اي ثورة في العالم هي تمثيل لاقصى درجات الصراع بين منهجين متضادين وصلا الى مرحلة من الصدام يصعب معها التعايش، ما يستدعي حلولاً جذرية للتخلص من حالة عدم الاستقرار وانهيار التوازن بين الطرفين، فالطرف الذي يشعر بان وجوده على المحك يريد استعادة مركزه السابق، بينما يقوم الطرف الاخر بتعزيز نفوذه واحكام سيطرته على مجريات الاحداث.

الاحداث التي تلي فقدان التوازن هي بمثابة العلامة الفاصلة في حياة الطرفين، (اما نكون او لا نكون او هي معركة وجودية)، يتعامل الطرفان حسب هذه المعادلة، لكن كل حسب منهجه وسياسته، فقد يجد البعض في مبادئه وسيلة للخروج من الازمة، بينما يتخذ الاخر طريقة المكر والخداع ويغلفها بقناع جميل، باستخدام المصطلحات والتسميات مثل مصطلح "الواقعية" ويفسر هذا المصلح بان لجوئه الى اساليب الخداع كان بدافع واقعي لتجاوز الازمة التي يعيشها، وان من حق الانسان تضليل غيره لتحقيق أهدافه.

لكن لماذا يلجأ البعض للمبادئ بينما يذهب الاخر للخداع والتلون حسب الظروف تحت مسمى الواقعية؟

الامر يعتمد على قوة كل طرف في احد المجالين واجادته له، فصاحب المبادئ يجد نفسه اكثر احترافية فيما يتبع من مبادئ، ويعتمد عليها كرافعة لجهوده في مواجهة خصمه، انه يرى في المبادئ كأسس رصينة للبناء في المستقبل واصلاح حالة المجتمع التي تتجه نحو الهاوية بفعل السياسات الخاطئة للمنهج الاخر والتي يتم تبريرها بحجة التاقلم مع الواقع ومسايرته.

اما صاحب المنهج الواقعي فتكمن قوته بالخطاب التبريري، يفسر الاحداث بطريقة متناقضة، ولا توجد اسس رصينة له سوى في خطابه، خذ على سبيل المثال حجة الحزب الاموي بالسطوة على مقاليد السلطة بالقتل والترهيب وشراء الذمم، يبررون ذلك بالحفاظ على كيان الامة من الحروب التي انهكت الامة، ويروجون للناس على انهم ينشرون الامن والاستقرار، بينما هم في الواقع ينشرون الخوف والرعب بين الناس، فضلا عن التمييز حسب صلة القرابة ومدى الارتباط بالسلطة الحاكمة.

وبما ان قوتهم تعتمد على الخطاب فهم لا يَعْرِضون افعالهم على مبادئ ثابتة، بل يحولون ان "يُمَنْطِقون الاشياء" اي ان يضعوا لكل شيء سياق منطقي من الحجج والبراهين البعبدة عن المبادئ.

هذا الاسلوب متبع منذ قديم الزمان وحتى العصر الراهن، وقد لا يجد المجال الاكاديمي له تسمية في سياقه السابق، او قد يوصف بالنهج الانتهازي والتضليلي، لكن اليوم اصبح لهذا النهج اتباع يتفاخرون به، ويطلقون عليه اسم "الواقعية السياسية" والتي لا ترى العالم سوى حالة من الصراع والفوضى التي تحتاج الى استخدام اي اسلوب مناسب لتحقيق الانتصار على الخصوم بغض النظر عن شرعية شن الحرب ضد الاخر، فما دامت ماكينة الخطاب الدعائي قادرة على تبرير الافعال فيمكن فعل اي شيء.

في الواقعية السياسية القديمة والجديدة يتم تجريف نظام القيم وتاسيس نظام جديد قائم على شريعة الغاب، فالغاية هنا تبرر الوسيلة، حتى وان كانت الغاية الاستيلاء على السلطة غصباً، وحتى وان كانت الوسيلة استخدام العنف والقتل، لذلك تجد السياسي الواقعي يركز على محورين أساسيين في حياته السياسية، الأول تحصين نفسه بقوة عسكرية قد تكبر او تصغر حسب أهدافه وطموحاته، والثاني هو تأسيس قوة إعلامية جبارة قادرة على الدخول الى استدرار عواطف الناس وتحريف أفكارهم. وظيفة القوة العسكرية هي توسيع مناطق السيطرة، واقتطاع أجزاء من حقوق الاخرين، وترهيب من يمكن ان يصبحوا خصوماً في المستقبل، بينما تقوم الالة الإعلامية بتبرير أفعال القتل والتدمير ضد المجتمع.

وقد تحقق الواقعية السياسية انتصارات كبرى ضد خصومها، وتستولي على مساحات كبيرة من الأرض وتستقطب جمهوراً واسعاً من المجتمع، لكنها مبنية على رمال متحركة لا تكاد ترتفع الى القمة حتى تزول بنفس السرعة والطريقة، فالقاعدة الجماهيرية لا تتبعها عن قناعة بل طمعاً بالمال او خوفاً من قوة السلاح، وإذ فقد المال والسلاح انهارت قواعدها، لتبقى السياسة القائمة على المبادئ هي المنتصر النهائي فقد تهزم في معركة او معركتين او اكثر، لكنها لا تخسر الحرب النهائية، لان المبادئ مبنية على أسس رصينة تخاطب العقول وتبنيها ايضا، ما يجعلها تصلح لكل العصور، لا سيما وان الإنسانية في حالة تقدم وارتقاء في عقولها بفضل التقدم العلمي واتساع رقعة المتعلمين بين صفوف المجتمع العالمي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0