ذكرتني رؤية الصور الافتراضية للإمام علي، والإمام الحسين، عليهما السلام، في التظاهرات الاحتجاجية الاخيرة بالعراق، وايضاً الأعلام "العاشورائية" بيد الشباب المتظاهر، بصرخات شباب من مثل أعمارهم وهم يهتفون الشعار: "ما كو ولي إلا علي ونريد حاكم جعفري"، ولكن؛ ليس اليوم قبل اسبوع أم شهر او سنة، إنما قبل اكثر من اربعين عاماً، عندما كان ثلّة من الشباب الكربلائي في تشييع الرادود الشهير حمزة الزغير باتجاه المقبرة القديمة، فمروا بسياراتهم من أمام مبنى المحافظة، وسمعهم من فيها، ثم حصل ما حصل من اعتقالات لدى عودتهم من مراسيم الدفن، وكان أبرزهم؛ المجاهد الشهيد صاحب عبود، المتخصص بمكبرات الصوت في الحرم الحسيني، والمجالس والمراثي الحسينية.

إنه مؤشر ايجابي عظيم في وعي الحراك التغييري بالعراق بأن تكون القيادة لرمز كبير مثل؛ الامام الحسين الذي تمر هذه الايام ذكرى أربعينه، كما كان كذلك طيلة الاحقاب الزمنية الماضية، عندما رفع الثوار شعار "يالثارات الحسين" ضد المشاركين في جريمة قتل الامام الحسين، ومحاربة قيم الحرية والعدالة والكرامة الانسانية التي تضمنتها النهضة الحسينية، فهم طالبوا بالحرية والعدالة والمساواة والعيش الكريم تحت هذا الشعار، وقد توارثت الاجيال هذه الروح الثورية مع استمرار سياسات القمع والاضطهاد من بعد الأمويين والعباسيين، وحتى تاريخنا المعاصر، وبقي الناس –وتحديداً الشيعة- في خط الرفض والمعارضة لأنظمة الحكم لاسيما في العراق، فكان التهميش والتمييز ثم الضغوط والاستفزازات بأشكال مختلفة لكل من ينتمي الى التشيع.

إصلاح النفوس قبل إصلاح الحكم

هنا يقفز السؤال: هل يمكننا عقد الأمل في تحقيق هذه المطالب، ومطالب مستحدثة حالياً، مثل الخدمات، وفرص العمل، وحتى مكافحة الفساد الاداري وأشباهها، تحت شعار "يالثارات الحسين"؟ أو تحت صورة افتراضية ترمز الى الامام الحسين؟

كما أعلنها في رسالته الى أخيه محمد بن الحنفية مبيناً فلسفة حركته صوب الكوفة، بأنه يبغي الإصلاح في الأمة لا غير، ولأنه يعرف الأمة قبل غيره من الناصحين والمشفقين عليه، وأنها فعلت ما فعلت بأبيه، ومن بعده؛ بأخيه، فانها بحاجة ماسّة لما يشبه العملية الجراحية الخطيرة والحياتية في آن، لتتخلص من غدّة سرطانية أخطر بكثير مما يتعامل معه علماء الطب مع الأبدان، إنه سرطان النفس والقلب، إنه الرين على القلوب الذي أشار اليه القرآن الكريم، أما العوارض فهي الازدواجية والنفاق والجُبن والموت والشعور المتزايد بالضِعة.

وهذا تحديداً ما أراد الامام الحسين معالجته، ولشدة الحالة المرضية وعمق الإصابة، اقتضى الأمر التضحية بالنفس والأهل وأن تراق الدماء على الارض وتجري كل تلك المآسي والويلات على أهل البيت.

نعم؛ حصلت الهزّة العنيفة من هول المصيبة عند أهل الكوفة، وحتى عند أهل الشام عندما أميط اللثام عن الحقيقة التي أخفاها الأمويون، بيد أنها كانت عاطفية اكثر مما هي نابعة من أعماق النفس بما يدلل التعافي التام كما أراد الامام الحسين للأمة وضحى من أجله، فبقت النفوس تنطوي على حالات مرضية عدّة استمرت حتى حياة الامام السجاد الذي عاش بعد أبيه سنين طوال وقال انه لا يوجد بين المسلمين من يتبعه ويحبه من الناس سوى عشرون شخصاً –مضمون الرواية- وذلك لاسباب لسنا بوارد الخوض فيها، إنما الذي يهمنا فكرة الإصلاح وفلسفتها تحديداً، وهل كانت مشكلة الامام الحسين، وسائر الأئمة المعصومين، شخصية مع الحكام؟ أم مع سياسة الإفساد التي كانوا يطبقونها ويتبعها معظم الناس في تلك الفترة وما يزالون؟

جاء قادة "الثورة" على الأمويين في عهد الامام الصادق يدعونه للقيادة وأنه الأولى من غيره، فسألهم اسئلة عدّة عجزوا عنها، منها؛ وهل تعرفون هؤلاء الاشخاص –مضمون الرواية وقد ذكروا له أنهم بالآلاف- فأجابوا بالنفي، ثم عرض لهم اختباراً بسيطاً لطاعة القيادة، عندما أمر أحد اتباعه بأن ينزل في تنور مسجور بالنار فدخل دون تردد، ثم دعاه للخروج منه، فسألهم عما اذا كان لديهم من مثل هذا، فأجابوه بالنفي القاطع.

ولمن يبحث في النهضة الحسينية يجد ان الاصلاح فيها يمتد في أبعاد انسانية عميقة لها مدخلية في إصلاح النظام السياسي، بل هي القاعدة الاساس له، فالإصلاح ليس في الجانب الاخلاقي والروحي وتطبيق أحكام الدين، بل وفي إصلاح المنظومة الفكرية بالكامل ليعرف الانسان كيف ومتى يتخذ القرار الصحيح؟ وعلى أي اساس يصدر الأحكام ويفسر الظواهر والاشياء؟ وإلا فان عامة المسلمين ما خلا من خرج مع الامام الحسين في قافلته باتجاه الكوفة، والقلّة القليلة في المدينة، كانوا يعتقدون أن عدم بيعة الامام الحسين ليزيد خطأ فادح، وانه يعرض نفسه للقتل، او ربما للتهلكة، وفي الكوفة التي صدرت منها الدعوات بأن "أقبل علينا فقد أينعت الثمار...."، صدر ايضاً القول: بأن "ما لنا والدخول بين السلاطين"، في إشارة منهم الى أن الامام الحسين إنما يطالب بالحكم كما مقرر في نص المعاهدة بين الامام الحسن ومعاوية، وكل هؤلاء المسلمين، من أقصى البلاد الى غربها، كانوا يصلون ويصومون ويؤدون الفرائض ويلتزمون بالاحكام الدينية.

الاستحقاق التاريخي

من حق الشعب العراقي المأزوم والمتبلى بمختلف اشكال المحن، أن يعد نفسه الأكثر شعباً تعرض للاضطهاد والقمع والتنكيل طيلة عقود طويلة من الزمن، لذا يعتقد أن من حقه فعل كل شيء للخروج من واقعه المؤلم، بيد ان التاريخ يؤكد ان الامة مرّت بتجارب مريرة عاشتها شعوب ومجتمعات كادت أن تعصف بالدين والتراث وتحرق الحرث والنسل، فكانت دونها الحكمة والتعقّل، كما حصل مع تجربة أهل البيت يوم عاشوراء، فقد حافظ الامام الحسين بدمائه وتضحيات ابنائه واصحابه، على كيان الدين الاسلامي، ولولاه لأصبح الاسلام –كما جاء في محاضرة للفقيه المرحوم السيد محمد رضا الشيرازي- مثل المسيحية اليوم، يكتفي الناس فيه بالذهاب الى الكنائس كل يوم بالاسبوع.

ثم واجهت الأمة تحدياً ماحقاً ونكسة اخرى، ليس من الناحية النفسية والمعنوية، وإنما من الناحية السياسية والاجتماعية عندما اجتاح المغول البلاد الاسلامية مستغلين هشاشة الحكم العباسي المدعين للخلافة، فأقاموا مجازر مريعة بحق المسلمين، لاسيما في العراق، فقتلوا العلماء والابرياء ودمروا المكتبات وحرقوا المؤلفات الثمينة، وكادوا أن يقضوا على كل شيء إلا ان المواقف الحكيمة لعلماء الدين الشيعة حالت دون ذلك وتمكنوا من الحفاظ على ما تبقى.

واليوم في العراق حركة جماهيرية بدأت منذ فترة طويلة لإصلاح ما أفسده الحكام طيلة خمسة عشر سنة، فاذا أريد لهذه الحركة ان تلتحق بقافلة الإصلاح الحسيني التي بدأت عام 61 للهجرة، أي قبل حوالي اربعة عشر قرناً من الزمن، فان هذه الحركة امام استحقاق تاريخي كبير كونها تحوم بالقرب من الحدث الحسيني –إن صحّ التعبير- فهي قريبة من مشي الملايين صوب مرقد الامام الحسين، وهي الشعيرة المتضمنة لمعان ثقافية وفكرية وعقدية بينها الباحثون، ومن مظاهرها الاخلاق الحسينية خلال مسيرة المشي التي أثارت انتباه غير الشيعة وغير المسلمين ايضاً ممن شاركوا في هذه المسيرة.

هذا التحول الانساني بالمقدار الموجود والمتزايد عاماً بعد آخر، هو القادر على زعزعة أركان الفساد والديكتاتورية وإن كانت في أعتى حاكم، لان الاحتجاج والدعوة للإصلاح وحتى التغيير في هذه المسيرة لا ينبعث من عواطف او ردود أفعال ، او من شعارات مثيرة للمشاعر، وإنما من قيم عليا لن يصمد أمامها حاكم مهما أوتي من قوة، ولا أدل على نجاح تجربة العراقيين عندما استمدوا صمودهم أمام نظام صدام طيلة ثلاثين عاماً، من انتصار دم الحسين على سيف يزيد، فانتصرت الشعائر الحسينية وانهزم كل من سعى لمحاربتها او التقليل من شأنها، وبفضل هذه الروح الحسينية استعاد العراقيون حريتهم وكرامتهم من ديكتاتورية صدام، وبقي عليهم الاستمرار في مسيرة إصلاح النظام الجديد بنفس هذه الروح.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0