حين إنعطفت بنا السيارة بإتجاه حي شعبي، بدت بيوته مبنية بشكل شبه عشوائي، قلت للسائق؛ لا أعتقد إن (الفنار) يقع هنا، وأردفت؛ هل أنت متأكد من المكان؟

-لم يبق الاّ القليل وستعرف انت قلت لي خذني للفنار، وها انا اوصلك اليه.. ترددت كثيرا في تنفيذ طلب صديقي، الفنان التشكيلي الذي هاجر الى احدى الدول الاوربية، ايام الحصار الاقتصادي على العراق في التسعينيات واستقر هناك.

كان يريد ارسال احدى لوحاته المخزونة في (الفنار الفني) الذي بنته الدولة قبل عقود، حيث تجمع فيه نماذج الاعمال الفنية من لوحات ونصب وتماثيل، وقد قيل لي انه تعرض بعد الاحتلال الاميركي في العام 2003 الى تخريب وحرق ونهبت منه الكثير من الاعمال، لكني غير متأكد من ان اللوحة التي يريد صديقي ارسالها له ليشارك فيها بمسابقة فنية دولية، قد سرقت او حرقت ام لا.

لقد كانت محاولة مني لتحقيق رغبة صديقي، الذي اعطاني كامل مواصفات لوحته واسمها (عراق المستقبل)، رسمها مطلع ثمانينيات القرن العشرين، قبل ان تبدأ سلسلة الحروب، وعرضت في المركز الوطني للفنون ومن ثم حفظت في (الفنار الفني).

لقد انشغلت بقراءة كتاب معي، وتركت السائق يأتي بي الى هذا المكان الذي فوجئت به، لكن فضولا حقيقيا جعلني ارغب في ان اقف على حقيقة هذا (الفنار) الذي لم اسمع به من قبل، وايضا لم اكن من المترددين على (الفنار الفني) الذي اقصده الان، كوني من غير المهتمين كثيرا بالفن.

توقفت السيارة قرب مكان بدا اشبه بمخازن مهجورة وفيها سكراب لمواد مختلفة، وهناك نساء واطفال يبحثون بين الانقاض عن اشياء يمكن ان يبيعوها او يستفيدوا منها، وعلى مقربة من هذا (الفنار) الغريب كانت هناك بيوت متراصة على شكل عرصات، خمّنت انها بيوت هؤلاء الذين يبحثون في الانقاض.

اخذ فضولي يتزايد وانا اقف امام شاب يلف راسه بيشماغ احمر عتيق بعض الشيء، ويرتدي قمصلة عسكرية قديمة وبنطالا اسود، قلت له بعد السلام؛ هل هذا المكان اسمه الفنار؟ ابتسم وقال؛ يبدو انك ليس من هذه المنطقة؟ قلت وانا افتعل ابتسامة؛ نعم ولم ازرها يوما، قال؛ هذا المكان شهير، وكل من يبحث عن قطع غيار مستعملة يأتي الى هنا.. هنا يوجد كل شيء! ... أيقنت حينها انني أتيت المكان الخطأ.

لكني رحت اتجول بين مواد عديدة يعرضها باعة من مختلف الاعمار، مفروشة على الارض على شكل بسطات عشوائية، فيما كانت بعض السيارات تأتي وتلقي بأنقاض على مقربة من المكان فيسارع اليها الاطفال والصبية ليلتقطوا ما يرونه مفيدا منها ليبيعوه على هؤلاء الباعة الذين يقومون بتنظيفه او ترميمه ليعرضوه بسعر أعلى.

كان المشهد مثيرا بالنسبة لي، فأنا ولدت في بيت فخم، وعشت حياة مترفة بعيدا عن هذه الاجواء.. ابي يعمل في التجارة وكنا ايام الدراسة الجامعية محط غبطة اصدقائنا، لأننا نأتي بسيارة حديثة وجيوبنا مملوءة بالمال.

وحين اتصل بي صديقي الفنان التشكيلي الذي كان زميلي في الكلية، وطلب مني ارسال اللوحة قال لي مازحا؛ ارسلها على حسابك، انت غني، لأني لو تركت الامر على أهلي فلن تصلني اللوحة ابدا... وضحك!

من بين الصغار الذين كانوا يبحثون في الأنقاض، لمحت صبيا جميلا ونظيفا الى حد ما، بدا ناشزا بين جمع الاطفال والنسوة اللواتي يلفّن اجسادهن بعباءاتهن السود ويربطنها بأحزمة، وخمّنت انه يبحث عن شيء معين.

حين تجولت ببصري بين البسطات الخرافية التي تجمع المتناقضات، لفت انتباهي ان هناك لوحات فنية شعبية وتماثيل صغيرة لأشخاص غير معروفين، بدت مثلمة او مشوهة احيانا، وكذلك أواني خزفية وفخارية منقوشة بطريقة فنية بالإضافة الى قطع من السجاد المستعمل او المقطّع، ما زاد من فضولي في التجوال بين هذه البانوراما الغريبة.

كانت صورة اللوحة التي ارسلها لي صديقي مخزونة في هاتفي المحمول، لوحة جميلة حقا، يبدو فيها نهران يخترقان خارطة العراق، في اشارة الى دجلة والفرات، وعشب واشجار جميلة ونخيل ومصانع ولمسات اخرى، لا ادري كيف وظفها بطريقة فنية باهرة وخرج منها بهذه اللوحة التي قال لي انها حصلت على جائزة وطنية في حينها.

انتبهت الى الصبي الذي يبدو انه حصل على شيء يبحث عنه، فدفعني الفضول لان اقترب منه، لم اتبين الشيء الذي حصل عليه، لكنه بدا مسرورا، وحين وقفت قبالته قلت له؛ هل تعمل هنا؟ رد عليّ بعفوية؛ لا... انا احب الرسم والمعلم شجعني عليه ولديّ رسوم كثيرة في البيت، لكني كثيرا ما اجد لوحات فنية هنا، فاشتريها لأتدرب عليها... واستدرك، قبل مدة وجدت الكثير من اللوحات المحروقة تقريبا وتماثيل مثلّمة، قمت بترميمها والتدريب عليها باعادتها الى شكلها الطبيعي.

طبعا لا يمكن ان تكون كالسابق لكني احاول.. قال ذلك وهز رأسه مبتسما، وكان يبدو واثقا من نفسه... قلت له؛ واين بيتكم؟.. اشار الى مجموعة بيوت صغيرة تبعد مسافة مئات الامتار عن المكان وقريبة من العرصة، بدت جميلة، وان كان بناؤها بسيطا.. قال لي، هذه بيوتنا بنيناها على ارضنا ولم نستحوذ عليها.. كان يشير الى العشوائيات التي تزاحمت بعد الاحتلال.. هممت بالابتعاد عنه والمغادرة، لكني رغبت سؤاله عن ما حصل عليه اليوم، فقال؛ لوحة جميلة، لكن للأسف تعرضت للحرق وتشوهت اغلب ملامحها.. ثم عرضها امامي .. وحين حدّقت بها صعقت.

- انها لوحة صديقي ...!! صرخت بالصبي الذي ارتبك.. فرد بعفويّة؛ لقد ألقت بها سيارات الأنقاض ياعم..!! حاولت ان آخذها منه لكنه أبى، فطلبت تصويرها فوافق.. قلت؛ هل ستتدرب عليها؟ قال؛ نعم، وسأعيدها كما كانت، انها جميلة حقا..!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق