مرة أخرى أصبحت فرنسا ملعبا للإرهاب، هذه المرة مدينة نيس، بعد سلسلة تفجيرات باريس، ومجلة شارلي ايبدو، بين حين وآخر تصحو فرنسا على عمل إرهابي يزهق العديد من الأرواح، وعندما نتدارس طبيعة تلك الهجمات، فإننا لا نجد تشابها او تقاربا بينها، من حيث طريقة التنفيذ او الأدوات التي يتم استخدامها، في شارل ايبدو كان أسلوب الاستهداف المسلح هو الطاغي على العملية.

في هجوم طعن الشرطي أمام زوجته، هو الآخر أسلوب مختلف، وكل العمليات الإرهابية التي حدثت في باريس او سواها من المدن الفرنسية كانت تحمل معها طابع المفاجأة والمغايرة، آخر هذه الاعتداءات، عملية دهس بشاحنة كبيرة مع إطلاق نار مكثف عشوائي على الناس، طريقة أخرى مختلفة لإرعاب الناس وبث الخوف في نفوسهم، فضلا عن تحقيق مجزرة كبرى من القتلى الأبرياء، فقد وصل عدد القتلى بحسب آخر تصريحات رسمية فرنسية (84) قتيلا، وعشرات الجرحى!.

توقيت العملية الإرهابية أيضا يحمل معه طابعا خاصا، فكما جاء في مصادر الاخبار المستقلة والرسمية، أن العشرات من الفرنسيين العزل أزهقَت أرواحهم، وأُصيب عشرات آخرون من الأبرياء من مختلف الأعمار، بعد أن دهست شاحنة حشدا من الجماهير المكتظة أثناء الاحتفالات بالعيد الوطني في فرنسا، بيوم الباستيل، في مدينة نيس، جنوبي البلاد.

من جهته ألقى الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، خطابا الى الأمة الفرنسية قال فيه إن "أطفالا ضمن القتلى في الهجوم الذي لا يمكن أن ننكر أنه إرهابي"، وبدأ اجتماعا أمنيا طارئا في باريس، من المقرر أن يتوجه بعده إلى نيس، ووقع الحادث في شارع "بروميناد دي انغلي"، الشهير في نيس، أثناء إطلاق الألعاب النارية، ووفقا للادعاء العام فإن "سائق الشاحنة قادها بسرعة لنحو كيلو مترين وسط الحشود قبل أن تقتله الشرطة"، وعثر على أسلحة وقنابل يدوية في الشاحنة، بحسب مصادر في الشرطة، كما ذكرت وسائل إعلام فرنسية أن الشرطة عثرت أيضا على أوراق تشير إلى أن سائق الشاحنة فرنسي من أصل تونسي.

في العراق تكونت لدينا خبرة متراكمة تجاه العمليات الإرهابية المختلفة، فطوال عقد ونيّف من السنوات، تم استهداف الشعب العراقي من المدنيين العزّل بعشرات العمليات الإرهابية المختلفة، منها ذات تأثير كبير كارثي تصل خسائر العراقيين فيه الى مئات الشهداء، ومنها متوسط التأثير، والنوع الثالث هو الأقل تأثيرا، ومع أن هذه الاعتداءات متشابهة الى حد بعيد من حيث الأسلوب والتنفيذ بأدوات متشابهة، لكن هذا التشابه في لم يقلل منها أو من الخسائر التي تنتج عنها في الأرواح او الممتلكات.

وهذا يعني أن المسؤولين العراقيين لم يحاولوا الاستفادة من هذه الخبرة المتراكمة كي يتصدوا للعمليات الإرهابية التي تكون معظمها انتحارية، او بالعجلات المفخخة، او إطلاق القذائف عن بعد، وغالبا ما تتحرك الجهات الأمنية بعد حدوث العمل الإرهابي لتعلن عن إلقاء القبض على عناصر لهم علاقة بالاعتداء، وهو إجراء متكرر بعد كل عملية لامتصاص النقمة الشعبية.

البحث عن العلل الفعلية

تكرار العمليات الإرهابية بالعراق، على الرغم من مرور سنوات عديدة، يؤكد أن سياسة رد الفعل الآني هي التي كانت تسود على السياسات الصحيحة لمكافحة مثل هذه الأعمال، ويبدو أن هذا الأسلوب انتقل الى الأجهزة الفرنسية المعنية، فها هي تتخذ الإجراءات الأمنية المطلوبة ولكن بعد فوات الأوان، فما أن يحدث العمل الإرهابي ويتم إزهاق أرواح الأبرياء، حتى تنطلق القوات المعنية بأعمال (خارقة) لمعالجة هذا العمل الإرهابي ونتائجه، ولكن ما فائدة ذلك.

وكل ما تمكن عليه الرئيس الفرنسي بعد هذا العمل الإرهابي الخطير (84 قتيلا وعشرات الجرحى) أنه أعلن تمديدة حالة الطوارئ المفروضة على البلاد منذ موجة التفجيرات الأولى، وهذا يعني أن سياسة رد الفعل هي السائدة في التعامل الفرنسي مع العمليات الإرهابية، وهو أسلوب عاجز تماما، أو ينم عن عجز الجهات المسؤولة عن حفظ أرواح الناس وممتلكاتهم، وعدم القدرة على توفير حياة آمنة مستقرة لهم.

لقد قال هولاند إنه سيمدد حالة الطوارئ المفروضة في البلاد لثلاثة أشهر، اعتبارا من السادس والعشرين من يوليو/ تموز الجاري، وكان من المفترض أن تنتهي حالة الطوارئ التي تم تمديدها مرتين عقب هجمات باريس في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وقال هولاند إن الحكومة "ستزيد من الإجراءات الأمنية، وستدفع بآلاف من جنود الاحتياط لمساعدة قوات الأمن"، فيما دعت السلطات المحلية المواطنين إلى التزام منازلهم، واصفة الحادث بأنه قد يكون "هجوما إرهابيا".

وفضلا عن القتلى والجرحى، فقد أصيب العشرات بحالة من الهلع وفروا من موقع الحادث، بحسب صور بثت على مواقع التواصل الاجتماعي، ونقلت صحيفة "نيس ماتين" المحلية عن أحد مراسليها قوله إن "الدماء تملأ المكان، وبلا شك هناك ضحايا"، وصرح شاهد عيان بأن "الآلاف كانوا في مكان الحادث أثناء وقوعه".

ولكن كل هذه الإجراءات جاءت بعد فوات الأوان، في هذا الجانب هناك تشابه بين ما يحدث في فرنسا وما يحدث في العراق، إن الجهات الأمنية في البلدين كما يبدو خضعت لسياسة رد الفعل، فهي لا تنشط ولا تتحرك ولا تستبق الاعتداءات والتفجيرات، بل تنتظر، او تصاب بالغفلة الى أن يحدث التفجير او العمل الارهابي، عند ذاك تتحرك العناصر الأمنية، فتلاحق وتطارد وتراقب وتتحرك ثم تلقي القبض على مشتبه بهم، وقد تكون لهم علاقة بهذا الاعتداء او ذاك وربما لا يكون لهم يد في ذلك.

وفي جميع الأحوال تأتي مثل هذه الأفعال، متأخرة كثيرة، ولا تحدث إلا نتيجة رد فعل يتكون ضد العمل الإرهابي بعد وقوعه، هذه السياسة أثبتت فشلها، ويبدو أن فرنسا قد أصيبت بهذه العدوى، وإلا كيف لبلد غربي متطور ويمتلك كل مقومات التكنولوجيا الحديثة والتطور الالكتروني الهائل فيما يخص أجهزة المراقبة والتنصّت والتصوير وما شابه، كيف له البقاء مكتوف الأيدي حتى حدوث الإنفجارات والاعتداءات المختلفة؟.

هناك علل أسهمت بتمرير هذه الاعتداءات وجعلتها ممكنة الحدوث في دولة متقدمة، مستقرة، متطورة، تمتلك جميع وسائل كبح الإرهاب، ودرء خطره قبل الحدوث، فلماذا يحدث الانفجار او الاعتداء الإرهابي، لكي تتحرك الأجهزة الأمنية بعد ذلك؟؟ أليس الصحيح هو استباق العمليات الإرهابية قبل وقوعها.

إعلان الحداد في فرنسا

في وقت مضى كان بعض المصلحين من المسلمين وغيرهم في عموم العالم، يؤكدون على أهمية نشر العدالة في ربوع العالم، وكان التركيز في هذا الجانب على أهمية توزيع الثروات العالمية بصورة عادلة، وعد حصرها لدى أقلية من سكان الأرض لا تتجاوز نسبتهم 1% من سكان الأرض، في حين يبقى 99% منهم لا يعرفون أين ذهبت ثرواتهم، هذا بالإضافة الى التحكم بهم اقتصاديا وماديا، والتجاوز على حقوقهم، وإمكانية الضغط الاقتصادي عليهم لتحقيق أهداف ومآرب سياسية للأقلية المالكة لثروات العالم.

قد يقول قائل، ما علاقة توزيع ثروات الأرض بما يحدث اليوم من تفجيرات، طالت أوربا وأمريكا والشرق الأوسط والأدنى ومناطق أخرى من العالم؟ الجواب: لا شك أن غياب العدالة في توزيع هذه الثروات له تأثير مباشر على إنتاج حالة القلق والفوضى التي يعيشها العالم، ان تكريس ثروات العالم لدى أقلية ينتج عتها ظلم كبير للنسبة الأكبر من البشرية.

فمن بين الأسباب والعلل التي ينبغي ابحث فيها والكشف عنها ومعالجتها، هي تحقيق العدالة في هذا المجال، فموجات الفقر التي تكتسح الأمم الفقيرة، وقلة الرفاهية، وانتشار البطالة، وتراكم حالة الشعور باللاجدوى بين الشبيبة، وبروز ظاهرة اليأس بين أمم العالم، وانتشار حالة الشعور بالظلم، كل هذه أسباب ينبغي البحث عنها ومعالجتها والتصدي لها بجرأة، وعدم الركون الى سياسة (رد الفعل) حيث تنام الحكومات وأجهزتها الأمنية لتستيقظ من حدود الاعتداءات التي تطول الأبرياء في دول العالم المختلفة.

علما أن أوربا كانت تظن أنها محصنة ضد الإرهاب، وعندما شاركت بعض دول أوربا في صناعة الإرهاب وتدريب منظماته وتمويلها لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية، لم يكن يخطر في بالها، أن ما حدث ويحدث اليوم في الشرق الأدنى والدول الضعيفة الأخرى، سوف ينتقل إليها عاجلا أم آجلا، وها هي موجات الإرهاب تكتسح المدن الأوربية واحدة تلو الأخرى بأنواع مختلفة من العمليات الإرهابية، فيما تصحو متأخرة على إيقاع الموت وانتشار المجازر البشرية بين حين وآخر.

ومن بين ردود الفعل المتأخرة، في سياق الإجراءات المعلنة بعد الحادث "المروع"، سيدرس البرلمان الفرنسي مشروع قانون يمدد حالة الطوارئ المفروضة في البلاد إلى نهاية تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، ولكن هل هذا هو الحل الصحيح والكافي، وهل سيضع مثل هذه الحلول الآنية الناتجة عن سياسية (رد الفعل) حدا للاعتداءات، وهل ستكون أوربا آمنة ومحصنة فعلا من الإرهاب.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0