من أهم سلطات الدولة المدنية، هي السلطة التشريعية (البرلمان)، كونها تمثل رأي الشعب، وتدافع عن حقوقه، وتحمي حرية الرأي وتسن القرارات والقوانين التي تساعد الشعب على العيش حياة مرفهة محصنة بالعدل والأمن والسلام، من خلال اتخاذ كافة الأمور والخطوات التي من شأنها أن تحمي مكتسبات الشعب في دولته المدنية القائمة على مبدأ الفصل بين السلطات.

ولعل المشكلة الكبيرة التي واجهها العراقيون، ومعهم عدد كبير من شعوب المنطقة ومن مختلف شعوب الأرض (المتأخرين)، هي سيطرة (السلطة التنفيذية/ الحكومة) على السلطات والمؤسسات المدنية الاخرى كالقضاء، والسلطة التشريعية والاعلام التي سميت في بعض الحالات (السلطة الرابعة) في اشارة الى اهمية تأثير الاعلام في حياة الشعوب والدول.

لقد واجه العراقيون انظمة سياسية تعاقبت على حكمه عقود وعقود، كلها لا تحترم مبدأ الفصل بين السلطات، وكل تلك الحكومات الفردية الناتجة عن (الانقلابات العسكرية) والارتباط بالاستعمار، كانت تصنع لها (مؤسسة تشريعية/ برلمان) شكلي، يأتمر بأوامر الحاكم، ويقول ما يقوله ويرى ما يراه وينفذ ما يرده الحاكم وليس ما يريده الشعب.

اليوم بعد نيسان 2003 أصبحت دولتنا كما يقال دولة مؤسسات واصبح فيها برلمان منتخب من دلن الشعب ويمثله، فهل دخل العراقيون في عصر الددولة المدنية فعلا؟ واذا كان الامر كذلك لماذا تسيطر اللامبالاة على (نواب الشعب)، ولماذا يلهثون وراء مصالحهم فقط، إن النائب البرلماني، كما هو متفق عليه، يمثل الشعب، ويمثل الاصوات التي أوصلته الى هذه المكانة المهمة، وعلى هذا الاساس هناك أمانة كبيرة تقع على عاتق النائب ازاء الشعب، يؤكدها اليمين الذي يقسم به، على أن يكون خير ممثل للشعب وأكثر الناس حرصا على مصالحه، تُرى هل يقوم النواب العراقيون بمسؤوليتهم هذه، وهل الساسة العراقيون حريصون على مصالح ووحدة الشعب وآماله وتطلعاته نحو بناء دولة مدنية، تحمي حقوقه وتساعده على اداء واجباته؟ هل نحن بدأنا نعيش عصر الديمقراطية فعلا، وهل مجلس نوابنا غير مرتبط بجهات سياسية تفرض عليه ارادتها؟ وتجعله تابعا لها ومنفذا لمصالحها وليس لمصالح الشعب؟.

تبعية النائب البرلماني للسلطة

إن النواب العراقيين كما لاحظنهم خلال السنوات المنصرمة خلال عقد او اكثر، لم يلتزموا بمبدأ الديمقراطية وبالتمثيل الحقيقي لمصالح الشعب، نعم هناك استقلالية في التشريعات ولكن هذه الحرية لا تزال محكومة بالأوامر السياسية التي ترد من الاحزاب والكتل للنواب، لذلك لا يزال النائب تابعا (للسلطة)، طالما أنه لا يمثل ارادة الشعب ومصالحه، لأن ما جرى ويجري حتى هذه اللحظة يجيب بالنفي عن السؤال السابق، فجميع الدلائل تؤكد أن ممثلي الشعب مصابون بحالة المصلحة، لاسيما عندما يتعلق الامر والقرار بالشعب والوطن، فتراهم يتصرفون بعيدا عن المسؤولية، وبعيدا عن ادراك المخاطر المصيرية التي تحيط بالشعب والدولة، إنهم يصبحون فعالين نشطين فقط في حالة واحدة، ويتسلحون بالجدية والاصرار فقط عندما يتعلق التشريع او القرار بمصالحهم الشخصية او الحزبية او عندما يتعلق الامر بامتيازاتهم المالية.

في هذا الكلام هل نحن نظلم البرلمانيين، في الحقيقة حتى هذه اللحظة لم نرَ فائدة جدية للشعب من مجلس النواب، لأن النائب يتجاهل مصلحة الشعب، وعندما يتعلق الأمر بمصلحته هو، في هذه الحالة، ينفض غبار اللامبالاة عن عقله وذهنه وإرادته، ويقفز ويتحرك ويعمل بقوة وإصرار، على اداء أمانته النيابية التي تتمحور بكونه ممثلا للأصوات التي منحته ثقتها، ورفعته الى منصبه في قبة البرلمان، والدليل على ذلك سرعة إقرارهم لجميع التشريعات التي تتعلق بامتيازاتهم ومكاسبهم، أما اذا تعلق الامر بالمواطن وهو الذي أوصلهم الى مناصبهم، فحينئذ يتصرفون بطريقة التجاهل والتريث والتسويف، كون مثل هذه الامور لا تشكل فائدة مادية لهم أو للاحزاب والكتل التي ينتمون لها، في حين أن اصوات الشعب هي التي أوصلتهم الى مقاعدهم في البرلمان.

هل النائب لا يعرف ما هو واجبه ومهماته تجاه من يمثلهم؟، ألم يؤدي النواب القسم قبل ان يقوموا بالانضمام الفعلي الى هذه المؤسسة التشريعية، اذاً لماذا لا يقول مجلس النواب بدوره كما يجب تجاه العراقيين، لاسيما أن المرحلة الراهنة التي يحاول أن يتجاوزها العراق بأمان، تعد من اخطر المراحل التي مرت به، ما يستدعي وقفة تاريخية للنواب العراقيين لتصحيح المسارات الخاطئة ولكن كما نلاحظ لا يقوم النواب بدورهم كما هو مطلوب، والأسباب كثيرة منها تم ذكره، وهناك أسباب قد نجهلها، ولكن في جميع الأحول وكما تشير الأوضاع والأنشطة السياسية والبرلمانية فإن هذه المؤسسة لم تقم بدورها كما يجب.

خطورة المرحلة الراهنة

لذا يستدعي الأمر أن يتنبّه البرلماني العراقي الى خطورة الاوضاع التي يمر بها البلد، وعندما لا يصحو ضمير النائب والسياسي، حتى في وضع مصيري كالذي يمر به العراق الآن، فلابد أن تكون هناك أسباب خطيرة تقف وراء سيطرة وهيمنة ظاهرة اللامبالاة بالخطر، الذي يتحلى بها النواب والساسة العراقيون الآن، فهم أما أنهم يتحلون بالشجاعة والصبر على النوائب والاخطار الجسيمة!، وهو أمر لا تثبته الوقائع كما نراها ونتلمسها، وأما لا يدركون هذه المخاطر وفداحتها، وهو أمر وارد، بسبب قصور الادراك العميق لدى الكثير منهم، وأما لا يعنيهم مصير البلد ولا الشعب.

لذلك هم يتعاملون وفقا لمصالحهم المادية والحزبية مع أكثر المخاطر تهديدا للبلد، وهذا الاستنتاج لم نصرح ب هاو نقوله بطريقة عشوائية في اطلاق الاتهامات جزافا، وإنما جميع الدلائل تؤكد هذا الخلل في عمل مجلس النواب، خاصة اذا عرفنا ان هذا المجلس وكما اثبتت الكثير من تشريعاته، انه يتبع الاحزاب ويفضل مصالحها على مصلحة الشعب.

في التجارب المماثلة للدول الاخرى، كما تسجل لنا صفحات التاريخ السياسي العالمي، وعندما كانت دواة ما تتعرض للتهديد المصيري المباشر، فإن النواب وجميع الساسة لتلك الدولة، تذهب الى اتخاذ القرارات والتشريعات والافعال الكبيرة والمناسبة، لكي تعيد الامور الى نصابها، وفقا للتشريعات التي تصدر من ممثلي الشعب، والهدف من وراء ذلك حماية الشعب والدولة من المخاطر التي تحيق بها.

فهل قامت المؤسسة التشريعية التي تمثل الشعب، بدورها كما يجب؟ أم أنها كانت تشكل صورة للتشرذم، واختلاف الرؤى وتصادم الإرادات والمصالح؟، في الحقيقة وكما تشير الأفعال على الارض، فإن مجلس النواب يمثل صورة مصغرة للتناقضات التي تحدث في مكونات القاعدة الشعبية، ولأن هذا المجلس يفترض أن يمثل النخبة السياسية للبلد، فإنه من المعيب أن تتحول المؤسسة التشريعية الى بؤرة لإثارة الخلافات من خلال التصريحات والصراعات الكلامية وأحيانا العنيفة بين أفراد المجلس كما حدث ذلك في أكثر من حادثة.

لذا يطالب الشعب من أعضاء هذه المؤسسة أن يختاروا بين امرين، أما مصالحهم ومصالح أحزابهم وكتلهم، وأما مصالح الشعب العراقي، وعلى هذه المؤسسة أن تعرف بأن ما تقوم به سوف يتم حفظه في ذاكرة التاريخ، وان كل الأعمال والأفعال والقرارات والتشريعات التي تخرج من هذه المؤسسة محفوظة في سجلات ورقية والكترونية لا يمكن محوها على مر التاريخ، بالإضافة الى ذاكرة الشعب التي لا تغفل ولا تنسى من يؤذي الشعب بقراراته وتصرفاته.

المطلوب إخراج العراق من هذه المرحلة بأقل الخسائر، سالما معافى، وهذا ليس بعسير، وهنا يبرز دور هذه المؤسسة التشريعية التي تمثل الشعب، وينبغي أن تحترم هذا التمثيل وتدافع عنه بالطريقة التي يثبت فيها أعضاء البرلمان وطنيتهم وحرصهم على شعبهم وعلى دولتهم ووحدتها ومصالحها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
2