أرسل الله سبحانه الأنبياء وأعقبهم بالأوصياء والصالحين ليخرجوا عباده من الضلالة إلى الهداية، ومن الظلمات إلى النور ومن القيود إلى الحرية ومن كنف العبودية إلى الكرامة الإنسانية المتأصلة، وكل ذلك رهن بالخروج من طاعة المخلوق إلى طاعة الخالق ما يؤسس لدولة المواطن والكرامة.

بيد أن الواقع يؤشر وبما لا يدع مجالاً للشك إن أغلب الحكام يميلون بعد تسنم السلطة إلى الاستبداد أو على الأقل التعسف باستعمال النفوذ لتحقيق المآرب الذاتية وإشباع الملذات الشخصية ولو على حساب الرعية، وهو ما نجده في الحالة الإسلامية فبعد أن استقر الحكم لبني أمية انتقلت السلطة لشاب لم ير فيها غير فرصة للتنعم بالمال العام والاستئثار به والبذخ على الملذات الشخصية، وإسكات صوت المعارضة بأي ثمن.

وما نتج عن ذلك هو إهمال للرعية فزادت معاناتهم وهيمن الظلم واستحكم الفقر وعم الفساد، ولذا نجد الإمام الحسين (عليه السلام) رفض التسليم للدولة والحاكم الفاسد والقبول بمنحه شرعية البيعة وان كان الأمر يؤدي إلى قتله مع أهل بيته وأنصاره، فالإنسان المؤمن بالله وقيم السماء وتعاليم الشريعة المحمدية السمحاء لم ولن يقبل بالتسليم للأمر الواقع والقبول بسلطة حاكم جاء خلافاً لإرادة السماء التي استخلفت الإنسان في الأرض ليصلح فيها لا أن يفسد ويهلك الحرث والنسل.

ومن هذه النقطة انطلقت النهضة الحسينية لرفض الحكم الجائر والسعي لإنهاض الأمة عملياً بوجه من انتهك الشرعية في تسنم مسند السلطة الحاكمة، فالإمام عليه السلام رفض الحاكم ليس لنفسه بل لأجل غاية أهم وأكبر ألا وهي رعاية مصلحة الدين والأمة فقد عبر عن ذلك بداية خروجه من مكة إلى العراق (اني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين).

فقد كان طريقه واضحاً منذ البداية أنه يريد تذكير الأمة بشرعية سلطة الحاكم الإسلامي المستمدة من أصول الشريعة الإلهية المقدسة المبنية بشكل خاص على ما يأتي:

أولاً: إن شرعية الحكم والحاكم مستمدة من أصول مقدسة حددت بضوابط لا يمكن الخروج عنها أسس لها القرآن الكريم والسنة المحمدية المباركة إذ يقول سبحانه وتعالى (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى)، وقال الإمام الحسين للناس (أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرام الله ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، ولم يغير ما عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يدخله مدخله).

ثانياً: إن شرعية الحكم والحاكم شاملة وليست جزئية أساسها العدل بين الرعية: حيث يقول سبحانه (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)، بينما اتصف الحكم الأموي المستبد والمنحرف عن جادة الصواب وفق المعايير الإسلامية بعكس ما تقدم إذ يقول الإمام الحسين واصفاً الحاكم في عصره (ألا وأن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله، وحرموا حلاله).

ثالثاً: إن شرعية الحكم في الإسلام صفة من شأنها الدوام والاستمرار: أي يجب أن يتصف بها الحاكم من أول يوم لتسلمه السلطة ويبقى كذلك إلى أخر يوم في حكمه ولهذا أرسى القرآن قاعدة مقتضاها وجوب الجهاد في سبيل الله لإقامة العدل ومقارعة الظلم أياً كانت تسميته أو شكله (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا)، ولهذا نجد الحسين عليه السلام يقول (نحن حزب الله الغالبون وعترة رسول الله الأقربون وأهل بيته الطيبون واحد الثقلين الذين جعلنا رسول الله ثاني كتاب الله تبارك وتعالى الذي فيه تفصيل كل شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والمعول علينا في تفسيره ولا يبطئنا تأويله بل نتبع حقائقه، فأطيعونا فان طاعتنا مفروضة إذ كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول).

وما تقدم ينبع من أسس علمية وعملية قامت عليها الحجة والدليل من كتاب الله لإسباغ الشرعية على الحاكم، وعبر عما تقدم الإمام الحسين في كلماته الخالدة التي تنبع من شخص ولد وعاش في أحضان البيت النبوي، لذلك فهو لا يعرف المداهنة أو المهادنة على حساب الحق، ولهذا نستطيع أن نستنتج أهم الأسس التي ركز عليها الإمام الحسين عليه السلام والتي تتمثل بالآتي:

1- إيمان الإمام الحسين عليه السلام إن الشرعية لتولي السلطة بالدرجة الأولى تحمل الطابع المقدس المتمثل في اختيار الله سبحانه للحاكم أو وضع شروط شرعية صارمة يؤدي تكاملها لشرعية استلام السلطة كالإيمان والزهد والتقوى والورع....وغيرها، إضافة إلى الشرعية الشعبية التي تكون المحرك والدافع لتصدي شخص كالإمام الحسين للسلطة وهذا ما لاحظناه بجلاء في سيرة الإمام علي عليه السلام حين جاءته الجماهير تطلب منه تولي الأمر فقال في خطبة له (لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر...لألقيت حبلها على غاربها)، وكذلك الإمام الحسين الذي لم يبادر في حركته التصحيحية إلا بعد أن جاءته الآلاف من كتب القوم تطلبه للإمرة والنصرة على الحاكم الفاسد يزيد بن معاوية.

2- إيمان الإمام الحسين عليه السلام بالحرية الفردية كمتطلب حتمي لشرعية سلطة الحاكم وإلا جاز الخروج عنه كونه خالف الشريعة الإسلامية والإرادة التكوينية الإلهية الضامنة لكرامة الإنسان ولذا نجد الإمام يقول (ألا وان الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وجدود طابت وحجور طهرت وأنوف حمية ونفوس أبية، لا تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام).

3- مقارعة الإمام الحسين للحكام الظالمين المستبدين لم تبدأ في عهد يزيد بل جرت مراسلة بينه وبين معاوية إذ أرسل إليه الأخير كتابا يحذره من معارضة حكمه فرد عليه الحسين عليه السلام بكتاب ورد فيه: (أما بعد فلقد بلغني كتابك تذكر أنه بلغك عني أمور ترغب عنها... فلا أعرف فتنه أعظم من ولايتك أمر هذه الأمة... وليس الله بناس لك أخذك بالظنة وقتلك أولياءه على الشبهة والتهمة، ونفيك إياهم من دار الهجرة إلى الغربة والوحشة وأخذك الناس ببيعة لإبنك غلام سفيه، يشرب الشراب، ويلعب بالكلاب، ولا أعلمك إلا قد خسرت نفسك وأوبقت دينك، وأكلت أمانتك، وغششت رعيتك،...).

ويتبين لنا من النص أعلاه إن الإمام أشكل على شرعية الحاكم معاوية وعلى الحاكم المستقبلي يزيد وذكر ببعض الأسباب التي تحدوه ليكون في جانب المعارضة للحكم غير الشرعي نبين منها:

أ- قتل الناس الصالحين بمجرد الظن والشبهة وهذا ما نهى عنه الإسلام أشد النهي فقد قال تعالى (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) ومن أمثلة من قتلهم معاوية بعض أصحابه والتابعين كحجر بن عدي وأصحابه ظلماً، أما يزيد فيكفيه سوء أفعاله انه قتل الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه ظلماً وجوراً.

ب- نفي الناس من الوطن إلى دار الغربة لكونهم من المعارضين للحكم الغاشم يقول تعالى في النهي ((وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)) وهنالك العديد من الشواهد على نفي الناس من ديارهم بلا حق.

ج- غش الحاكم لرعيته وفي هذا المورد يقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ((مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ، إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجنة)) ويظهر من النص المتقدم الحث على النصح لرعية واختيار من يصلح للأمرة عليهم بمراعاة إرادتهم في ذلك كي لا يكون الأمر غمة على الجميع.

د- وقد بين الإمام الحسين رؤيته الخاصة بطاعة الحاكم الذي يخرج عن ثوابت الشرع المقدس في إدارة شؤون البلاد والعباد حيث يقول عيه السلام (ألا ترون أن الحق لا يعمل بهِ، والباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله، فإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما).

نستفيد من الدرس الحسيني إن الشرعية لسلطة الحاكم هي رضا الله والناس عنه، وأن لا طاعة لمخلوق في معصية الله أو خيانة الأمانة، والغاية من وجود الحاكم هي نظم أمر الناس والارتقاء بهم وبشؤونهم العامة إلى الأفضل بوضع الإنسان المناسب في المكان المناسب وتوجيه المال العام نحو الخدمة العامة، وتكريس الحاكم لنفسه وعمله وجهده لخدمة المجتمع والأفراد، وإلا سيعد خائناً مستحقاً للعزل أو المقارعة ولو بالسيف حتى يعود إلى رشده.

.....................................

** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2019
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
هـ/7712421188+964
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0