في حوار مع أحد السياسيين بشأن حال المصالحة بعد 2003 في العراق، كشف لي ان الملف وقع في متاهات السياسة، لاسيما ان هذا الملف الحيوي لم يؤسس على رؤية علمية واجتماعية، فضلا عن ذلك، فإن تفعيل خطوات العمل بالمصالحة خضع الى تقلبات المصلحة السياسية، فطوال تغيير الادارة السياسية تحديدا "منصب رئاسة الوزراء" كان هناك اختلاف في طريقة التعامل مع هذا الملف، فتارة يفعل، واخرى يهمل، أو يصاغ في ضوء ذوق المتحكم بالقرار السياسي.

حتى الآن، لم يسلط الضوء على رؤية العراقيين لمعنى المصالحة، وماذا تعني لهم، وهذا ما يدفعنا الى التساؤل: هل المصالحة مطلب اجتماعي أم سياسي؟

وهنا، نلمس نوعا من التحجيم الاجتماعي لمعنى المصالحة، فهي عند فئة تعني عودة حزب البعث الى السلطة، وعند اخرى غض النظر عن أخطاء الماضي، وبين الاثنين ضاع المعنى المناسب للوضع العراقي.

تشير المصالحة بشكل بسيط الى "رأب الصدع" بين الاطراف المتصارعة، ثم تحرك نحو الدخول في متطلبات العدالة الانتقالية الملازمة لتحقيق معنى المصالحة، ولكن، تحتاج إجراء المصالحة الى إرادة سياسية واعية بأهمية تخطي اخطاء الماضي، كما يعرفها الكاتب الاميركي جون بول ليدراخ بانها "عمليات حيوية وتكييفية تستهدف بناء ومداواة البنية الممزقة للعلاقات بين الافراد والحياة المجتمعية، وهي تتعلق بالناس وعلاقاتهم، فهي لا تعني أبداً العودة الى الحالة الأولى برغم الرغبة الشديدة في ذلك، بل انها تتعلق ببناء العلاقات، والعلاقات مرتبطة بأشخاص حقيقيين في مواقف حقيقية يتعين عليهم ايجاد طريقة للتقدم معا".

مرت الكثير من البلدان بتجربة المصالحة الوطنية، لكن يبقى النموذجان الجنوب أفريقي والمغربي الابرزان في هذا المجال، لهذا يذكر الامين الاسبق للأمم المتحدة كوفي عنان بتقريره الصادر في آب من عام 2004 الذي كان تحت عنوان "سيادة القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات الصراع ومجتمعات ما بعد" بان تجربة هيئة الانصاف والمصالحة في المغرب، كواحدة من بين أول خمسة تجارب في مجال العدالة وذلك من بين أكثر من ثلاثين تجربة أخرى.

شهدت تجربة المصالحة الوطنية في العراق غياب الرؤية الفنية، فحين نفحص الخلفيات العلمية للعاملين في الملف، لا نجد أشخاصا متخصصين في حل النزاع وبناء السلام، مع خلو إدارة الملف من شخصية وطنية متفق عليها من قبل الاطراف المتنازعة، وعدم وجود خبرات رصينة في التفاوض، وبناء الحملات الدعائية.

تكشف معاينة ملف المصالحة الوطنية، أنها لا تأتي ضمن اولويات الادارة السياسية بعد 2003، انما تحول الى ورقة للتفاوض السياسي داخليا وخارجيا، وبالتالي اضاع الملف زخمه الاجتماعي وفقد خاصية الاهتمام من قبل المجتمع العراقي.

الغريب ان مخرجات الصراع السياسي بعد 2003، لم تدفع الاطراف الفاعلين فيه للبحث عن حلول نحو التغيير من سمة الصراع العنيف وجعله يأخذ الطابع السلمي، يلاحظ على من ادار ملف المصالحة الوطنية حصر في زاوية "الانتقام والمعاقبة" من دون نقله الى مرحلة المكاشفة والمعالجة، ينبع هذا الخلل من إفتراق بين مسارين أساسيين لإكمال خطوات المصالحة الوطنية هما "مسار العدالة الانتقالية ثم المصالحة الوطنية".

أقيمت العدالة الانتقالية على أساس فكرة التعويض المالي اولا، ثم تفضيل الاداري فيما يخص الوظائف والعمل في دوائر الدولة لمن وقع عليهم الضرر سابقا، هذا يظهر ان العدالة الانتقالية كانت تبحث عن حالة من الارضاء الشكلي، من دون البحث عن الاسباب التي أنتجت الممارسات التي حصلت قبل تغيير النظام، وهنا نتساءل: هل جاء مطلب المصالحة نتيجة لضغط اجتماعي أم من تدوير المشكلات نفسه بصيغ مختلفة عن الماضي؟

جاء ظهور مطلب المصالحة نتيجة قرار رسمي حكومي، ذلك عندما أعلن السيد نوري المالكي في عام 2006 عن مشروع المصالحة الوطنية الذي أسس على توجهين، الاول تأسيس هيئة وطنية أطلق عليها "الهيئة الوطنية العليا للمصالحة"، والثاني "أيجاد مجموعة من الاليات والممارسات" تكون منطلقا لإجراء عملية المصالحة.

تؤكد البحوث التي تهتم بمجتمعات ما بعد الصراع على أهمية توافق العامل الاجتماعي مع السياسي، حتى يتحقق نفوذ السلطة في جعل المجتمع يتقبل عملية المصالحة من دون الوصول الى حالة الفرض والارغام، ويلمس هذا في النموذج العراقي، كون المصالحة لا تضع قوانين مسبقة للشروع بخطواتها، انما تعمل على جلب الاطراف المتنازعة الى مستوى من الشعور بخطورة الاستمرار بالصراع الى مديات مفتوحة، يفتح حصول القناعة بجسامة الازمة، الطريق نحو البحث عن الحقيقة وليس المتهم.

معوقات المصالحة الوطنية:

نلمس من ملاحظة التحولات التي مر بها ملف المصالحة، ان الحلول تحمل الطابع الرسمي، الذي يكتفي بإجراءات روتينية "إقامة مؤتمرات، إصدار منشورات، عقد لقاءات...الخ"، هذه الممارسات دفعت شريحة واسعة من المجتمع للنظر لملف المصالحة على انه "مماطلة سياسية" لاجل تسويف الحلول والتغاضي عن اهمية الملف، أذ لم يبادر الى إطلاق حوار وطني شامل يضع المصالحة ضمن اولويات حل الازمة العراقية القائمة منذ 2003 لغاية الان، انما حصر متطلبات المصالحة الوطنية بأسئلة غير مجدية منها "من يصالح من؟ مع من نتصالح" وهناك من يطالب بتقديم اعتذار عن ما حصل قبل 2003.

هناك من يطرح معوقات عديدة، وهي في أغلبها معروفة لكل متابع للشأن العراقي، منها "الطائفية السياسية، تفشي الفساد، المحسوبية الحزبية، المناطقية"، لكن تبقى عملية بناء الثقة بين اطراف النزاع هي التحدي الاهم، إذ لا يمكن الشروع بعملية مصالحة وطنية، من دون أرضية مشتركة بين الاطراف المتنازعين.

تقوم عملية بناء الثقة على الجدية والشعور بالمسؤولية اتجاه ما يجري من هدر إنساني ومالي، في الوضع العراقي هناك أزمة حقيقية تمنع انتاج بناء الثقة بين أطراف النزاع، تمكّن في الافتراق الملموس بين الاخلاقي والسياسي في سلوك الطبقة السياسية التي تدير شؤون السلطة، لهذا فإن ما يقال لا يتحول الى فعل، زاد من عدم بناء الثقة من توقف الممارسة السياسية عند حدود طائفية ومحلية، وجعل أغلب أفراد المجتمع العراقي يتساءلون، مع إنشاء هيئة وطنية للمصالحة الوطنية، كررنا أخطاء الماضي أو قمنا بإعادتها بشكل أخر؟ إذن أين يكمن الخلل؟!.

* خاص بشبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0