التربية القائمة على الإساءة أو السيطرة المفرطة لا تسبب الذهان لدى البالغين بشكل مباشر، بل تعمل من خلال تفاعل متسلسل من العمليات الذهنية. تُشكّل تجارب الطفولة "نمط الارتباط" لدى الفرد، والذي يعمل كـ مخطط داخلي لكيفية تواصله مع الآخرين. تؤثر أنماط الارتباط هذه في تطوير "المخططات المعرفية" الأساسية...

تستعرض هذه الدراسة العلمية المنشورة في "المجلة البريطانية لعلم النفس العيادي"، للكاتب د. سول ميكلويد، المسارات النفسية المعقدة التي تربط بين أساليب التنشئة الوالدية في الطفولة وظهور أعراض الذهان لدى البالغين. وتطرح نموذج "الوساطة المتسلسلة" لتوضيح كيف تؤدي التربية القائمة على الإساءة أو الإهمال إلى تحطيم أحجار الدومينو النفسية؛ بدءاً من تشويه أنماط الارتباط (علاقة الفرد بالآخرين)، وصولاً إلى تكوين مخططات معرفية سلبية (رؤية الذات كضحية والعالم كخطر)، وهي العوامل التي تدفع في النهاية نحو الهلاوس والبارانويا. ويكمن جوهر هذا البحث في منح الأمل السريري؛ إذ يؤكد أن التدخل العلاجي الذي يستهدف إصلاح هذه "المخططات الذهنية" يمكنه كسر الحلقة المفرغة وتقليل حدة الأعراض الذهانية، حتى وإن لم يتغير الماضي.

وفيما يلي ترجمة المقال:

تخيل طفلاً ينشأ في منزل تتغير فيه القواعد كل ساعة، أو حيث تكون لمسة الوالدين ضربةً لا حضناً. إن بيئة كهذه تفعل ما هو أكثر من مجرد إثارة الخوف اللحظي؛ فهي تُعلّم دماغ الطفل النامي كيفية تفسير كل نظرة، وكلمة، وتفاعل اجتماعي سيواجهه لبقية حياته.

أهم النقاط الرئيسة:

* إن التربية القائمة على الإساءة أو السيطرة المفرطة لا تسبب الذهان لدى البالغين بشكل مباشر، بل تعمل من خلال تفاعل متسلسل من العمليات الذهنية.

* تُشكّل تجارب الطفولة "نمط الارتباط" لدى الفرد، والذي يعمل كـ مخطط داخلي لكيفية تواصله مع الآخرين.

* تؤثر أنماط الارتباط هذه في تطوير "المخططات المعرفية" الأساسية، وهي معتقدات راسخة تجاه الذات والعالم.

* تساهم المعتقدات السلبية (مثل الشعور بانعدام قيمة الذات أو أن الآخرين مصدر خطر) بشكل مباشر في تكرار حدوث الهلاوس والبارانويا (جنون الارتياب).

* هذا الاكتشاف يبعث على الأمل؛ فبينما لا يمكننا تغيير "حجر الدومينو الأول" (الماضي)، يمكن للعلاجات النفسية استهداف الحجرين الثاني والثالث (الارتباط والمخططات المعرفية) لمنع سقوط الحجر الرابع.

الجسر الخفي من الماضي إلى الحاضر

أجرى باحثون مؤخراً دراسة مستعرضة لفهم كيفية تأثير هذه البيئات المنزلية المبكرة على الصحة العقلية في مرحلة البلوغ. ركز الباحثون تحديداً على الذهان (Psychosis)، وهي حالة يعاني فيها الأشخاص من تحولات في الإدراك، مثل سماع أصوات أو تبني معتقدات غير عادية وشديدة.

وبينما نعلم أن صدمات الطفولة تعد عامل خطر للإصابة بالذهان، نظرت هذه الدراسة بعمق في الجانب "الخفي" من أساليب التربية. حلل الفريق بيانات 132 شخصاً بالغاً شُخصوا باضطرابات مثل الفصام أو الاضطراب ثنائي القطب، بهدف معرفة ما إذا كان الرابط بين التربية والأعراض مباشراً، أم أنه يسلك مسار "الوساطة المتسلسلة".

تخيل الأمر كسلسلة من أحجار الدومينو المتساقطة:

الدومينو 1: بيئة التنشئة

يتمثل الحجر الأول في الأساليب المحددة التي عاملنا بها آباؤنا أو مقدمو الرعاية خلال أول 18 عاماً من حياتنا. لا يقتصر الأمر على الأحداث القاسية فحسب، بل يشمل المناخ "الخفي" للمنزل الذي يشكل كيفية تعلم الطفل الإبحار في العالم. حددت الدراسة ثلاثة أنماط تربوية تطلق هذه السلسلة:

* الرعاية القائمة على الإساءة أو السيطرة المفرطة: تشمل الإساءة اللفظية والجسدية التي تجعل الطفل يشعر بعدم الأمان، أو السلوك النقدي الاقتحامي الذي يقيد استقلالية الطفل.

* الرعاية غير المبالية: تمثل شكلاً من أشكال الإهمال حيث لا يستجيب الوالدان لاحتياجات الطفل أو يتركونه وحيداً بشكل متكرر.

* الرعاية الدافئة والمستجيبة: من الناحية المثالية، يخلق هذا النمط الإيجابي شعوراً بالأمان، وقد ارتبط في هذه الدراسة ارتباطاً عكسياً بتطور الأعراض لدى البالغين.

الدومينو 2: أنماط الارتباط

عندما يسقط الحجر الأول، فإنه يصطدم بالثاني: نمط الارتباط. وهو الاستراتيجية الشخصية التي يستخدمها الفرد للتواصل مع الآخرين، ويعمل كـ "مخطط" ذهني للحميمية والأمان. يحدد أسلوب التربية أي مخطط سيبنيه الطفل:

* الارتباط القلق: غالباً ما يحفزه التحكم المفرط أو الرعاية غير المتسقة، مما يؤدي إلى خوف دائم من الهجر وحاجة ماسة لطمأنة مفرطة.

* الارتباط غير المنظم: ينتج عادةً عن الإساءة، حيث يصبح مقدم الرعاية -الذي يفترض أن يكون مصدراً للأمان- مصدراً للخوف، مما يؤدي إلى سلوك غير متوقع في العلاقات.

* الارتباط التجنبي: يتطور كآلية بقاء ضد التربية غير المبالية أو المهملة، ويتضمن إبقاء الآخرين على مسافة لتجنب المزيد من الألم العاطفي.

الدومينو 3: المخططات المعرفية الأساسية (القصص التي نرويها لأنفسنا)

تؤدي أنماط الارتباط هذه إلى إسقاط الحجر الثالث: المخططات الأساسية (Core Schemas). وهي المعتقدات العميقة التي نحملها عن أنفسنا وعن طبيعة الآخرين، وهي "الفلاتر" التي نرى من خلالها وجودنا بالكامل.

على سبيل المثال، الطفل ذو الارتباط القلق قد يطور "مخطط ذات سلبي"، معتقداً أنه غير محبوب جوهرياً أو أنه "معطوب". أما الطفل ذو الارتباط غير المنظم (الناتج عن الإساءة)، فقد يطور "مخططاً سلبياً عن الآخرين"، وهو اعتقاد بأن الناس خطرون بطبعهم، أو لا يمكن التنبؤ بأفعالهم، أو يسعون لإلحاق الأذى به.

الدومينو 4: تكرار الأعراض الذهانية

يمثل الحجر الرابع والأخير في هذه السلسلة النفسية التجربة الفعلية لأعراض الذهان في مرحلة البلوغ. وجدت الدراسة أن هذا الحجر لا يسقط من تلقاء نفسه، بل تدفعه المخططات السلبية (الدومينو 3) التي بُنيت خلال الطفولة. وغالباً ما تتطابق طريقة سقوطه مع طبيعة تلك المعتقدات:

* البارانويا والهلاوس: عندما يحمل شخص ما معتقداً أساسياً بأن "الآخرين خطرون"، قد يولد دماغه أفكاراً اضطهادية أو أصواتاً ناقدة كوسيلة لتفسير ذلك التهديد المتصور.

* الانسحاب الاجتماعي: إذا كان "المخطط الداخلي" للفرد (نمط الارتباط) تجنبياً، فقد يواجه المزيد من الأعراض السلبية مثل اللامبالاة أو الانسحاب كاستراتيجية بقاء للبقاء آمناً وبعيداً عن الآخرين.

لماذا يهمنا هذا الأمر؟

وجدت الدراسة أن العلاقة بين التربية المبكرة وذهان البالغين كانت موسّطة بالكامل عبر هذه الخطوات الوسطى. وهذا يعني أنه إذا أزلت أحجار الدومينو الوسطى (الارتباط والمخططات المعرفية)، فإن الرابط بين التربية والذهان يختفي فعلياً في النموذج الإحصائي.

ينقل هذا البحث التركيز مما "حدث" للشخص إلى "كيفية معالجته" لما حدث. ويشير إلى أنه بينما لا يمكننا تغيير الماضي، يمكننا العمل على "المخططات" و"الفلاتر" التي تركها الماضي وراءه.

* بالنسبة للجمهور العام: يعني هذا إدراك أن الصحة العقلية هي قصة تمتد لمدى الحياة، يكتبها المحيط الذي نعيش فيه وتفسيراتنا له.

* بالنسبة للمختصين: يسلط الضوء على الحاجة إلى علاجات تتجاوز مجرد إدارة الأعراض بالأدوية. فمداخلات مثل "علاج المخططات المعرفية" (Schema Therapy) أو العلاج المعرفي السلوكي (CBT) للذهان يمكن أن تساعد الأفراد على تحديد وإعادة تشكيل تلك المعتقدات القديمة والمؤلمة.

من خلال تقوية مخططات أكثر تكيفاً، يمكن للأفراد البدء في "خفض صوت" أعراضهم وإيجاد إحساس جديد بالأمان في العالم.

* المصدر: simplypsychology.org

اضف تعليق