"ما أكثر الناس الذين لا يعرفون الحسين وقضيته واهداف نهضته، وما أثقل مسؤوليتنا اذن؟"
سماحة المرجع السيد صادق الشيرازي (دام ظله)

ونحن نعيش ايام "موسم العطاء الرباني" لا بد ان نفكر جلياً في ابعاد هذه النهضة الحسينية الخالدة، وكيفية الاستفادة منها، وما هي مسؤوليتنا تجاه هذا الكم الهائل من العطاء والدروس والعبر المتجددة والتي يقول سماحة المرجع السيد صادق الشيرازي عنها: "في كل مرة تحيا ذكرى عاشوراء ينهل محبو الامام الحسين (عليه السلام) قيماً ومفاهيم جديدة من مدرسة عاشوراء الخالدة"، خصوصاً وان التعريف بهذه النهضة هي مسؤولية تقع على عاتق الجميع، لأنها نهضة استهدفت احياء النفس البشرية وإنقاذ الإنسانية من الجهل والعبودية والاستبداد: "فالأمام (سلام الله عليه) أراد ان ينجي العباد من الجهل والضلال والتيه، لذلك إذا أردنا ان نقترب منه أكثر علينا ان نبذل كل ما نملك في خدمة هذه القضية".

ولم يكن طريق الامام الحسين (عليه السلام) ومن سلكه من خلفه سهلاً يسيرا، بل كان دائماً وابداً محفوفاً بالمخاطر والصعاب والعقبات، وكذلك طريق الحق، ترافقه المصاعب في كل زمان ومكان، يقول المرجع الشيرازي (دام ظله): "في العصور السابقة، أي في عصر سلطة الامويين والعباسيين والعثمانيين وغيرهم من الحكام المستبدين والطغاة، امتحن الكثير من المؤمنين في سبيل اهل البيت والامام الحسين (صلوات الله عليهم) فتركوا اهليهم، وهاجروا اوطانهم، وتغربوا في البلدان لسنين طويلة، وبعضهم قضى نحبه في بلاد الغربة"، ويضيف: "لا ننسى بأن ذكرى عاشوراء مرت بمسيرة طويلة من التحولات، وان التضحيات التي قدمها الاسلاف والوالهون بسيد الشهداء (سلام الله عليه) هي التي أوصلت الينا هذه المدرسة العاشورائية المناهضة للظلم والعريقة بأهدافها المقدسة".

وقد تحمل المصلحون والمؤمنون بقضية الامام الحسين (عليه السلام) في سبيل إيصال رسالته الخالدة الكثير من المشقة والتعب والتنكيل، لكنهم لم يهنوا ولم يستسلموا بل واصلوا العطاء والتنوير لإنقاذ الناس من الهلاك الى الهدى: "لا شك انه إذا اوصلنا رسالة وتعاليم اهل البيت (صلوات الله عليهم) الى الناس كما يجب، فهذا يعني –يقيناً اننا قد دللناهم على طريق الهدى، فمن أراد الحياة الخالدة فسيتبع اهل البيت، ومن يبتعد عن اهل البيت فانه يريد الهلاك"، ويقول سماحة المرجع الشيرازي ايضاً: "وكلما كانت نسبة التعلم من الامام الحسين (سلام الله عليه) أكثر، كان القرب اليه أكثر".

ان التعريف بالنهضة الحسينية الإنسانية الشاملة لا تتوقف عند حد معين او شخص ما او مكان بعينه، بل هي خارج حدود التوقيت او المكان او الجنس، لأنها ببساطة نهضة إصلاحية سعت لنزع القيود التي تكبل الانسان لتسلب منه عقله وارادته الحرة وتحوله الى تابع ذليل للمستبد لا يملك حولا ولا قوة، ورغم عدم تكافئ الفرص العسكرية في معركة الطف يوم العاشر من محرم الحرام بين الامام الحسين (عليه السلام) واهل بيته واصحابه وبين جيوش الباطل والظلال، الا ان الامام الحسين (عليه السلام) حقق النصر والفتح المبين بعد ان ضحى بنفسه وعياله واصحابه: "لقد اسفرت هذه المواجهة غير المتكافئة –من ناحية العدة والعدد-عن انتصار الحق واندحار الباطل، واثار هذا الانتصار واضحة في كل زمان ومكان وخاصة في شهري محرم وصفر، وبالأخص في يوم عاشوراء".

وهذا ما يؤكد ان انتصار المبادئ في ساحة المعركة اهم بكثير من النصر الميداني الاني الذي سرعان ما يذوب امام طوفان الحق والإصلاح والقيم والمبادئ، والنتيجة واضحة والفرق كبير بين الطرفين: "هذا هو اسم الحسين (سلام الله عليه) يطبق أطراف الدنيا، وهذا هو علمه الخفاق يرفرف في كل بقعة، وهذا هو خطه –الذي هو خط رسول الله وامير المؤمنين عليهما الصلاة والسلام- يزداد في كل يوم انتشاراً وتألقاً، وهذه هي المجالس تعقد باسمه من اقصى الشرق الى اقصى الغرب، وهؤلاء هم الألوف والالوف من الخطباء والشعراء والكتاب يرددون اسمه الشريف، وهذه هي الملايين تهتدي الى سبيل الحق ببركته".

يقول سماحة المرجع الشيرازي صادق الشيرازي (دام ظله) ان: "أولى مهام محبي اهل البيت (سلام الله عليهم) اعلاء شأن عاشوراء وثقافة عاشوراء، وبرامج عاشوراء، ومجالس عاشوراء، ومواكب عاشوراء واحياء كل ما يتعلق بها ويخلد ذكراها، ولا يخفى انها مسألة محفوفة بالمشاق والصعاب، لكنها مشاق عاقبتها الثواب الجزيل والاجر الجميل"، وقد وضع سماحة المرجع الشيرازي عددا من الأهداف والوصايا والارشادات التعريفية التي يمكن من يساهم الجميع في التعريف بالنهضة الحسينية وايصال رسالة الامام الحسين (عليه السلام) الى كل بقاع العالم ومن ابرز هذه الوصايا:

1. "ان التعريف بالحسين وقضيته من خلال إقامة مجالس العزاء والشعائر الحسينية من جانب والعمل على تحقيق هدف الامام الحسين المتمثل بإنقاذ العباد من جهالة الكفر وضلالة الباطل الى نور الحق والإسلام والايمان، من جانب اخر، هما ضمن المسؤولية الملقاة علينا جميعاً تجاه الثأر للإمام الحسين (عليه السلام)".

2. "ان للمدرسة الحسينية عطاء لا ينفد، ومكاسب لا تبلى، وهي تجسد عظمة سيد الشهداء (سلام الله عليه)، فالحسين امامنا ومثلنا الأعلى، فلنر ماذا قدم لنا حتى نسلك طريقه ونتبع أثره".

3. "ان نتعلم من الامام الحسين (سلام الله عليه) دروس الاعتماد على الله تعالى، والعزة، والتضحية، والأخلاق، وكل فضيلة".

4. "لقد كان الإصلاح العام هو الهدف السامي للإمام الحسين (عليه السلام) الذي بذل الدم والمال والجاه والأولاد والاعزاء في سبيله، وعالم اليوم حائر يصطلي بنيران الازمات، تطحن عظامه وسائل العنف والبغضاء والإرهاب ويختنق بآلام الكأبة والامراض النفسية، فما احوجه الى مبادئ إصلاحية متألقة، كاحتياجه الى الهواء والغذاء، ومبادئ الامام الحسين الإنسانية والأخلاقية العظيمة، والتي رواها بدمه الزكي ودماء اهل بيته واصحابه الابرار، هي البلسم لجراح كل الدنيا، فضلا عن الامة الإسلامية المستهدفة بسهام الطائفية، وتيارات الإرهاب التكفيري، والفضائيات الموبوءة، والمحن القاسية، والتناحرات الجاهلية".

5. "ينبغي الاستفادة من التكنولوجيا الجديدة، المتيسرة اليوم للجميع، أحسن وأفضل استفادة، في إيصال ثقافة عاشوراء الى البشرية كافة، بمختلف لغاتهم، وعلينا ان لا ننسى بان العمل الإعلامي هو نصف القضية والنصف الاخر والمكمل لها بل والاهم هو الدفاع والحماية، فان العمل على توسيع رقعة إقامة الشعائر الحسينية المقدسة بحاجة الى الحماية والدفاع من قبل الجميع وبالخصوص الشباب".

6. "وكذلك نحن بأمس حاجة الى المسارح والمعارض والاعلام المقروء والمسلسلات التخصصية التي تخاطب عقول الشباب والنساء والأطفال والمثقفين والعمال ورجال الدين، وبأمس حاجة ايضاً الى منظمات شبابية حسينية مثقفة، تدرك اهداف النهضة المقدسة، والى المعاهد والجامعات والمكتبات العامة".

7. "ان النهضة الفكرية هي مسؤولية المؤمنين والحسينيين، ولاسيما النخبة من العلماء والمفكرين"، ويضيف سماحته: "ان يشتري الزائر كتاباً واحداً ويقرأه، ويهديه لأبنائه واخوته وأصدقائه، وكذلك ان يسعى لطبع نسخة واحدة من كتاب إسلامي توعوي، فلو فعل خمسة عشر مليون زائر ذلك معناه: كم سنطبع من الكتب، وكم ستتحرك العقول وتستنير".

8. "من بنود هذه الحركة الفكرية: فهم واستيعاب مبادئ وعبر النهضة الحسينية، ومحاولة نقلها الى الاخرين، وتربية الجيل الجديد عليها عبر التثقيف العائلي والجامعي وضمن المناهج التربوية العامة لطلاب المدارس والمعاهد والحوزات والجامعات".

9. "ومن وسائل هذه النهضة الثقافية ايضاً تركيز وتطوير الخطاب المنبري كماً وكيفاً وتخطيطاً لإنتاج جيل من الخطباء الأقوياء العلماء، بلغات مختلفة، وأساليب عمل متطورة وتخصصات حيوية، وتأسيس ميثاق يرشد رجال المنبر الى الأولويات والمسؤوليات وبيان الخطوط الأساسية للعمل الخطابي، وإقامة مؤتمرات وندوات وتأسيس معاهد واصدار دوريات تخصصية".

10. "ان المشاركة والخدمة في المجالس الحسينية فيها ثواب عظيم، ولكن الامر لا ينتهي عند هذا الحد، فلم يكن يوم عاشوراء مناسبة للندب والتعزية حسب، بل كان وما يزال وقفه للتأسي بدروسه والاقتداء بأبطاله، فيجب علينا ان نقتدي بسيد الشهداء (عليه السلام) وان نتأسى به في جميع شؤننا".

11. "من اهم الدروس في سفر واقعة استشهاد الامام ابي عبد الله هو انعتاق النفس من قيود الجهل وحلكة الظلام، وسلوك طريق الهداية، وهو بلا شك هدف عظيم وسام الى الدرجة التي حملت سيد الشهداء ان يضحي بنفسه من اجل بلوغه".

ان قضية سيد الشهداء (عليه السلام) هي قضية إصلاحية تحاول النهوض بالإنسان من غياهب الجهل والتخلف والتبعية الى نور العلم والوعي والاستقلال، وهي لا تقتصر على فئة دون أخرى او جنس او قومية او دين دون غيره، بل جاء الامام الحسين (عليه السلام) من اجل انقاذ الجميع وضحى بنفسه لتحيا البشرية، حارب الباطل من اجل الحق، وحارب العنف من اجل احلال السلام، ودافع عن دين جده حتى لا يتحكم الطغاة والمستبدون بالناس ويجعلوهم عبيداً لهم من دون الله تعالى، أراد للإنسان ان يعيش بكرامته ويشعر بالعز والفخر والحرية وان لا يخضع الا لمن خلقه اذا كان على حق والاخرين على باطل، لذلك كانت نهضة الامام الحسين نهضة عالمية تجسدت فيها جميع الفضائل وهو يحارب جميع الرذائل التي تجلت في جيوش الباطل التي أجمعت ضده، لذلك فان المسؤولية الملقاة على عاتقنا للتعريف بالإمام الحسين (عليه السلام) هي مسؤولية ثقيلة، وكما يقول المرجع الشيرازي: "ما أكثر الناس الذين لا يعرفون الحسين وقضيته واهداف نهضته، وما أثقل مسؤوليتنا اذن؟".

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2020Ⓒ
http://shrsc.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2