في زيارة الأربعين يكتظ العراق من أقصاه إلى أقصاه بالزائرين الكرام المتوجهين إلى مدينة بعينها، إنها كربلاء المقدسة حيث مرقد سيد الشهداء الثائر العظيم الحسين عليه السلام، وتشير الإحصائيات إلى أن الأعداد تنوش سقف العشرين مليونا، فسمّيت هذه الزيارة بالمليونية تبعا للأعداد المتوافدة، النسبة الأكبر من العراقيين، ولكن زوّار الخارج لهم نسبة كبيرة أيضا، فيتقاطر سنويا مئات الآلاف على العراق ومدينة الحسين من أرجاء العالم كافة.

هذه الملايين العراقية والأجنبية من الزائرين تتكفل بغذائهم ومشربهم ومنامهم المواكب الحسينية التي بلغت الآلاف، بعض الزوار يؤكد أنه يأتي إلى كربلاء المقدسة مطمئنا من جانب الحاجات المهمة كالغذاء والمنام، ولا يفكر في هذا الأمر مطلقا، أحد أصدقائي وهو أب لعائلة كبيرة نسبيا يقطن مقابل مستشفى الكفيل في مدينة الحسين، أكدّ لي أنه طوال شهريّ محرم وصفر يحصل على طعام العائلة من المواكب الحسينية، ولأنه كاسب يدفع عربة صغيرة كي يعيل عائلته الكبيرة، يقول (أنا أجد راحتي في هذين الشهرين، فلا أضطر لدفع العربة، آلام ظهري تقل أو تنطفئ تماما، والسعادة والأمن يغمرني وعائلتي).

هذا المثال البسيط يؤكد أن نوعا من التكافل غير المبرمج يدور بين أفراد المجتمع، يشارك فيه الجميع تقريبا والدرس الأكبر هنا، يحصل عليه صغار السن من الأطفال والمراهقين، فهؤلاء يرون بأعينهم حملة التكافل المتواصلة لأكثر من خمسين يوما، يشاركون فيها، يقدمون للزوار كل ما يحتاجونه، هؤلاء الأطفال يقومون بهذه المهمات بسعادة وفرح، إنهم يعملون بحماسة وإقدام لأنهم يشعرون بدور يقومون به في حياتهم، تشب قامتهم وتكبر عقولهم وهي مشبعة بحملات التكافل التي يساهمون فيها في زيارة أربعينية ثائر الإسلام العظيم الحسين الشهيد، فما أروع وأعظم هذه التربية التي تتلقاها هذه الفئة من المجتمع وهي تمثل القيمة المستقبلية للعراقيين، إنهم يعيشون مبدأ التكافل دونما تخطيط أو إجبار لذلك يتغلغل مضمونه وأفكاره في كيانهم وتتشرب به عقولهم، فيتم خلق جيل من العراقيين تنشأ وتنمو أفكارهم وتوجهاتهم وتقوم ركائز حياتهم على مبدأ التكافل.

ما يُعنى به مبدأ التكافل، أن يتعاون الناس على المصاعب المختلفة، وأهمها ملء النواقص وتقليص مساحة الفقر، وتذليل آلام الحاجة، والأهم صنع الخصية التي تنزع إلى سد نقص الآخر وليس التجاوز على حقه، هنا يكمن سر سعادة الناس بزيارة الأربعين، فالناس تتحول إلى ما يشبه (الملائكة)، فلا أحقاد ولا ضغائن، ولا خوف، ولا اعتداء، ولا جوع، ولا سرقة أو بالأحرى لا تفكير بالسرقة، وانتعاش الأمل، وانتشار نوع من التعايش عجيب غريب، ففي إحصائيات عراقية أمنية رسمية، أن الجرائم بكل أنواعها تهبط ألى مستوى قياسي مقارنة بالشهور، أما السرقات فتنعدم في شهري محرم وصفر!! ماذا يعني هذا؟؟ كم هو مهم وجميل أن تقوم جهات معنية متخصصة بدراسة هذه الظاهرة التي تتكرر في كل عام.

بالطبع قد يختلف مفهوم التكافل بعض الشيء عما يجري خلال الزيارات المليونية كزيارة الأربعين، فالتكافل أو التأمين الإسلامي هو مفهوم تأميني إسلامي يرتكز على المعاملات الإسلامية المصرفية، مع مراعاة قواعد وأنظمة الشريعة الإسلامية، هذا المفهوم قد يمارس في أشكال مختلفة، والتأمين الإسلامي هو اتفاق يتم بين أشخاص يتعرضون لأخطار محددة بهدف تلافي الأضرار الناشئة عبر إنشاء صندوق يتم إيداع اشتراكات فيه على أساس التبرع، ويتم منه التعويض عن الأضرار التي تلحق أحد المشتركين من جراء وقوع الأخطار المؤمن منها.

ولكن نحن نخوض بالمعنى العملي للتكافل، إنه يتجسد في ما يقوم به أهالي كربلاء المقدسة في زيارة الأربعين، وما يؤديه أهالي المواكب الهالة التي تمتد على جوانب ومحارم الطرق الرئيسة والفرعية لتشرع بتقديم خدماتها مجانا إلى مئات الآلاف من زوار سيد الشهداء، بالطبع دونما كلل أو ملل، وبلا أدنى منّة، فالجميع يشعر بأنه يخدم نفسه، أما ظاهرة فتح البيوت أمام الزوار فهي تكاد تكون ظاهرة عراقية مليونية بامتياز، والأجمل أن الناس تتسابق للحصول على زائرين يملؤون بيوتهم وينظرون إليهم كمصدر للخير والبركة لأنهم زوار الحسين فيتسابقون على المزيد منهم، أمام الأطفال والمراهقين والشباب، لهذا تجد الباب العراقي اليوم غاية في الكرم وعنوانا للتكافل.

قد يقول قائل أن هذه الخدمات الحسينية تجري بلا تنظيم، كما أنها تنتهي مع نهاية الزيارة الأربعينية، في الإجابة عن الشق الأول، إنها ليست عشوائية، بل هناك تعليمات تصدر للمواكب الحسينية وسواها يتم العمل بها، ومع مرور السنوات يعالج الجميع الهفوات التي قد يقعون فيها سهوا، فالتصحيح قام على قدم وساق، كما أن المراجع العظام والمنابر والخطباء يقدمون التوجيهات اللازمة باستمرار، وقد وجدت صداها لدى الجميع من خلال ما نلمسه من تقدم رائع في مجال التنظيم والمثابرة وحملات النظافة الجماعية المستمرة.

أما بخصوص أن ظاهرة التكافل في الزيارة الأربعينية سرعان ما تنتهي مع نهايتها، فهو قول غير صحيح، قد يصح على الكبار، لكنه لا يمكن أن يصح مع الأطفال، لأن ذاكرة الصغار (الأطفال والمراهقين) تخزن في مركزها جميع ما يراه الطفل ويلمسه ويفعله بنفسه، فتُغرس في ذاكرته أنشطة التكافل، وتنمو معه كسلوك أبدي يستمر معه طالما بقي على قيد الحياة، وهذا هو سر ديمومة المواكب الحسينية، وبالنتيجة سيحصل العراقيون على مجتمع مستقبلي قام على التكافل، وهذا يشمل الزائرين أيضا حيث تلتصق بهم هذه المبادرات وتتحول إلى فكر وفعل جمعي في مجتمعاتهم، وهذا شيء طبيعي لأن التأثر بالأفعال الجيدة أمر محسوم وسوف ينتقل مع الزار إلى بلده ومجتمعه.

نحن نقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة نسعى من خلالها لبناء الإنسان العراقي، خصوصا فئة الأطفال والمراهقين والشباب صعودا، ولابد أن يتربوا على القيم الحسينية العظيمة، ومنها التكافل، فزيارة الأربعين تقدم دروسا عظيمة وبلا مقابل للأطفال والفئات الأقرب منهم، وتساعدهم على بناء شخصية متكافلة مستعدة للتعاون في الخير، وحين يكون الطفل تكافليا ويكبر على هذه الثقافة، فإن ما يضمره المستقبل هو مجتمع تكافلي متعاون وناجح في جميع المقاييس، إنها إحدى ثمار زيارة الأربعين وما أكثرها لو أننا درسناها جيدا وعرفنا كيفية الإفادة منها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0