لا شك أن الأفضل هو الاصلح وفي نهاية المطاف سيكون البقاء للأصلح أيضا هذه سنة كونية تحكم الأشياء صغيرها وكبيرها.. وتنجلي اكثر في حياة البشر فإن ما يجهله الإنسان في الأمور اكثر مما يعرفه، الأمر الذي يستدعي منه العمل الدؤوب لتبديل جهله إلى معرفة وفقدانه إلى وجدان، كي يستمتع بنور العلم، الذي يسهّل الحياة ويذلل الصعوبات أمامه.

ومن الواضح أن تحصيل العلم قد يكون عن طريق الاستماع إلى الخبير، وقد يكون عن طريق التجربة والخطأ حتى الوصول إلى الحقيقة الكامنة.

وحيث أن ذلك خلاف طبيعة الإنسان المجبول على اتباع نمط حياة آبائه، فان اتباع العلم يصعب عليه، إلاّ إذا رأى صواب الفكرة وانها اقرب إلى مصلحته وتسهيل حياته.

والأنبياء (عليهم السلام) في دعوتهم كانوا يركزون على بيان أن ما يقولونه أصلح لا للآخرة فقط بل للدنيا أيضا قال تعالى (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)(1) وقوله (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت)(2).

والمجتمعات في قبول هذا وفهم مصلحتها مختلفة، فبعضها أسرع فهماً للحاجة إلى ذلك الشيء الجديد فتتكيف معه، في حين أن مجتمعات أخرى ابطأ فهماً بل قد تعتبره مضراً، نتيجة لعوامل الوعي والثقافة والبينة و...

مثلاً نظرة المجتمعات إلى الكتاب، والإذاعة، والمجلة والجريدة والانترنيت و... مختلفة باختلاف ثقافتها وفهمها لأهمية تلك الأشياء.

مع العلم بأن كل تطور وتغيير يحمل في طياته إيجابيات وسلبيات، حتى أرقى وأسمى الأفكار تلازمها بعض السلبيات، فهذا الجهاد في سبيل الله وهو من احبّ الأعمال إلى الله تعالى، وأكثرها ثمرة يستلزم التضحية بالنفس وتحمل المشاق والمصاعب، كما أن كل اختراع سهّل حياة الإنسان لازمته سلبيات، الكهرباء قتلت الكثيرين والسيارات ألم تلوث الجو وتدهس الملايين؟ الطائرات ألم يستفد منها لقصف المدن وقتل الأبرياء؟

وإن من أهم العوائق للتطور هو الاستجابة للعوامل السلبية أو تضــخيمها لأجل النظر إلى الشيء من زاويته السلبية من دون محاولة النظر إليه من الزاوية الإيجابية، أو محاولة الاستفادة الإيجابية منه.

إنّ ملاحظة تاريخ المسلمين بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يكشف لنا أن اهتمام المسلمين إنصب على تحصيل مختلف العلوم الدينية والدنيوية، امتثالاً لأوامر الله تعالى وما ورد في القرآن الحكيم من لزوم تحصيل العلم، لحثّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) المسلمين على طلب العلم كقوله (طلب العلم فريضة على كل مسلم) وقوله (اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد)، فلذا نرى التطور الهائل في مختلف العلوم، وما اكثر العلماء المسلمين الذين تفتخر بهم الإنسانية، بل لو لا المسلمون لما كان للعلم الحديث أي اثر، فهم آباء العلم الحديث.

ولكن التطور لم يكن في مسائل السياسة والحكومة، رغم وجود نصوص دينية متعددة في هذا المجال، وذلك لأن الخوض في هذا الأمر كان يعتبر تجاوزاً للخطوط الحمراء ودخولا في حرم السلطان الذي يريد أن يجعل من إرادته وهواه برنامجا ودستوراً للدولة. بل هي تمثل إرادة السماء على الأرض.

فبدأ الاعوجاج، وكلما مرّ دهرٌ ازدادت الثغرة واتبع اللاحقون سيرة السابقين.

ونرى أن الضرر الأكبر نشأ من الإصرار على عزل الحكم عن آل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم خزائن العلم ومعدنه وقد خلفهم الرسول كعدل للقرآن الكريم في قوله (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا)(3) فلو تمسك المسلمون بهما لم وصل أمرهم إلى ما وصل إليه بل لم يكن يحصل الضلال أبدا، لكن ترك أحد العدلين سبب ترك العدل الآخر أيضا، لان العترة تفسر القرآن، أيضا وتكشف عن مواطن التأويل فيه فضلا عن حدود التطبيق حيث إنهم الراسخون في العلم، وبتركهما معاً حصل الضلال وابتدأت رحلة التخلف، فوصل المسلمون في الحال الحاضر إلى جماعات متفرقة ينهش فيها الشرق والغرب.

والفترة القصيرة التي حكم فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) ودراسة سيرته تعطينا تصوراً متكاملاً لطريقة حكم الإسلام وتعامله مع الناس والحكام والمخالفين والبغاة و... كما أن دراسة خطبه ورسائله خاصة عهده لمالك الاشتر (رضوان الله عليه) تبين الأسس التي يقوم عليها حكم الإسلام، كل ذلك بعد دراسة سيرة الرسول وكلامه (صلى الله عليه وآله وسلم).

فتحريم الخوض في أمور الحكومة والسياسة سبب الجمود في تفكير المسلمين وعدم تطور الفكر السياسي عندهم والاكتفاء بسيرة السابقين مع انهم ليسوا بمعصومين قد ارتكبوا أخطاء فادحة أضرت الإسلام والمسلمين اكثر مما نفعت.

ومن هذا المنطلق نرى أمير المؤمنين … في الشورى السداسية رفض قبول البيعة على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين كما طلب منه عبد الرحمن بن عوف بل قال (على كتاب الله وسنة رسوله واجتهاد رأيي) حيث أن الجمود على كلام غير المعصوم واتباع كل شيء حتى مواقع الخطأ والغلط والعصيان بالإضافة إلى انه مخالفة لله تعالى، يجر الويلات على الأمة الإسلامية.

وقد استمر هذا التحريم إلى حين تفتت الدولة الإسلامية وبدأت الهجمة الاستعمارية، فهم جندوا خيلهم ورجلهم وأدخلوا أفكارهم حول الحكومة والسياسة مع أن كثير منها يتعارض مع العقل السليم ومع الإسلام وحاول الكثيرون تجاوز الرؤية الإسلامية باعتبار أن الإسلام لا رأى له في مسائل الحكومة أو أن طرقه باتت متخلفة لا تواكب العصر الذي يسمونه عصر النور مع أنّه اشد العصور ظلاماً وانتهاكاً لحقوق الإنسان وتكالباً على نهب الثروات و... وكثيراً ما يستدلون بنماذج دموية في تاريخ المسلمين كالحجاج والسفاح والعثمانيين وغيرهم، متناسين أن دراسة كل فكرة أو دين يتم عبر الرجوع إلـــى المنابع الأصلية والنماذج الصحيحة المتمثلة في القرآن الكريم وسيرة الرسول وسيرة عترته أهل بيته.

التطبيق المشوه..

فهل يمكن الاستدلال على بطلان الديمقراطية بالنموذج المطبق في العراق فإن هناك برلمانا يقولون بأنه منتخب من الشعب وهذا البرلمان ينتخب صدام في كل دورة!! فهل يصح أن نأتي ونقول إن الديمقراطية هي التي جرّت الويلات والمصائب على الشعب العراقي والخليج بل عموم المنطقة؟

أو أن الصحيح أن نقول إن ما يجري في العراق ليس إلاّ تزويراً لإرادة الشعب وديمقراطية مزيفة وحكم بوليسي ملبس بظاهر ديمقراطي.

كما أن هتلر وحزبه النازي تسلق السلطة من خلال الطرق الديمقراطية والانتخابات الحرة ثم استفرد بالسلطة، ومن المعلوم الفاجعة التي سببها هتلر للبشرية وملايين القتلى والدمار الشامل التي خلفتها الحرب العالمية الثانية شاهد على ذلك.

وإن الشيوعية في تشكوسلوفاكيا ـ السابقة ـ جائت عبر انتخابات حرة نزيهة ديمقراطية. فهل يمكن الاستدلال بهذه النماذج الخاطئة لبطلان الديمقراطية أو أن ذلك كان لأسباب أخرى.

كما أن عدم التطبيق الصحيح ـ ولو لفترة طويلة ـ ليس دليلاً على خطأ الفكرة.

بل الأمر قد يكون بحاجة إلى مرور زمان طويل كي تنضج الفكرة وعوداً على الديمقراطية فانا نرى الفكرة طرحت قبل اكثر من آلفي عام في اليونان القديمة ولم تطبق إلا في العصور المتأخرة في القرن الثامن عشر وما بعده.

والطريقة الإسلامية في الحكم قد انعكست بعض جوانبها في مراحل وأزمنة مختلفة، وإن كانت بشكل ناقص. إلا أن النماذج الخاطئة في تاريخ المسلمين ليست دليلاً على عدم نجاح الإسلام في قيادة الحياة لأنها نماذج كانت خاطئة ولا تعبر عن رأى الإسلام، بل نرى فيها مخالفة واضحة لتعاليم الله تعالى في القرآن الكريم وسيرة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم).

ومن هنا تتبين الأهمية الكبرى لدراسة الفكر السياسي في القرآن الكريم وسيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام على… بعيداً عن ممارسات الأمويين والعباسيين والعثمانيين كي نصل إلى الفكر الإسلامي الأصيل ثم محاولة تطبيقه.

لماذا الفشل ؟؟‍

وما الفشل الذي لحق بالكثير من الحركات الإسلامية والثورات أو الحكومات التي قامت على أساس تطبيق الإسلام الا لأجل عدم فهم الفكر السياسي الإسلامي الصحيح، وكنموذج مطالبة الكثير من الحركات الإسلامية وتطبيق بعض الدول قانون الشريعة، والفهم عن الشريعة بأنها إجراء الحدود فقط، مع أن الآيات الواردة في القرآن الكريم حول الحدود اقل من واحد بالمائة فأين سائر الآيات، واين المطالبة بتطبيقها، وهل تطبيق اقل من واحد بالمائة من القرآن يعني تطبيقا للإسلام؟ ومن ثم لو فشلوا حين تطبق اقل من 1% من القرآن هي يعني أن طريقة الإسلام في الحكم فاشلة؟

فأين دراسة الآيات الاقتصادية كقوله تعالى (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم)(4) و(لكم رؤوس أموالكم)(5) والآيات الاجتماعية كقوله (إنما المؤمنون اخوة)(6) والآيات الحقوقية والآيات القانونية و…

كما أن اللازم دراسة القرآن وسيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام علي… بعيداً عن القناعات والأحكام السابقة، وعدم محاولة تأويل تلك الآيات على ما نريده او ما تريده الحضارات الغربية الحاكمة.

كما حدث في الفلسفة اليونانية حينما أدخلت في الإسلام وتأويل بعض الفلاسفة للآيات والروايات على طبق تلك الفلسفة أن جذور بعض مسائلها وثنية، مثلاً كان اليونانيون يعتقدون بتعدد الآلهة، وأن لكل شيء او كل حالة اله، فقالوا بربّ النوع لكل شيء، وحينما تُرجمت هذه الكتب، أراد بعض فلاسفة الإسلام تطبيق الإسلام عليها والقول بربّ النوع لكن من خلال الكتاب والسنة!!

وعلى كل، تجب دراسة الفكر السياسي الإسلامي بعيداً عن المؤثرات الفكرية أو المؤثرات السلطوية، للوصول إلى النهج الإسلامي الصحيح ومن ثم محاولة تطبيقه.

التطور سنـّة.. والبديل لابد منه

أن التطور يفرض نفسه ـ ولو بعد حين ـ وإن رفضه جيل، فانه يفرض نفسه على الأجيال الجديدة، ولو لم تكن هي مؤهلة، فإنه تحدث هوّة شاسعة بين الجيلين قال أمير المؤمنين: (...فانهم خلقوا لزمان غير زمانكم) وهذا ما يشاهد في البلاد الإسلامية في القرن الأخير، حيث أن كثيراً من الأبناء تركوا طريقة الآباء والتحقوا بركب ما يزعمون أنه تطور، فانحرفوا، ثم تحولوا إلى أدوات لتنفيذ إرادة الشرق والغرب والاستعمار.

وسبب ذلك عن طرح البديل الصحيح الذي يمثل التطور الحقيقي والفكر الصحيح، ألا وهو طريقة الإسلام في السياسة والاقتصاد و...

إن طرح البديل الصحيح هو كفيل بدحر الأفكار اللقيطة وإرجاع الناس إلى الفكر الصحيح المتمثل بالإسلام الحقيقي، وكفيل بحفظ شباب المسلمين.

إن دراسة الحركة النهضوية التي قام بها الإمام الشيرازي في كربلاء ما بين أعوام (1955 ـ 1971م) (1375 ـ 1391هـ) ودراسة نتائجها الإيجابية شاهد على ما نقول.

ان رفض المنهج التربوي الغربي في المدارس الحكومية كان مقارناً لتأسيس (مدارس الإمام الصادق … لحفاظ القرآن الكريم) على نهج جديد يجمع بين العلوم الزمنية والدينية.

ورفض التنظيمات الإلحادية مقارناً لتأسيس تنظيم إسلامي ورفض النوادي الفاجرة مقارناً لتشكيل عشرات الهيئات الدينية ورفض الأفلام الماجنة مقارناً لتشكيل فرقة إسلامية للمسرح ومنع الناس من الأفكار الإلحادية مقارناً لإيجاد حركة تأليف في مختلف الحقول الدينية والزمنية.

لكي لا تكون الجرائد والمجلات الضالة منشأ للضلال، تأسست اكثر من عشر مجلات وجرائد دينية.

إضافة إلى ترميم المساجد وتأسيس شبه إذاعة وفرق الإنشاد الديني وتعليم الصناعات والحرف المشروعة في مدارس الحفاظ وغيرها. مما يمكن مراجعة تفاصيلها في كتاب (أضواء على حياة الإمام الشيرازي).

أن ذلك كله ساهم في جعل مناطق كبيرة في العراق وخصوصا كربلاء المقدسة قلعة ضد الأحزاب المنحرفة والأفكار الإلحادية وحفظ شبابها من الانحراف، وان اكثر ذلك الجيل اليوم هو من حملة لواء الإسلام والشرع المقدس في مختلف بقاع الأرض.

إن سنة الله في التكامل، تقتضي نجاح الاصلح في نهاية المطاف.

قال الله سبحانه: (فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)(7) وقال عز وجل (هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله)(8) وقال تعالى (إن الأرض يرثها عبادي الصالحون)(9).

إن هذه السنة تحتم علينا السير على نهجها لتسريع ذلك الأمر كي تنعم البشرية بالرفاه والسلام والأمن المفقود في ظل الحضارة الغربية الحاكمة، وإن كان اجلي مصداق لظهور الحق ووارثة الأرض هو حين ظهور الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف.

* نشر في مجلة النبأ العـدد 42-ذو القعدة 1420/شباط 2000م

......................................
الهوامش
1 ـ الأنفال: 24.
2 ـ هود: 88.
3 ـ رواه الفريقين متواتراً. راجع البحار ج2 ص100.
4 ـ الحشر: 7.
5 ـ البقرة: 279.
6 ـ الحجرات: 10.
7 ـ الرعد: 17.
8 ـ التوبة: 33.
9 ـ الأنبياء: 105.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1