تتخذ بعض الجماعات أو الحركات من العنف وسيلة للوصول إلى التغيير السياسي أو الاجتماعي أو الحضاري. وهنا إشكاليات يطرحها البعض تتساءل عن مدى قدرة هذه الوسيلة على تحقيق الغاية المنشودة، وعن فعالية هذه الوسيلة في تحقيق هذه الغاية على المستوى البعيد، وعن ما يمكن أن ينتجه العنف من آثار عكسية تلحق أضراراً كبيرة بالغاية إنْ لم تلغِها في معظم الأحيان..!

والسؤال المطروح هنا هو هل تبرّر الغاية استخدام العنف لتحقيقها..؟

مبدأ الغاية تبرّر الوسيلة مبدأ قائم على مقولة تنظر إلى انتهاز الفرص لتحقيق الغايات بأي وسيلة كانت حتى لو كانت هذه الوسيلة تتناقض مع الغاية المنشودة، وبهذا المنهج تصبح الوسيلة أهم من الغاية. وقد تعرضت هذه المقولة إلى الكثير من الانتقادات الدينية والأخلاقية، يقول الإمام الشيرازي: «الغاية تبرّر الوسيلة لا أصل لها في الإسلام، نعم قاعدة الأهم والمهم قاعدة إسلامية وهي قاعدة عقلائية يستعملها العقلاء، فإنه كلّما دار الأمر بين ضررين قدموا الأخف على الأكثر وذلك بخلاف –الغاية تبرّر الوسيلة- فإنها تقدّم الغاية مهما كلف الأمر، وهذه أشبه بالانتهازية والمصلحية والنفعية وهي لا مجال لها في الإسلام»(1). ومن الواضح أن العنف ضرره أكبر بكثير من اللاعنف.

ويرفض علم السياسة هذا باعتبار أن الوسيلة يجب أن تتطابق مع الغاية وتخدمها لا العكس حيث «أن اختيار وسيلة دون أخرى لتحقيق غاية سياسية تؤثر تأثيراً جوهرياً على الغاية المنشودة نفسها وتغيّر من محتواها نفسه إذ ليس من الممكن تحقيق مجتمع الحرية والعدالة باستعمال وسائل قمعية وظالمة، وهذا بدوره يؤدّي إلى رفض نظرية (الغاية تبرّر الوسيلة) لأن إختيار الوسيلة لا يمكن أن ينفصل عن اختيار الغاية لأن الترابط عضوي بينهما»(2).

ولا يقف الإشكال في العنف من ناحية تبرير الوسيلة وخطأ هذا المبدأ بل يتعدّى الإشكال إلى خطورة العنف كوسيلة وسلاح ذي حدّين يمكن أن ينقلب على صاحبه ويقضي عليه. إذ أن العنف هو بحدّ ذاته من الوسائل الخطيرة التي يمكن أن تقضي على الغاية وتحوّلها إلى هامش في طريق الحركة لأن «جوهر فعل العنف نفسه إنما تسيره مقولة الغاية والوسيلة ولكن الغاية محاطة بخطر أن تتجاوزها الوسيلة التي تبرّرها والتي لا يمكن الوصول إليها من دونها، ومن الواضح أن الوسائل المستخدمة للوصول إلى غايات أساسية ترتدي في أغلب الأحيان أهمية بالنسبة إلى عالم المستقبل تفوق الأهمية التي ترتديها الغايات المنشودة»(3).

وتنبع خطورة العنف من كونه يتجاوز كل الوسائل الأخرى ويصبح الوسيلة الوحيدة التي تسيطر على السلوك الحركي ومن ثم يستنفذ العنف الغاية ويحتويها ليصبح هو الهدف الأول والأخير، ذلك أن «خطر العنف حتى ولو تحرّك بشكل واع ضمن إطار غير متطرّف يطال أهداف المدى القصير سيكمن على الدوام في أن واقع الوسيلة تغلب الغاية، فإن تحقّق الغايات بشكلٍ سريع لن تكون النتيجة فقط إلحاق الهزيمة بالتحرك كله كذلك إدخال ممارسة العنف في صلب الجسم السياسي كلّه»(4).

والأخطر من ذلك هو ذلك التحول الدراماتيكي الذي يمكن أن يحققه العنف عندما يعجز كوسيلة أساسية عن الوصول للغاية المنشودة حيث تتحوّل بالتدريج أدوات العنف إلى غايات أساسية للتدمير الذاتي والخارجي فتفقد الجماعة كل قدرة على إعادة التوازن الداخلي والحفاظ على التماسك وبالتالي تفقد سلطتها الداخلية وشرعيتها الشعبية. ومن هنا «ندرك أن العنف نفسه يقود إلى العجز، فحين لا يعود العنف مدعوماً من قبل السلطة نصبح أمام ذلك الانقلاب المعروف حين تصبح الوسائل غاية ذاتها، عند ذلك تصبح الغاية محدّدة من قبل الوسائل وسائل التدمير وتكون النتيجة أن هذه الغاية تؤدي إلى تدمير كل سلطة»(5). وعندما يصبح العنف الذي كان وسيلة هو المحور الوجودي المحرّك للجماعة تفقد الأخيرة مقوّماتها الذاتية وبالتالي تفقد الأسس الشرعية والوجودية التي قامت عليها.

إن الدافع الرئيسي لكثير من الجماعات في إتخاذ العنف كوسيلة لعملية التغيير هو إحداث تغيير سياسي سريع يضمن للجماعة الوصول للسلطة ومن ثم تحقيق غاياتها السياسية أو الدينية أو الآيديولوجية، وهذا الأمر ينطوي على ثغرات جوهرية تقيّض مستوى الأداء الذي اجتهدت فيه الحركة حتى ولو كان ناجحاً على مستوى التغيير الآني لكنّه سوف ينقل العنف إلى المراحل البعدية وإحداث تغيير قسري تفرضه على الآخرين لتحقيق غاياتها، الأمر الذي لا تستطيع الطبيعة الإنسانية تحمّله، وحينها تفشل الحركة في تحقيق غاياتها المنشودة.

لذلك تفشل أغلب الثورات التي تصل إلى السلطة بالعنف في ترويج مبادئها شعبياً فتتخذ العنف وسيلة مرة أخرى لفرض مبادئها قسراً بعد أن استلذّت بالأسلوب الذي حقَّق لها أحد غاياتها.

* مقتطف من دراسة تحت عنوان (العنف وحركة التغيير) نشرت في مجلــة النبــأ-العــددان (23 ـ 24) السنــة الرابعــة 1419

...............................
1- الفقه المسائل المتجددة: الإمام السيد محمد الشيرازي ص215.
2- موسوعة السياسة: المجلّد الرابع ص324.
3- في العنف: حنة ارندت ص6.
4- في العنف: حنة ارندت ص73.
5- في العنف: حنة ارندت ص49.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0