كما هو معتاد يحاول من يستفيد من ظاهرة ما أن يجعلها ذات مقبولية جماعية، لأنه في هذه الحالة سوف يحقق فائدة أكبر ونتائج أفضل، فهناك من يلجأ الى كل الأساليب المتاحة لكي يحقق ما يصبو إليه، لاسيما في اذا كانت ذات مردود مادي جيد أو كبير، ولا يتردد هؤلاء من نشر الأخبار والقص وحتى القيم التي تنتسب الى ما يسمى بالخرافة، فما هي بالضبط مفردة ومفهوم الخرافة من حيث المعنى والتأثير؟.

إن الخرافة هي الاعتقاد أو الفكرة القائمة على مجرد تخيلات دون وجود سبب عقلي أو منطقي مبني على العلم والمعرفة، وترتبط الخرافات بفلكلور أو (التراث الحكائي) للشعوب، حيث أن الخرافة عادة ما تمثل إرثًا تاريخيًا تتناقله الأجيال، ويرى متخصصون أن الخرافة معتقد لا عقلاني أو ممارسة لا عقلانية. وقد تكون ذات جذور دينية، وربما تكون ثقافية أو اجتماعية، وقد تكون شخصية، أي يبتكرها بعضهم ويذهب الى بثها ونشرها بين الملأ.

من الخرافات الثقافية أو الاجتماعية إيمان كثير من الناس بأن الخرزة الزرقاء تدفع الشر وبأن نعل الفرس تجلب الخير للإنسان، وتطُّيرهم من الغراب وما إليه، وتشاؤمهم من الرقم 13 وأخيراً فإن بعض الأفراد يصنعون خرافاتهم بأنفسهم، فقد تحل بامرئ كارثة في يوم بعينه من أيام الأسبوع، فلا يكون منه إلا أن ينزع إلى الاعتقاد بأن هذا اليوم يوم شؤم بالنسبة إليه، فيبقى في حالة خوف من أن تحلّ به كارثة جديدة على تعاقب الأيام، أما المعنى اللغوي للخرافة بحسب لسان العرب لابن منظور فإنها: الحديثُ الـمُسْتَمْلَحُ من الكذِبِ.

والآن ثمة تساؤل ينبثق في هذا الإطار، هل هناك صلة ما تجمع بين الخرافة ومواقع التواصل الاجتماعي، ولماذا تستدرج هذه المواقع كثير ممن يتعاطى الخرافة، ويشجّع عليها من دون أن يفمها على نحو صحيح، وهناك من لا يفقه النتائج التي ستعود بالضرر على المجتمع، لاسيما أن هذه المواقع تسللت الى جميع البيوت إلا ما ندر، وأن جميع الأفراد باتوا يتواصلون مع بعضهم بصورة شبه يومية ودائمة؟.

إن المشكلة الكبيرة التي يمكن أن تنتج عن هذه الظاهرة، هو حالة ترسيخ ما هو وهمي في واقع حقيقي، لدرجة أن حياتنا الواقعية قد تعتمد على الأوهام في حالة تصاعد هذا الاهتمام الغريب بالخرافة، ربما يقول بعضهم إنها حالة فردية، ولا تمثل توجهات الغالبية من المجتمع، ولكن هنالك مؤشرات كثيرة، تثبت بأن ظاهرة انتشار الخرافة عبر وسائل التواصل بين الناس باتت واضحة وكبيرة وراسخة، لدرجة يمكن القول معها، أن مخاطر تمددها نحو الشباب هي الخطوة الأخطر والأكثر أذى في حالة استمرارها.

أسباب تساعد على ترويج الخرافة

في البحث عن الأسباب التي تكمن وراء ازدهار الخرافة في وسائل التواصل الاجتماعي، يبرز أحد الأسباب بقوة، بحسب الشباب الفاعلين في الفيس بوك مثلا، حيث يقول عدد من الشباب إن حالة اليأس التي تسيطر على الشباب قد تدفعهم الى الإيمان بأمور لا أساس لها من الواقع أو الحقيقة، لذلك قد يتمسك الشاب بأمنيات فارغة أو ضعيفة، بل هناك من يتشبث بالأمنيات على الرغم من أنه يعرف تماما بأنها لا يمكن أن تتحقق على أرض الواقع.

إذاً لماذا هذا الإصرار على التشبث بأمور لا وجود لها في الواقع، وهل فعلا حالة اليأس هي التي تدفع بالآلاف المؤلفة من الشباب كي يعلقوا أو يشاركون من حيث يعلمون أو لا يعلمون في ترويج الخرافة ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مثال على ذلك، أن يطرح أحدهم دعوة لطلب شيء ما يمكن الحصول عليه بسهولة بمجرد قول تلك الكلمة أو الجملة، وبدلا من أن يتثقف الشاب على أن السعي والجهد والصبر هو الذي يصل به الى أهدافه، تُشاع أمامه في وسائل التواصل حلول سهلة كي يصل الى أمنياته وأهدافه، لذلك في وسط حالة اليأس للشاب فإنه يتشبث بالخرافة كي يحصل على ما يريد، خاصة أنه مخذول من الواقع وأهله!.

إن المحاولات الحثيثة الجارية على قدم وساق لحملات التجهيل المتعمّد، تعد أيضا من الأسباب التي تدفع بشبابنا وغيرهم من الفئات العمرية الأخرى، الى اللجوء نحو مثل هذه التصرفات والسلوكيات (التواصلية) التي يعرفون كل المعرفة بأنها مخادعة وكاذبة، ولا يمكن لها في أي حال أن تقودهم الى الخلاص من الفراغ والبطالة واليأس، ولكن من لا حيلة له، ومن لا يجد أمامه سوى نافذة الخرافة مفتوحة أمامه، فإنه سوف يسعى إليها مضطرا وليس مختار، وسوف يتشبث بها عسى أن تقوده الى مرفأ الخلاص.

يقول مختص بعلم النفس، كلما ازدادت حالات اليأس بين الشباب وفي المجتمع، سوف يزداد الميل الى الخرافة، وتصديق ما لا يمكن تصديقه لو كانت الظروف التي يعيش فيها الناس جيدة، أو طبيعية، ولكن في ظل حملات التجهيل والقهر والحرمان، ماذا يفعل الناس غير اللجوء الى أقرب نافذة للخلاص من اليأس، وهذه النافذة أصبحت متوافرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأعداد هائلة، ما جعل ازدهار الخرافة أمرا ملحوظا ولا أحد يمكنه إنكاره.

خطوات لدحض اليأس والتجهيل

هل هناك حيلة وأساليب معتمد عليها، يمكن أن تؤدي بالنتيجة الى دحر اليأس وطمر الخرافة، والتخلص بصورة كليّة من الأمنيات الكاذبة، نعم حتما هناك فرصة لانجاز هذا الهدف، ولكن ينبغي أن يكون هناك تعاون جاد بين الجميع، فمثلا ينبغي أن يتم وضع حد لحملات التجهيل بكل أنواعها، وينبغي رصد من يقف وراءها وإيقافه عند حده بالوسائل القانونية الرادعة التي تمنع هكذا ظواهر وحالات مرفوضة كونها لا تمت للواقع بأي صلة.

كذلك ينبغي أن تكون هناك حملات تثقيف للعقول الشبابية التي ترتاد وسائل التواصل الاجتماعي، فيتم من خلالها شرح المخاطر التي يمكن أن تلحقها الخرافة بالعقول الشابة وسواها، ولابد من توضيح يطول الجهات التي تسعى لنشر الخرافة، وتبث حالات اليأس، وتعتمد حملات التجهيل المتعمّد، فالحقيقة الواضحة، أن الجهات التي تستفيد من خمول الشباب وعجزهم وانشغالهم بالخرافة وأمثالها، يتيح للطامعين أن يلتهموا موارد البلاد وخيراتها وهي سياسة استعمارية دأب عليها الاستعمار والأنظمة التابعة له وتأتمر بأوامره.

نعم كل من يسعى لنشر الخرافة هو جهة معادية للشعب، وكل جهة تشجع الشباب وغيرهم على اليأس وتزرع في عقولهم العجز والكسل والخمول، هم المسؤول الأول عن هذه الظاهرة، لذا على الاعلام المستقل الذي يشعر بالمسؤولية الاخلاقية الوطنية الانسانية، أن يتحمل مسؤوليته في فضح مثل هذه الأساليب التي تهدف الى تدمير الوعي الشبابي المتوقد، وتسعى لتدمير طاقات الشعب وقدراته الفكرية الواعية، لسبب بات واضحا للجميع، حتى يخلو لهم المجال والساحة لسرقة خيرات وموارد وثروات الشعب بلا منغصات.

لذلك باتت مواقع التواصل الاجتماعي مكانا مناسبا وسهلا وواسعا وسريعا لنشر التجهيل والخرافة واليأس بين الشباب أولا، وبين عموم الشعب ثانيا، من أجل تحقيق الأهداف التي سبق ذكرها، من هنا ينبغي فهم هذه الأهداف الخبيثة ومعرفة الجهات التي تقف وراءها وفضحها علنا، مع أهمية مضاعفة الوعي الشبابي والشعبي ومحاربة كل من يسعى لنشر الخرافة في مواقع التواصل الاجتماعي وخارجها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0