فكرة المسابقات التلفزيونية (سؤال وجواب) فكرة صائبة كان الهدف منها تنمية القدرات الفكرية للمستهدفين، سواء كانوا من فئة الشباب أو النساء أو العوائل أو طلاب المدارس والجامعات وحتى أرباب الصناعات والحرف والمهن، وقد انتقلت إلينا من الغرب بعد سنين طويلة من دخول البعث التلفزيوني.

من أشهر برامج المسابقات التي عرضت، والتي لا زال بعضها يعرض إلى الآن:

1ـ الخطر أو المحك "Jeopardy" فكرة الأمريكي "ميرف غريفن" ولا زال يعرض في أمريكا منذ عام 1964ولحد الآن.

2ـ أنت والمليون: صاحب الفكرة "جون دي مول"، مالك شركة "إندمول" العالمية. عرض لأول مرة عام 2010 في بريطانيا على القناة الرابعة باسم "The Million Pound Drop "

3ـ القوة العاشرة "Power of 10" فكرة شركة سوني ويعرض في أكثر من 30 دولة حول العالم.

4ـ الهرم "Pyramid" برنامج مسابقات أمريكي عرض في العديد من دول العالم

5ـ الثقة "Trust" فكرة شركة "بانيجاي" البريطانية.

6ـ دقيقة بمليون "Million dollar minute" وهو برنامج أمريكي

7ـ من سيربح المليون"who wants to be a millionaire" "من يريد أن يكون مليونيرا". عرض لأول مرة في بريطانيا في 4 أيلول 1998 وهو فكرة شركة "سيلادور"، وقد عرض في أكثر من 120 دولة حول العالم.

8ـ وزنك ذهب وهو الوحيد فكرته عربية صاحبها تلفزيون أبو ظبي.

كل هذه البرامج تعتمد التدرج المعرفي مع المتسابق من الأسهل صعودا إلى الأكثر صعوبة، وهي في مرحلتها السهلة تعمل عادة على القضاء على توتر المشارك لا أكثر، لتنتقل به بعدها إلى أسئلة فكرية تحتاج إلى خزين كبير من العلوم والمعارف.

وهذه البرامج بحد ذاتها، ونتيجة الجوائز المالية القيمة التي تخصصها للرابحين، تدفع الناس إلى البحث والقراءة والتقصي والحفظ، فتزداد معارفهم دون أن يشعرون.

من جانبنا نحن العرب، حاولنا تقليدهم بصنع نسخ طبق الأصل لتلك البرامج إلا أنها جميعها كانت هابطة فكريا مقارنة مع الأصل الغربي. وفي مرحلة لاحقة انتقلنا من برامج التحفيز الفكري إلى برامج من نوع آخر لا تحتاج إلى إعمال الفكر والبحث والدراسة بقدر حاجتها إلى المواهب الفطرية من غناء ورقص وتمثيل، مثل برنامج "آرابز جوت تالنت" وفكرته عربية. وبرنامج "آراب آيدول" (Arab idol)، المستنسخ عن برنامج المسابقات الغنائي العالمي "Pop Idol" وصاحب فكرته "سيمون فيلر". وبرنامج رقص النجوم، (دانسينغ ويذ ذا ستارز) "Dancing with the Stars" المستوحى من برنامج مسابقات خاص بالرقص البريطاني.

وفي هذه المرحلة تخلى المتابع عن القراءة والمتابعة الفكرية والبحث وانشغل بتقليد المغنين والراقصين والممثلين عسى أن يكون من الفائزين.

إن الفن جزء من حياة المجتمعات، ولا غنى للمجتمع مهما كانت درجة ثقافته عن الفنون بما فيها الرقص والغناء وغيرها، لكن هذا لا يعني أن تتقدم هذه الكفاءات على الكفاءات العلمية أو تحل محلها أو توقف نموها وتقدمها؛ لأن المجتمع يتعرض إلى خسائر فكرية تسهم في تعطيل قدراته وتقدمه، فالموازنة مطلوبة في كل شيء.

لكننا بدل أن نبحث عن وسائل لعلاج هذه الظاهرة السالبة التي تفشت في مجتمعاتنا العربية وغزت البيوت ودور العلم، لجانا إلى أساليب غريبة غاية في الغرابة، جعلت من تلك الأعمال الهابطة تبدو قارب إنقاذ لإنسان مشرف على الغرق، حينما لجأت بعض محطاتنا الفضائية إلى أسلوب السؤال التافه الذي يحقق أكبر قدر من الاتصالات الهاتفية؛ التي تحقق بدورها أكبر قدر من المكاسب لأصحاب تلك المحطات دون التفات إلى الأضرار الجانبية الخطيرة التي تتركها على المجتمع، حيث تقوم بتسطيح الفكر وتجميده بل والاستغناء عنه بشكل شبه كامل مع الإبقاء على جزء يعادل دماغ طالب الدراسة الابتدائية يتيح فرصة التأكد من الجواب المطلوب، ولاسيما وان المحطات تعطي ثلاثة أو أربعة خيارات ثلاثة منها غريبة كليا عن الجواب المطلوب لكي يبدو واضحا جليا لا يقبل التأويل، مما يغري الناس للاتصال بالقنوات لعشر أو لعشرين مرة لزيادة فرصة الفوز.

وإذا ما كنا نعتب على القنوات التجارية النفعية التي تعمل على تجهيل مجتمعاتنا جشعا وركضا وراء الربح البسيط والسهل، فإن عتبنا يتضاعف ملاين المرات على القنوات الحكومية التي تمثل وجهة نظرة الدولة؛ مثل قناة العراقية الفضائية، هذه القناة التي يجب أن تتواصل مع جميع شرائح المجتمع وتلبي طلباتهم وطموحاتهم، وتهتم بالثقافة والفكر والأدب والرياضة والتربية وتنمية الروح الوطنية، فالظاهر أن العدوى، عدوى التغابي قد انتقلت إليها أيضا، حيث تقوم الآن بعرض برنامج بعنوان (جاوب وأربح) تعتمد الإجابة على الأسئلة التي تقدم فيه على الاتصال الهاتفي، فهذا البرنامج وصل إلى درجة من الانحطاط الفكري، تبعث على التقزز والنفور، وتتسبب بوجع لا يوازيه وجع، وإلا بربك ما معنى أن يكون سؤال اليوم23/4/2015: "ما أبغض الحلال إلى الله: الطلاق أم الصداق؟" ليحصل الفائز على مبلغ 500000 دينار، علما أن جميع أسئلة البرنامج في جميع حلقاته السابقة هي من هذا النوع تحديدا، وبنفس هذه التفاهة والاستغفال، وهذا برأيي استغفال وإهانة كبيرة للعقل العراقي، هذا العقل الذي قدم للبشرية الحرف والتدوين والمعارف والعلوم والحضارة والتمدن. فماذا سنقدم للبشرية ونحن نتعرض إلى مثل هذا النوع من الحرب الفكرية يا ترى، وعلى يد قناة المفروض أن نثق بها؟!

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0