها الا ان الحقيقة الواقعية تقول ان القرارات التي تتخذ بهدوء وتأني هي الأفضل والتصرفات السريعة التي غالباً نسعى بها لمواكبة الحياة تكون أسوأ بكثير مما نتوقع.

التاريخ يخبرنا بسير الكثير من الناس الذين صبروا على الرزايا والمآسي لكن لم يخبرنا بأحد كالأمام الحسين (عليه السلام) في قوة صبره وتحمله للمصائب في كربلاء، فما حصل له في العاشر من شهر محرم الحرام في العام الواحد وستون هجري من ويلات لا اعتقد ان انسان يتحملها ويصبر عليها مهما حمل من الايمان والثبات إلا الإمام الحسين ‏(عليه السلام) كان صابراً محتسباً واعياً لما يحدث معه،‏ فهو الذي تعجبت من صبره ملائكة السماء على حد وصف الإمام الحجة (عج) في زيارة الناحية المقدسة.

كثيرة هي المصائب التي صبر عليها الامام الحسين (عليه السلام) وربما يتعذر علينا حصرها او الاحاطة الكاملة بها فما لا ندركه كله لا نترك جله وعليه سوف نذكر بعض المصائب التي جرت على الحسين(عليه السلام) منها: فراقه لمدينة جده النبي الاكرم (صلى الله عليه واله) المدينة المنورة التي نشأ وتربى فيها متوجهاً إلى كربلاء متحملاً ألم الفرقة والابتعاد عن الوطن الذي احتواه وكبر فيه، ومتحملاً لعملية انتقال عائلته وذويه الذين رافقوه الى كربلاء وما تخلل تلك العملية من صعوبات سيما مع وجود عدد كبير من الاطفال والنساء في قافلته النبوية.

ثاني المصائب التي صبر عليها الحسين (عليه السلام) صبراً لا يدانيه فيه احد صبره على عطش عياله واطفاله سيما حين رأى رضيعه مغمى عليه لشدة العطش كما يقول الرواة (وكان من أفجع وأقسى ما نكب به رزيته بولده عبد الله الرضيع، فقد كان كالبدر في بهائه، فأخذه وجعل يوسعه تقبيلًا ويودعه الوداع الأخير) لك ان تتخيل عزيزي القارئ ان طفلاً بهذا الجمال والصفات يقتله العطش امامك ماذا ستفعل؟، فمن منا يسيطر على تصرفاته ويبقى هادئاً متزناً وهو بهذا الموقف؟، الم يكن احدنا فيما لو وضع في نفس الموقف يقيم الدنيا ولا يقعدها ليأتي بالماء ومهما كلف الثمن؟، وبعد مصيبة العطش قتل الرضيع على يده مخضب بالدماء ولم يتصرف بعصبية كما نتصرف به نحن البشر البسطاء واكتفى بأحتسابه عند خالقه الذي يسير الامور بهذه الطريقة.

ثم صبره (عليه السلام) على استشهاد ولده علي الاكبر والقاسم بن الامام الحسن (عليهما السلام) هو قمة الشجاعة والقوة والتماسك، فمن منا يأذن لشابين بالقتال وهو يعرف ان مصيرهما القتل وهو الذي يقول في احدهما وهو علي الاكبر (اللهم اشهد على هؤلاء القوم فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خَلْقاً وخُلُقاً ومَنْطِقاً برسولك، كنا إذا اشتقنا إلى نبيك نظرنا إلى وجهه)، فكم الصبر الذي يمتلك الحسين لا يصدقه الا راسخ الايمان وثابت العقيدة، وحتى القاسم بن الحسن كان يحمل من الجمال الكثير ومن الحب في قلب الحسين الكثير ايضاً ورغم هذا الحب سمح له بالقتال واستشهد بعد ذلك ، اي روح يحمل الحسين واية صلابة تجعله يتصف بهذه الجلادة؟

ومصيبة العباس (عليه السلام) من اشد من المصائب على الحسين عليه السلام لكون اخاه ووزيره وحامل لوائه وكبش كتيبته وكافل أخته زينب (عليها السلام) رغم كل هذه الصفات التي تجعله روح الحسين وفؤاده الا انه قدمه للحرب واستشهد جراء تلك الحرب ولم يكن منه سوى احتسابه عند الله جل في علاه، ثم ان حرق الخيام التي كان يعلم بمصيرها ويعرف انها تحدث بعد استشهاده وأن النساء سوف تسبى لكن ذلك لم يكون بالنسبة اليه نقطة ضعف تدعوه الى الاستسلام في الحرب واعلان الطاعة لمناوئيه، فودع النساء وماتبقى من عياله بقوله: (استعدوا للبلاء، واعلموا أن الله تعالى حاميكم وحافظكم، وسينجيكم من شر الأعداء، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير، ويعذب عدوكم بأنواع العذاب، ويعوضكم عن هذه البلية بأنواع النعم والكرامة . فلا تشكوا، ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص من قدركم)، فكم يحمل امامنا من الصبر هذا الامام العظيم؟ .

لولا جهاد الحسين (عليه السلام) وصبره لما بقي الإسلام الحقيقي الى يومنا الذي نعيش، وصبر الحسين (عليه السلام) هو الذي صان الاسلام وحماه وابقاه شامخاً ومناراً للعدالة والسمو والرفعة والاباء وكل القيم الطيبة، فالسلام عليك سيدي يا صاحب الصبر العظيم وياربان سفينة الحرية وموقد شمعتها ابداً ما بقيت وبقي الليل والنهار.

اضف تعليق