هناك قابلية في الإنسان لتغيير مساره في أي لحظة من حياته، وأن الإنسان بطبيعته يمر في حياته بأطوار مختلفة، ومنعطفات مهمة، وتغيرات جوهرية، فالإنسان كائن قابل للتغير والتحول والتأثر والتبدل.

يمكن في أي لحظة من اللحظات الحاسمة أو منعطف من المنعطفات الرئيسة أن يغير الإنسان مساره من اتجاه إلى آخر؛ أو قناعاته ومعتقداته إلى قناعات ومعتقدات جديدة؛ فطبيعة الكائن البشري أنه ليس جامداً، وتؤثر عليه عوامل مختلفة، ولكن اختيار ماهية المسار تخضع لاختياره وإرادته، وهو مسؤول عن هذا الاختيار، وما يترتب عليه من آثار ومفاعيل في الدنيا والآخرة.

وأوضح أن تغيير المسار في حياة الإنسان قد يكون إيجابياً، كأن يغير مساره من الاتجاه السلبي نحو المسار الإيجابي، وقد يكون العكس، ولكن أكثر المسارات تأثيراً وعمقاً في حياة الإنسان هو ما يرتبط بمعتقداته الدينية والفكرية، ومستقبله الأخروي، فقد يغير الإنسان مساره في آخر حياته من الشقاوة إلى السعادة، فتكون خاتمة أمره خيراً، وقد يغير مساره من السعادة إلى الشقاء فتنتهي حياته بسوء، فتكون عاقبة أمره خُسراً.

إن من دروس واقعة كربلاء أن تغيير المسار يمكن أن يحدث في آخر لحظات حياة الإنسان، وأن العبرة إنما تكون بالنهايات، فالحر بن يزيد الرياحي كان أول من جعجع بالحسين (عليه السلام)، وأغلق الطريق على الإمام وأصحابه، ولكنه بعد أن غيّر مساره والتحق بالإمام الحسين (عليه السلام) أصرّ أن يكون أول شهيد بين يدي الإمام في عاشوراء للتكفير عن ذنبه؛ فحاز على السعادة في خاتمة حياته، وكانت الفاصلة بين الجنة والنار بضع ساعات قليلة.

وأشار إلى أنه في مقابل ذلك كان عمر بن سعد أول من كتب للحسين (عليه السلام): قد أينعت الثمار، واخضر الجناب، ونحن لك جنود مجندة، فأقبل؛ ثم كان أول من رمى الحسين بسهم؛ فالعاقبة إنما تكون بالخاتمة والنهاية!

حاول الإمام الحسين (عليه السلام) أن يغير مساره، وجلس معه أكثر من مرة، ودعاه لترك الجيش الأموي والالتحاق به، لكنه اختار الشقاء على السعادة، والنار على الجنة.

وبفعله هذا وموقفه المشين خسر الدنيا والآخرة، فلم يحصل على شيء مما وعد به، وسرعان ما قبض عليه المختار الثقفي وقتله وقتل ابنه حفص وقال: «هذا بِحُسَينٍ عليه السّلام، وهذا بِعَلِيِّ بنِ حُسَينٍ عليه السّلام ولا سَواءَ».

وعلينا أن نستلهم من كربلاء درساً بليغاً بأن نحرص على حسن العاقبة، وسعادة الخاتمة، فقد يبدأ أي إنسان حياته في مسار الإيمان والتدين والخير والصلاح؛ ولكن تكون خاتمته خاتمة سوء، وقد يبدأ حياته في مسار الانحراف والفساد والشر، وتكون خاتمته خاتمة خير وسعادة كما هو حال الحر الرياحي.

ومن المهم الانتباه جيداً لاختيار المسار الصحيح، والحرص على عدم تغيير المسار في الاتجاه المنحرف أو الخاطئ، فالأمور بخواتيمها، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «الأُمورُ بتَمامِها، والأعْمالُ بخَواتِمِها».

ان حقيقة السعادة أو الشقاء إنما تكون بالخاتمة، فقد قال الإمام علي عليه السلام: «إنّ حَقيقةَ السّعادَةِ أن يُخْتَمَ للمَرءِ عَمَلُهُ بالسَّعادَةِ، وإنَّ حَقيقةَ الشَّقاءِ أنْ يُخْتَمَ للمَرْءِ عَمَلُهُ بالشَّقاءِ».

ولابد من التنبه لمغريات الدنيا، ووساوس الشيطان، فقد يبدأ الإنسان حياته متديناً ثم يغير مساره ويكون ملحداً، أو يبدأ حياته بطلب العلم الديني ثم يصبح منظراً للفكر الشيوعي، فيخسر الدنيا والآخرة.

فلا يوجد أي ضمان للإنسان أن يبقى على ما هو عليه من قناعات أو معتقدات أو أفكار، فقد يغير مساره لأي سبب كان، وقد يكون هذا التغيير إيجابياً أو سلبياً، نحو السعادة والفوز في الدارين، أو نحو الشقاء والتعاسة في الدنيا والآخرة.

والإنسان المؤمن لابد أن يفكر في آخرته، وأن يستلهم من كربلاء، وسيرة الإمام الحسين (عليه السلام) وأن يحافظ على إيمانه وتدينه وثباته على المبادئ والقيم والأخلاق؛ وألا يغتر بالدنيا، فإنها تغري وتغر وتضر.

فالاغترار بالدنيا، ومخالطة أهلها، والتأثر بأصحاب الدعوات المنحرفة والملحدة والفاسدة من موجبات سوء العاقبة؛ بينما التفكير في الآخرة، والإيمان بالمعاد، وقوة الإيمان، وسلامة العقيدة، ومخالطة أهل الصلاح والخير والإيمان، وإعمال العقل من موجبات حسن العاقبة، وسعادة الخاتمة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1