مقدمة تربوية

التاريخ البشري يؤكد بأن الله سبحانه أرسل الأنبياء والرسل (ع) لتربية البشر، وتعليمهم، وتزكيتهم وإخراجهم من ظلمات الجهل، إلى أنوار العلم والتقدم والحضارة، فالبشر عاشوا على مائدة السماء وتربوا في محضر الأنبياء والأولياء من خِيَرة الله لهم، قال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (آل عمران: 164)

يقول الإمام الشيرازي الراحل (قدس سره): "إن علماء الدنيا من المخترعين والمكتشفين والأطباء ومن أشبه يهتمون بتقديم الخدمات المادية للمجتمع الإنساني، أما الأنبياء والأئمة الأطهار (ع) وعلماء الدِّين فإنهم مضافاً إلى ما يقدِّمونه لسعادة البشر مادياً، يهتمون بالجانب الرُّوحي أيضاً الذي هو أهم من الجانب المادي بكثير، فإن قيمة الإنسان ترتبط بروحه ونفسه أولاً، لا ببدنه المادي فحسب.

نعم، إن علماء الدنيا من المخترعين والمكتشفين يهيئون بعض وسائل الحياة المريحة والمرفهة للإنسان، ولكن أولياء الله يعلمونه كيف يستفيد من تلك الوسائل، فإن الآلات المتطورة والمريحة إذا لم تكن بجانبها تعليمات مناسبة ربما يكون ضررها أكثر من نفعها إذا استفاد الإنسان منها بشكل غير مناسب بحيث أضرته أو أضرت بني نوعه، ومن هنا يتضح أهمية دور المعلم الأخلاقي والطبيب الروحي في حياة الإنسان، وهم الأنبياء والأئمة وتلامذتهم.

فإذا فرضنا للإنسان مجتمعاً لا يمتلك فيه وسائل الرفاه يمكن أن نتصور له عيشاً هادئاً بسيطاً، ولكن إذا كان يمتلك مختلف أنواع وسائل الرفاه من دون أن يعرف الموازين الأخلاقية والإنسانية ومن دون أن يطبق التعاليم المعنوية والروحية فإن الحياة تصبح جحيما على البشرية، ولا يمكنهم الاستمرار في الحياة". كما نرى ونعيش في هذا العصر الأغبر من طغيان المادة والحضارة الرقمية، وأهلها الذين ضربوا بكل القيم والفضائل والأعراف عرض الحائط، وتخلُّوا حتى عن الإله الذي يظنون أنهم قتلوه، كما قال ذاك...، في كتابه "وهم الإله"، والعياذ بالله.

ثم يقول الامام الشيرازي: "وبهذا يتضح شيئاً عن أهمية دور حجج الله على الخلق، من الأنبياء والأئمة (ع) وضرورة وجودهم المبارك، ومن هؤلاء الطاهرين الإمام السجاد (ع) فهو من المعلمين الصالحين وأطباء الروح الإلهيين الذين أمرهم الله عز وجل بهداية الخلق وجعلهم أئمة معصومين وفرض طاعتهم على الناس أجمعين". (الإمام زين العابدين (ع) قدوة الصالحين؛ السيد محمد الشيرازي: ص19)

دور الإمام السجاد (ع)

وعاشت الأمة الإسلامية بنوع من الضياع الفكري، والبلبلة العقائدية، لأنهم أصيبوا بانفصام في الشخصية الاجتماعية للأمة، بما فعلوه بأيديهم وبأوامر الحكام السلاطين، وهم يدَّعون أنهم خلفاء رسول الله (ص)، وظل الله في الأرض، فكيف يكون كذلك ويرتكبون كل تلك الجرائم؟

ولم يكن هناك إلا البقية الباقية من آل البيت الأطهار (ع) الذي نجى بمعجزة إلهية من مجزرة كربلاء في يوم عاشوراء المأساة الخالدة، وعاش رحلة السبي بعد المجزرة فرأى الذل والمهانة من أمة تعتقد به وتُصلي عليه في صلاتها، وارتدَّ الناس إلا ثلاثة –كما في بعض الروايات– فابتعدوا عن أهل البيت (ع) خوفاً من السلطة الأموية الغاشمة، فكان الإمام السجاد (ع) يعيش في المدينة وكأنه من الأغراب الذين لا يزوره إلا بعض خواصِّه، فكان عليه أن يقوم بدوره في قيادة الأمة بمحاولة منه (ع) لإعادة التوازن للأمة كلها.

والله تعالى قد تكفَّل بحفظ الإسلام، والقرآن، ولكن ليس بطريق غيبي إعجازي، إلا عند الضرورة القصوى، بل بطريق واقعي كما عبَّر عنه حديث الثقلين المتواتر في هذه الأمة، يقول الإمام الراحل: "إن الله قد وعد بحفظ القرآن الكريم، ومن الواضح أنه ليس المراد حفظ ظاهر القرآن وكلماته فقط، بل مضافاً إلى حفظ تلك النصوص المباركة عن التحريف، فالمقصود هو أن الله عز وجل قد تكفَّل بحفظ الإسلام الواقعي دائماً في ظل القرآن ومفسريه الواقعيين من الأئمة الطاهرين(ع).

ولذا يشاهد من خلال صفحات التاريخ أنه كلما كان الإسلام يواجه خطر الفناء الكامل فإن الله سبحانه قد أنجاه وحفظه في كنفه ولو عبر المعجزة والأسباب الغيبية.. إن واقعة عاشوراء كانت واحدة من تلك الموارد التي جعلت الإسلام في منحدر السقوط الكامل، حيث أراد يزيد وجلاوزته القضاء على الإسلام وعلى حملته نهائياً بقتل ذرية رسول الله (ع) عن آخرهم، وإذا ما استشهد الإمام السجاد (ع) في ذلك اليوم لخلت الأرض من حجة الله وممَنْ يُفسِّر القرآن الكريم ويُبيِّن تعاليم الإسلام وأحكامه وشرائعه للناس، ولكن شاء الله أن يصبح الإمام زين العابدين(ع) مريضاً وبشدة حتى لا يتمكن من الذهاب إلى ساحة القتال ويسقط عنه الجهاد، وإن أراد الأعداء أن يقتلوه أيضاً ولكن الله حفظه من كيدهم.

وبعد شهادة الإمام الحسين (ع) كان الإمام زين العابدين(ع) حامل راية الإسلام، وذلك برفقة عمَّته عقيلة بني هاشم السيدة زينب الكبرى (سلام الله عليها) فمن خلال خطبه الشريفة في المدن والأماكن المختلفة خصوصاً في مجلس يزيد بن معاوية قد ضمن الإمام(ع) استمرار تلك النهضة المقدسة، وتمكن وللأبد من فضح يزيد وغيره من أعداء الإسلام، وإثبات ظلامة وأحقية أهل البيت (ع)". (الإمام زين العابدين (ع) قدوة الصالحين؛ السيد محمد الشيرازي: ص24)

أسلوب الإمام السجاد (ع) التربوي

في ظروف الإمام السجاد (ع) الاستثنائية التي عاشها في المدينة المنورة بعد مأساة عاشوراء حيث العزلة والابتعاد عن الناس، والبكاء الطويل، والنحيب والعويل، الذي كان يُرافقه ليله ونهاره لأكثر من خمس وثلاثين سنة، حتى عُدَّ من البكائين الخمسة في البشر، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (بكى علي بن الحسين (عليه السلام) عشرين سنة، وما وضع بين يديه طعام إلا بكى، حتى قال له مولى له: جعلتُ فداك يا ابن رسول الله إني أخاف أن تكون من الهالكين، قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون، إني لم أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني العبرة).

وفي رواية: (أما آن لحزنك أن ينقضي؟! فقال له: ويحك إن يعقوب النبي (عليه السلام) كان له اثنا عشر ابنا فغيَّب الله واحداً منهم، فابيضَّت عيناه من كثرة بكائه عليه، واحدودب ظهره من الغمِّ، وكان ابنه حياً في الدنيا، وأنا نظرتُ إلى أبي وأخي وعمي وسبعة عشر من أهل بيتي مقتولين حولي، فكيف ينقضي حزني؟). (بحار الأنوار: ج 46 ص 108)

ولكن كان لا بدَّ من توجيه الأمة وتربيتها بأسلوب يتلاءم مع تلك الظروف الخانقة، يقول الإمام الشيرازي الراحل (رحمه الله): "اتخذ الإمام زين العابدين (ع) بعد شهادة أبيه الإمام الحسين (ع) في فاجعة كربلاء أسلوب (الجهاد الهادئ) ضد الظلم والطغيان، والجهل والكبت.. وقد كان لهذا الأسلوب الحكيم في تلك الظروف الحرجة آثاراً مباركة كثيرة، منها النهضة الثقافية والعاطفية في سبيل توعية الأمة.

فزين العابدين(ع) سعى جاهداً، سواء كان في ساحة كربلاء، أو الكوفة، أو في طريقه إلى الشام، وفي الشام نفسها أيضاً إلى جذب عواطف الناس، وإحياء ضمائرهم لمعرفة ما جرى من ظلامة على أهل بيت الرسالة (ع) الذين يُمثِّلون الإسلام من قبل طغاة بني أمية الذين يدَّعون الإسلام كذباً وزوراً، وذلك عن طريق:

أولا: النهضة الفكرية والثقافية:

حيث وجه الإمام (ع) أنظار الناس إلى الهدف السامي الذي قام من أجله أبوه الإمام الحسين (ع) وضحَّى بنفسه وأولاده وأهل بيته وأصحابه الكرام في سبيله، وهو إحياء الإسلام، والوقوف أمام المؤامرات التي أرادت القضاء على الإسلام، وأن يعيش الإنسان حراً كما خلقه الله، من دون أن يستسلم للظلم والاستبداد ولا يخنع للجور والطغيان، وألا تكون أزمة الأمور ومصير الشعوب بيد حاكم ظالم مستبد.

وفي الواقع إن الإمام الحسين سيد الشهداء (ع) لم يكن مخالفاً ليزيد بن معاوية فقط بل كان مخالفاً لجميع الظلمة الفاسدون والمفسدون في كل زمان ومكان، كما أراد للإنسان بما هو إنسان أن يعيش سعيداً حراً، في أي زمان ومكان، سواء كان مؤمناً أم كافراً.. قال: (إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما) (بحار الأنوار: ج 44 ص 192، والمناقب: ج4 ص68)

نعم إن مَنْ يُريد الخلاص من الذل والعبودية، ومَنْ أراد العزة والسعادة، فعليه أن يتعلم من مدرسة أبي الأحرار الحسين بن علي(ع) درس الشهامة والشجاعة، وسمو النفس وعزة الروح، والاستقلال الفكري وعدم العبودية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإصلاح المجتمع وإنقاذ الإنسان، وأخيراً الجهاد في سبيل الله وفي سبيل الإنسانية ضد الظلم والطغيان.

ثانياً: النهضة العاطفية:

فبالقدر الذي كان قيام سيد الشهداء(ع) مؤثراً في إحياء الإسلام والقرآن الكريم.. كذلك فإن استمرار وبقاء تلك النهضة له نفس التأثير في استمرارية المفاهيم الإسلامية وشريعتها، وربما كانت أهمية العلة المبقية أكثر من العلة المحدثة على اصطلاح الحكماء، فإذا لم تكن عملية استمرار النهضة المقدسة للإمام الحسين(ع)، فإن تلك النهضة سوف تُحجَّم وتُحدُّ بزمانها وتُنسى وربما تحرف وتُغيَّر عن واقعها الموجود عبر الإعلام المزيف والكاذب، حالها حال الكثير من النهضات والحركات الأخرى، ولكن عملية استمرار النهضة جعلتها حيَّةً وخالدة في كل عصر وزمان بكل تفاصيلها وأحداثها.. والنهضة العاطفية التي تُحيي فطرة الناس هي من أهم أسباب حفظ واقعة عاشوراء على مرِّ التاريخ، ومن هنا يعرف فلسفة البكاء والعزاء على الإمام الحسين(ع).

فإن إقامة المجالس وموكب العزاء على سيد الشهداء (ع) وإحياء الشعائر الحسينية بكل أقسامها وأنواعها المتعارفة من البكاء واللطم والزنجيل والتطبير وما أشبه، تجعل من هذه النهضة غضَّة طريَّة كأنها وقعت اليوم، وتبين أهدافها الإنسانية للبشرية بأجمعها وتدعو المجتمعات الإنسانية للاستجابة إلى نداء الفطرة في كافة الأزمنة باتباع أفكار ونهج سيد الشهداء الإمام الحسين (ع) والسير على خطاه ضد الظلم والطغيان". (الإمام زين العابدين (ع) قدوة الصالحين؛ السيد محمد الشيرازي: ص27 بتصرف)

الإمام السجاد (ع) حفظ دين المسلمين

وبذلك السلوب الذي اتبعه الإمام السجاد (ع) استطاع أن يحفظ الدِّين ويُرجع إليه المسلمين، وذلك لأنه؛ "كان أحد أهداف بني أمية هو محو وطمس حقيقة الإسلام وآثار النبي الأكرم (ع)، وقد صرف معاوية بن أبي سفيان أموالاً طائلة للسيطرة على الحكم الإسلامي والأمة الإسلامية ومحاربة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وشيعته، فكان معاوية يُريد ألا يَبقى من الإسلام إلا الاسم الظاهري، وذلك ضمن الإطار الذي يخدم سلطته وملكه واستمرارية ذلك في عائلته، وقد أقسم مراراً بأن يطمس ذكر رسول الله (ص) ويدفن اسمه الشريف، ويقتل ذريته ويجعلهم نسياً منسياً"، كقوله للمغيرة: (لا والله إلا دفناً دفنا).

وقد سار يزيد بن معاوية على تحقيق هذا الهدف أيضاً وتمكن لحد كبير أن يقلب بعض المعادلات ويعكس الوجه الحقيقي للإسلام، وينشر الفساد والإفساد في المجتمع الإسلامي، فقد كان يمارس الفحشاء والمنكر والأعمال التي تخالف الإسلام علناً، وأراد القضاء على شيعة أمير المؤمنين علي (ع)، فكان يضع العيون عليهم أينما كانوا، وربما اعتقلهم وزجَّ بهم في قعر السجون ويأخذ بتعذيبهم ومن ثم إعدامهم، كما فعل أبوه من قبل، وأخيراً سعى للقضاء على ذرية الرسول الأكرم (ص) وأهل بيته الطاهرين (ع) فلا يبقى لهم اسم يذكر.

لقد أدى الإمام السجاد (ع) دوراً مهماً جداً للإبقاء على الإسلام ومعارفه، في تلك الظروف القاسية، فأخذ بتربية أجيال من الفتيان والفتيات تربية صالحة.. فكان يشتري الكثير من العبيد والإماء وفي خلال فترة قصيرة كان (ع) يشرع بتربيتهم وتثقيفهم بالثقافة الإسلامية حيث يعلّمهم القرآن وأحكامه، ويبين لهم سيرة رسول الله (ص) والإمام أمير المؤمنين (ع) وأهل بيته الطاهرين (ع) ومن ثم يقوم بتحريرهم وذلك بإعتاقهم في سبيل الله، ورويداً رويداً كان هؤلاء يدخلون المجتمع الإسلامي ويقومون بنشر أفكار الإمام (ع) في أوساط الناس، حتى أن مجموعة من تلك الإماء المتعلمات وصلن إلى داخل القصر الأموي وضمن حريم بني أمية وشرعن بإيصال ظلامة أهل بيت النبوة (ع) وكذلك تعليم المطالب الحقة إلى نساء وأبناء السلاطين وحُجّاب بني أمية". (الإمام زين العابدين (ع) قدوة الصالحين؛ السيد محمد الشيرازي: ص30)

وأما الأسلوب الآخر الذي اتبعه الإمام الرابع من أئمة المسلمين (ع) كان يتمثَّلُ في منهجه بالدعاء، فأعطى كل التعاليم، وعرَّف الأمة كيف تتحدَّث مع الله تعالى وتشكو إليه، فبلور منهجاً إبداعياً ما زالت الأمة تنهل من ذاك المنهل العذب الذي يُسميه علماؤنا الأعلام (زبور آل محمد) المتمثل بالصحيفة السجادية النورانية التي لا يوجد مثيلاً لها بعد القرآن الحكيم والنهج العلوي الشريف.

وكانت رسالة الإمام السجاد (ع) في الأمة هي إعادة الروح الإيمانية فيها، ونفخ الروحانية التي دمَّرها صبيان النار الأموية بأحقادهم، وجرائمهم التي مازالت حديث المحافل والمناقل، وكثير من العلماء أنكروها لأنه خارجة عن العقل، حتى قال أحدهم: "لا يُعقل أن يحدث ذلك"، في ذلك العصر، وهم على مرمى حجر من حياة الرسول العظم (ص)، ولكن الحقيقة والواقع يقول: أن بني أمية اللعناء والطلقاء ما تركوا جريمة إلا ارتكبوها، ولا حُرمة إلا انتهكوها، ولكن هذه الأمة التي تُقدِّس الحكم والسلطان بالمنهج الأموي مازالت تبحث عن أعذار لجرائم خلفائهم، ويتمنون مشاركتهم في كل ما فعلوه، وللأسف يدَّعون أنهم من أمة محمد بن عبد الله (ص)، وما هم إلا من أمة محمد بن عبد الوهاب... إلذي سار على خطى أستاذه ابن تيمية....

فالسلام على الإمام السجاد (ع) رابع أئمة المسلمين، في كل لمحة وكل طرفة عين.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1